جدلية الفلوس والفَلَس

(MENAFN- Akhbar Al Khaleej) كتبت‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬عن‭ ‬الإحباط‭ ‬الذي‭ ‬سببته‭ ‬لي‭ ‬دراسة‭ ‬مسحية‭ ‬في‭ ‬بريطانيا،‭ ‬مؤداها‭ ‬أنه‭ ‬لكي‭ ‬تكون‭ ‬سعيدا،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬لك‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬نحو‭ ‬خمسة‭ ‬ملايين‭ ‬دولار،‭ ‬ونجم‭ ‬الإحباط‭ ‬عن‭ ‬أنني‭ ‬ملياردير‭ ‬بالجنيه‭ ‬السوداني،‭ ‬واستعنت‭ ‬بمحاسب‭ ‬حاصل‭ ‬على‭ ‬زمالة‭ ‬كلية‭ ‬الجراحين‭ ‬بأدنبره،‭ ‬لتقصي‭ ‬مدى‭ ‬سعادتي‭ ‬فقام‭ ‬بتحويل‭ ‬ملياراتي‭ ‬إلى‭ ‬دولارات‭ ‬وقال‭ ‬لي‭: ‬أنت‭ ‬مديونير‭.‬

ومع‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬أخفي‭ ‬إعجابي‭ ‬بالخواجات،‭ ‬خاصة‭ ‬لولعهم‭ ‬واهتمامهم‭ ‬بالعلوم‭ ‬والمعرفة‭ ‬وحبهم‭ ‬للبحث‭ ‬والدراسات‭ ‬والتمحيص،‭ ‬وهم‭ ‬الذين‭ ‬اكتشفوا‭ ‬منابع‭ ‬النيل،‭ ‬وآثار‭ ‬الأقدمين‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬النيل‭ ‬وبلاد‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬النهرين‭. ‬وإذا‭ ‬اضطلع‭ ‬أحدهم‭ ‬ببحث‭ ‬علمي‭ ‬يتطلب‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬والمسوحات،‭ ‬أمضى‭ ‬فيه‭ ‬عدة‭ ‬سنوات‭ ‬مستجوبا‭ ‬الآلاف‭. ‬وما‭ ‬بين‭ ‬عام‭ ‬1997‭ ‬و2004‭ ‬قام‭ ‬الدكتور‭ ‬كرستوفر‭ ‬بويس‭ ‬من‭ ‬قسم‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬بجامعة‭ ‬واريك‭ ‬البريطانية‭ ‬بدراسة‭ ‬أحوال‭ ‬80‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬ليعرف‭ ‬ما‭ ‬‮«‬يجعل‭ ‬الناس‭ ‬سعداء‭ ‬أو‭ ‬تعساء‮»‬،‭ ‬واستنتج‭ ‬أن‭ ‬غالبية‭ ‬الناس‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬السعادة‭ ‬ووفرة‭ ‬المال‭ ‬ولكن‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة،‭ ‬فشخص‭ ‬ذو‭ ‬طموح‭ ‬جعفري‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬أي‭ ‬فائض‭ ‬في‭ ‬الراتب‭ ‬بنهاية‭ ‬كل‭ ‬شهر،‭ ‬دليل‭ ‬ثراء‭ ‬وبحبوحة‭ ‬بينما‭ ‬يخسر‭ ‬ملياردير‭ ‬500‭ ‬ألف‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬البورصة‭ ‬فيصاب‭ ‬بالاكتئاب‭ ‬ويفكر‭ ‬في‭ ‬الانتحار‭.‬

نسمع‭ ‬كثيرا‭ ‬كلاما‭ ‬من‭ ‬شاكلة‭: ‬الفلوس‭ ‬مو‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬الفلوس‭ ‬لا‭ ‬تشتري‭ ‬السعادة،‭ ‬وبالفلوس‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تشتري‭ ‬قطعة‭ ‬أرض‭ ‬ولكنك‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تشتري‭ ‬وطنا،‭ ‬وتستطيع‭ ‬أن‭ ‬تشتري‭ ‬سريرا‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تشتري‭ ‬النوم،‭ ‬وتستطيع‭ ‬أن‭ ‬تشتري‭ ‬الدواء‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬تشتري‭ ‬العافية،‭ ‬وبها‭ ‬تشتري‭ ‬الملابس‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬‮«‬الستر‮»‬‭. ‬من‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬قد‭ ‬تستنتج‭ ‬أن‭ ‬الفلوس‭ ‬ليست‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬وبالتالي‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تعطيني‭ ‬فلوسك‭ ‬لأن‭ ‬عدم‭ ‬المال‭ ‬هو‭ ‬سبب‭ ‬تعاستي‭ ‬النسبية؟

