لغز التخدير بعد 180 عاماً.. هذا ما يحدث للدماغ عند فقدان الوعي

(MENAFN- Al-Bayan) يخضع ملايين الأشخاص للتخدير العام لإجراء العمليات الجراحية، لكن الآلية التي تجعل الدماغ يفقد الوعي مؤقتاً مع استمرار عمله لم تتضح بعد بالكامل.

توصل باحثون في دراسة جديدة إلى نمط مشترك في نشاط الجهاز العصبي لدى ستة أنواع مختلفة من الكائنات الحية، من البشر إلى الأسماك والديدان، ما يساعد في تفسير كيفية تأثير التخدير في الوعي.

نُشرت الدراسة في مجلة ((Nature Neuroscience))، وركزت على مقارنة النشاط العصبي لدى الحيوانات والبشر في حالتي اليقظة والتخدير العام، بهدف تحديد التغيرات التي تتكرر عبر أنواع متباعدة تطورياً، رغم اختلاف تركيب أدمغتها والمواد المستخدمة لتخديرها.

ويعود تاريخ التخدير العام الحديث إلى عام 1846، عندما جرى تقديم عرض علني شهير لاستخدامه في الجراحة، فاتحاً الطريق أمام عمليات طبية كانت ستظل شديدة الصعوبة أو مستحيلة من دونه. ومع التقدم الطبي، أصبح التخدير إجراءً أساسياً، لكن فهم الطريقة التي يفقد بها الدماغ استجابته الواعية للبيئة ظل سؤالاً علمياً معقداً.

ستة أنواع تكشف نمطاً مشتركاً

قاد فريق البحث عالمة الأعصاب أندريا لوبي من جامعة أكسفورد، ودرس بيانات النشاط العصبي لدى البشر، وقرود المكاك، وقردة المارموسيت، والفئران، وأسماك الزيبرا، والديدان الأسطوانية. وتمثل هذه الكائنات مسارات تطورية متباعدة تمتد، وفق الدراسة، عبر نحو 700 مليون سنة منذ أسلافها المشتركة.

واستخدم الباحثون وسائل مختلفة لقياس النشاط العصبي، بما يتناسب مع طبيعة كل نوع. ففي الثدييات، اعتمدوا على التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، الذي يستخدم التغيرات في تدفق الدم مؤشراً غير مباشر إلى نشاط مناطق الدماغ، أما أسماك الزيبرا والديدان الأسطوانية، فاستخدموا فيها تعديلات وراثية تجعل الخلايا العصبية قابلة للرصد من خلال تغيرات مرتبطة بالكالسيوم.

ورغم الاختلافات بين الأنواع والأدوية المستخدمة، كشفت المقارنة عن تغيرات متشابهة في طريقة عمل الشبكات العصبية أثناء التخدير، ما يشير إلى وجود خصائص مشتركة في استجابة الجهاز العصبي لهذه المواد.

الدماغ لا يتوقف

أظهرت النتائج أن النشاط العصبي بين مناطق الدماغ يصبح أقل تنسيقاً أثناء التخدير، بما يعني أن الخلايا والدوائر العصبية لا تتوقف بالضرورة عن العمل، لكنها تفقد جانباً من قدرتها على التواصل والتفاعل المنظم مع بعضها بعضاً.

كما لاحظ الباحثون أن الأنماط الزمنية للنشاط العصبي تصبح أكثر اضطراباً، ففي حالة اليقظة، يتبع النشاط العصبي تسلسلات يمكن أن ترتبط بما سبقها وتمهد لما يليها، بينما يضعف هذا الترابط أثناء التخدير، فتتراجع قدرة الدوائر العصبية على الحفاظ على المعلومات ونقلها ودمجها عبر الزمن.

وتشير هذه النتائج إلى أن فقدان الوعي لا يتطلب إيقاف الدماغ بالكامل، بل قد يرتبط بتغير الطريقة التي تتبادل بها مناطقه المعلومات، وبانهيار التنسيق المكاني والزمني الذي يساعد على معالجة المعلومات والاستجابة للمحيط.

قال طبيب التخدير جورج ماشور وزيروي هوانغ، اللذان لم يشاركا في البحث، أن النتائج تقدم دعماً لفكرة وجود مسار عصبي مشترك لتأثير التخدير، يتمثل في تراجع قدرة الدوائر المحلية على الاحتفاظ بالمعلومات ونشرها ودمجها عبر الزمان والمكان.

هل تكشف الدراسة سر الوعي؟

تكمن أهمية الدراسة في أن الأنماط المكتشفة ظهرت لدى كائنات تختلف كثيراً في تركيب أجهزتها العصبية، وهو ما يدعم احتمال أن يكون للتخدير تأثير أساسي مشترك في طريقة معالجة المعلومات داخل الجهاز العصبي.

وقد تساعد هذه النتائج العلماء على تطوير فهم أدق للعلاقة بين نشاط الدماغ والوعي، كما تفتح أسئلة جديدة بشأن مدى تشابه العمليات العصبية المرتبطة بالوعي وفقدانه بين البشر والحيوانات.

الدراسة بالرغم من ذلك لم تحسم لغز التخدير أو توصل العلماء إلى تفسير كامل للوعي، فالنتائج تحدد أنماطاً مشتركة في النشاط العصبي أثناء التخدير، لكنها لا تثبت وحدها أن هذه التغيرات تفسر جميع جوانب فقدان الوعي، ولا تزال الحاجة قائمة إلى أبحاث إضافية لفهم العلاقة السببية بين اضطراب التواصل العصبي وتجربة الوعي نفسها.

الدراسة، المنشورة في ((Nature Neuroscience))، هي خطوة جديدة في فهم كيفية تأثير التخدير العام في الجهاز العصبي، إذ تشير إلى أن الدماغ لا يحتاج إلى التوقف عن العمل حتى يفقد الإنسان وعيه، بل قد يكفي أن تتغير الطريقة التي تتواصل بها شبكاته وتعالج بها المعلومات.

MENAFN06102026000110011019ID1111766810

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث