Friday, 12 August 2022 05:27 GMT

وشهدنا عصر عولمة الطعام

(MENAFN- Akhbar Al Khaleej)

على‭ ‬عكس‭ ‬جيلنا،‭ ‬يستعر‭ ‬جيل‭ ‬الشباب‭ ‬من‭ ‬الوجبات‭ ‬المنزلية‭ ‬التقليدية،‭ ‬وقد‭ ‬يرفض‭ ‬تناول‭ ‬أكلات‭ ‬شعبية‭ ‬مثل‭ ‬المكبوس‭ ‬والفول‭ ‬في‭ ‬البيت،‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬غضاضة‭ ‬في‭ ‬تناولها‭ ‬في‭ ‬مطعم،‭ ‬والشاهد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الشباب‭ ‬المعاصر‭ ‬راح‭ ‬ضحية‭ ‬فنون‭ ‬الإعلان‭ ‬التي‭ ‬تستدرج‭ ‬الناس‭ ‬الى‭ ‬كوكتيل‭ ‬من‭ ‬المأكولات‭ ‬التي‭ ‬ينصح‭ ‬الأطباء‭ ‬بعدم‭ ‬تناولها‭.‬

لو‭ ‬سألت‭ ‬قبل‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬جيلنا‭: ‬ما‭ ‬هو‭ ‬‮«‬بشاميل»؟‭ ‬لربما‭ ‬كان‭ ‬رده‭ ‬بالتساؤل‭: ‬هل‭ ‬هو‭ ‬شخصية‭ ‬تركية؟‭ ‬شخصيا‭ ‬كنت‭ ‬اعتقد‭ ‬أن‭ ‬الـ‮«‬مايونيز‮»‬‭ ‬شعب‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الهادي،‭ ‬وأن‭ ‬كتشاب‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التمارين‭ ‬الرياضية،‭ ‬لأن‭ ‬تمرين‭ ‬الاستلقاء‭ ‬على‭ ‬البطن‭ ‬ثم‭ ‬رفع‭ ‬الجسم‭ ‬بقوة‭ ‬الذراعين‭ ‬اسمه‭ ‬بوشاب‭ ‬ pushup ،‭ ‬وأن‭ ‬مورتديلا‭ ‬ناد‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭ ‬في‭ ‬إيطاليا،‭ ‬ولما‭ ‬سمعت‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬الأفلام‭ ‬زوجة‭ ‬تطلب‭ ‬من‭ ‬البعل‭ ‬وهو‭ ‬يغادر‭ ‬البيت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يجيب‭ ‬معه‭ ‬ماجي‮»‬‭ ‬عندما‭ ‬يعود،‭ ‬حسبت‭ ‬ان‭ ‬ماجي‭ ‬طفلة‭ ‬من‭ ‬العائلة،‭ ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الروضة‭ ‬أو‭ ‬الحضانة‭.‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬دون‭ ‬الثلاثين‭ ‬فإن‭ ‬مسميات‭ ‬مثل‭ ‬كيه‭ ‬إف‭ ‬سي‭ (‬وجيلنا‭ ‬مازال‭ ‬متمسكا‭ ‬بالاسم‭ ‬القديم‭ ‬لها‭ ‬‮«‬كنتاكي‮»‬‭)‬،‭ ‬وبيرغر‭ ‬كنج‭ ‬وماكدونالدز‭ ‬وبيتزا‭ ‬هت‭ ‬وشيليز‭ ‬وأبلبيز،‭ ‬وسلسلة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬أسماء‭ ‬مطاعم‭ ‬تقدم‭ ‬الوجبات‭ ‬السريعة‭ ‬والبطيئة،‭ ‬مسميات‭ ‬مفهومة‭ ‬يعرفونها‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬كانوا‭ ‬أطفالا،‭ ‬ورغم‭ ‬أنني‭ ‬لحقت‭ ‬بعصر‭ ‬الوجبات‭ ‬‮«‬الوقافي‮»‬‭ ‬أي‭ ‬التي‭ ‬تأكلها‭ ‬وأنت‭ ‬واقف‭ (‬عكس‭ ‬جالس‭)‬،‭ ‬قبل‭ ‬معظم‭ ‬أبناء‭ ‬جيلي،‭ ‬لأنني‭ ‬ابتُعِثت‭ ‬إلى‭ ‬لندن‭ ‬للدراسة‭ ‬بعد‭ ‬تخرجي‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬بأعوام‭ ‬قليلة،‭ ‬فإنني‭ ‬لم‭ ‬أتذوق‭ ‬البيرغر‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انتشر‭ ‬وبائيا،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬سيئ‭ ‬الظن‭ ‬به‭ ‬لأن‭ ‬اسمه‭ ‬الأصلي‭ ‬هو‭ ‬‮«‬هام‭-‬بيرغر‮»‬،‭ ‬وهام‭ ‬تعني‭ ‬شرائح‭ ‬لحم‭ ‬الخنزير،‭ ‬وانتبه‭ ‬أصحاب‭ ‬المطاعم‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬ذلك‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬السندويتشات‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬المسلمين‭ ‬يعافونها‭ ‬بسبب‭ ‬وجود‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬هام‮»‬‭ ‬في‭ ‬أولها،‭ ‬وعرفت‭ ‬لاحقا‭ ‬ان‭ ‬‮«‬هام‭-‬بيرغر‮»‬‭ ‬أتت‭ ‬نسبة‭ ‬الى‭ ‬مدينة‭ ‬هامبيرغ‭ ‬الألمانية‭ (‬يسميها‭ ‬العرب‭ ‬هامبورج‭) ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬ابتكر‭ ‬سندويتش‭ ‬سجق‭/‬نقانق‭ ‬لحم‭ ‬الخنزير‭.‬

ما‭ ‬حدث‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬فكما‭ ‬اخترع‭ ‬أسلافنا‭ ‬الصفر‭ ‬و«فرْملنا‮»‬‭ ‬ووقفنا‭ ‬عنده‭ ‬عبر‭ ‬القرون،‭ ‬فقد‭ ‬اكتشفت‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬أقاربنا‭ ‬القدماء‭ ‬هم‭ ‬أصحاب‭ ‬براءة‭ ‬اختراج‭ ‬السندويتش،‭ ‬وحملني‭ ‬على‭ ‬مصالحة‭ ‬البيرغر‭ ‬أن‭ ‬المغول‭ ‬وليس‭ ‬أهل‭ ‬أوروبا‭ ‬هم‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬ابتكره،‭ (‬إذا‭ ‬أردت‭ ‬التبرؤ‭ ‬من‭ ‬المغول‭ ‬فأنت‭ ‬حر‭)‬،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬جنود‭ ‬جنكيز‭ ‬خان‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬غزو‭ ‬متصلة‭ ‬لأراضي‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬لديهم‭ ‬وقت‭ ‬طويل‭ ‬يقضونه‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬وتناول‭ ‬الطعام،‭ ‬فكان‭ ‬كل‭ ‬جندي‭ ‬يضع‭ ‬شريحة‭ ‬لحم‭ ‬تحت‭ ‬سرج‭ ‬حصانه،‭ ‬وعند‭ ‬توقفه‭ ‬يجد‭ ‬تلك‭ ‬الشريحة‭ ‬مضغوطة‭ ‬ومسطحة‭ ‬يسهل‭ ‬طبخها‭ ‬وتناولها،‭ ‬بعد‭ ‬وضعها‭ ‬داخل‭ ‬قطعة‭ ‬خبز،‭ ‬وعندما‭ ‬احتل‭ ‬المغول‭ ‬موسكو‭ ‬ابتكروا‭ ‬طريقة‭ ‬أسرع‭ ‬لإعداد‭ ‬وطبخ‭ ‬اللحم‭ ‬وهي‭ ‬جعله‭ ‬مفروما،‭ ‬ثم‭ ‬تعريضه‭ ‬للضغط‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬كتلة‭ ‬متماسكة،‭ ‬ومنهم‭ ‬وصلت‭ ‬إلينا‭ ‬الكفتة‭ ‬الأسطوانية‭ ‬الشكل،‭ ‬ولكن‭ ‬لأننا‭ ‬دراويش،‭ ‬فقد‭ ‬ظللنا‭ ‬نأكلها‭ ‬ولا‭ ‬نقوم‭ ‬بتسويقها،‭ ‬ثم‭ ‬عرف‭ ‬بأمرها‭ ‬الغربيون‭ ‬فجعلوها‭ ‬كروية،‭ ‬فأخذنا‭ ‬منهم‭ ‬الفكرة‭ ‬بل‭ ‬والاسم‭ ‬‮«‬مِيت‭ ‬بول‮»‬‭ ‬وتعني‭ ‬كرة‭ ‬اللحم،‭ ‬ثم‭ ‬نزل‭ ‬الأمريكان‭ ‬السوق‭ ‬وضربوا‭ ‬الميت‭ ‬بول‭ ‬على‭ ‬أم‭ ‬رأسه‭ ‬وجعلوه‭ ‬مستديرا‭ ‬مفلطحا‭ ‬ونالوا‭ ‬بالأونطة‭ ‬وسام‭ ‬ابتكار‭ ‬البيرغر‭.‬

الغريب‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬مدننا‭ ‬الكبرى‭ ‬بها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬فروع‭ ‬المطاعم‭ ‬الأوروبية‭ ‬والأمريكية،‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬لنا‭ ‬نفس‭ ‬الأكلات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬إعدادها‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬أو‭ ‬المطاعم‭ ‬العربية‭ ‬الشعبية،‭ ‬ولكن‭ ‬بمسميات‭ ‬موسيقية‭ ‬فندفع‭ ‬مبالغ‭ ‬متلتلة‭ ‬لشرائها‭ ‬وأكلها،‭ ‬واتحداك‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬أكلت‭ ‬شيئا‭ ‬غير‭ ‬اللحم‭ ‬الأحمر‭ ‬والأبيض‭ (‬سمك‭ ‬ودجاج‭)‬،‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المطاعم‭. ‬إنها‭ ‬عقدة‭ ‬المستورد،‭ ‬والغفلة‭! ‬بمعنى‭ ‬ان‭ ‬تلك‭ ‬المطاعم‭ ‬تستغفلنا،‭ ‬وتقدم‭ ‬لك‭ ‬قطعة‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬اللحم‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬برواز‭ ‬من‭ ‬الخضراوات‭ ‬والخزعبلات‭ ‬الملونة‭ ‬وتجد‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬الطعام‭ ‬طابورا‭ ‬من‭ ‬الأواني‭ ‬اللامعة،‭ ‬وحولك‭ ‬جرسون‭ ‬تحسبه‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬أناقته‭ ‬‮«‬عريسا‮»‬‭ ‬سيجلس‭ ‬في‭ ‬الكوشة‭ ‬بعد‭ ‬دقائق،‭ ‬ويقوم‭ ‬المطعم‭ ‬بتحميلك‭ ‬جانبا‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬تلك‭ ‬الأواني‭ ‬والديكورات،‭ ‬بل‭ ‬وجانبا‭ ‬من‭ ‬راتب‭ ‬الجرسون‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬عادة‭ ‬أكثر‭ ‬أناقة‭ ‬من‭ ‬الزبائن‭.. ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬‮«‬ملعوب‮»‬‭. ‬مو‭ ‬ممكن‭ ‬تكافئ‭ ‬كل‭ ‬هذي‭ ‬القيافة‭ ‬والأناقة‭ ‬بمبلغ‭ ‬هزيل‭.‬

MENAFN05082022000055011008ID1104654505


إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.