الفلوس‭ ‬لا‭ ‬تشتري‭ ‬السعادة؟‭ ‬حلو‭!! ‬زين‭!! ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬يشتري‭ ‬الفلس‭ ‬السعادة؟‭ ‬لا‭ ‬سعادة‭ ‬مع‭ ‬الفقر،‭ ‬فارحموا‭ ‬أنفسكم‭ ‬من‭ ‬الكليشيهات‭ ‬والمعلبات‭ ‬التي‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬وجدوى‭ ‬المال،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬تجري‭ ‬جري‭ ‬الوحوش،‭ ‬غير‭ ‬رزقك‭ ‬ما‭ ‬تحوش‭!!‬‮»‬‭ ‬كلام‭ ‬ظاهره‭ ‬الحكمة‭ ‬وباطنه‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬الخمول‭ ‬والتواكل‭ (‬وليس‭ ‬التوكّل‭). ‬سواء‭ ‬جريتُ‭ ‬مثل‭ ‬الوحوش‭ ‬أو‭ ‬التيوس‭ ‬فلن‭ ‬أحوش‭ ‬غير‭ ‬رزقي‭ ‬المقسوم،‭ ‬ولكن‭ ‬الرزق‭ ‬لا‭ ‬يجري‭ ‬وراءك‭ ‬بل‭ ‬أنت‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تجري‭ ‬وراء‭ ‬الرزق،‭ ‬وكلما‭ ‬جريت‭ ‬وتعبت‭ ‬واجتهدت‭ ‬كسبت‭ ‬مالا‭ ‬أكثر،‭ ‬ووفرت‭ ‬لنفسك‭ ‬ولمن‭ ‬تعول‭ ‬خدمات‭ ‬طبية‭ ‬وتعليمية‭ ‬واجتماعية‭ ‬أفضل‭. ‬ومرة‭ ‬أخرى‭ ‬أناشد‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الفلوس‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬شيئا‭ ‬أن‭ ‬يرسل‭ ‬لي‭ ‬ولو‭ ‬فوتو‭ ‬كوبي‭ ‬من‭ ‬الفلوس‭ ‬التي‭ ‬عنده‭ ‬لأنني‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬كابوس‭ ‬دون‭ ‬فلوس‭.‬

المشكلة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬ابن‭ ‬آدم‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الشبع‭ ‬من‭ ‬الفلوس،‭ ‬عندما‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬راتب‭ ‬4000‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬عهدي‭ ‬بالخليج،‭ ‬حسبت‭ ‬نفسي‭ ‬روكفلر‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ (‬كأن‭ ‬الرجل‭ ‬إيلون‭ ‬ماسك‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان‭)‬،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬ارتفع‭ ‬الراتب‭ ‬إلى‭ ‬14000‭ ‬كان‭ ‬البطر‭ ‬قد‭ ‬أصابني‭ ‬وصرت‭ ‬أشكو‭ ‬من‭ ‬هزال‭ ‬الراتب‭ ‬‮«‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يليق‭ ‬بكفاءتي‭ ‬ومركزي‮»‬‭. ‬الله‭ ‬يرحم‭!! ‬مشكلة‭ ‬معظم‭ ‬الناس‭ ‬مع‭ ‬المال‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أنهم‭ ‬لا‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬عندهم‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عند‭ ‬الآخرين‭: ‬عندي‭ ‬سيارة‭ ‬جديدة‭ ‬وبيت‭ ‬ملك‭ ‬حر‭ ‬وزوجة‭ ‬فور‭ ‬ويل‭ ‬وفل‭ ‬أتوماتيك‭ ‬وعيال‭ ‬متعلمون‭ ‬ورصيد‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬البنك‭ ‬لا‭ ‬حاجة‭ ‬به‭ ‬الآن‭. ‬بس‭ ‬يا‭ ‬خسارة‭. ‬سعدون‭ ‬عنده‭ ‬عمارة‭ ‬وزوجتين‭ ‬إحداهما‭ ‬موديل‭ ‬جديد‭ ‬وعنده‭ ‬حسابات‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬بنوك

دعك‭ ‬من‭ ‬سعدون‭ ‬يا‭ ‬تعسون‭ ‬وافرح‭ ‬بما‭ ‬عندك‭. ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬المعاصر‭ ‬2000‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬متوسط‭ ‬دخلهم‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬دولار‭ ‬واحد‭. ‬وأنت‭ ‬أيها‭ ‬القارئ‭ ‬لست‭ ‬منهم‭ (‬بإذن‭ ‬الله‭). ‬احمد‭ ‬ربك‭ ‬واجتهد‭ ‬لزيادة‭ ‬ما‭ ‬عندك‭ ‬ولكن‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬استمتع‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬عندك‭ ‬سلفا،‭ ‬وط... ‭ ‬في‭ ‬روكفلر‭ ‬وهتلر‭ ‬وبيل‭ ‬غيتس‭ ‬ووارين‭ ‬بفيت‭ ‬وإيلون‭ ‬ماسك‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬أول‭ ‬تريليونير‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭.‬

MENAFN01062026000055011008ID1111196273

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث