دبي تكرّس نموذجاً اقتصادياً عالمياً قائماً على المثابرة وصناعة الفرص

(MENAFN- Al-Bayan) تقدم دبي نموذجاً اقتصادياً متكاملاً يقوم على العزيمة والتخطيط بعيد المدى، ويعتمد على استباق الأزمات بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل. وقد أثبتت الإمارة قدرتها على الحفاظ على استقرارها واستمرارية أعمالها بكفاءة عالية رغم التحديات والضغوط والتغطيات الإعلامية المبالغ فيها للأحداث الجارية.

ويرتكز هذا النموذج على شراكة قوية وفعالة بين الحكومة وقطاع الأعمال، إلى جانب منظومة اقتصادية تضع الإنسان في قلب أولوياتها، وتوفر بيئة استثمارية مرنة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص حقيقية للنمو. وفي هذا السياق، وصف أوجي فابيلا، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة ((فيون)) وأحد كبار رجال الأعمال العالميين المقيمين في دبي، الإمارة بأنها مدينة ((تعرف كيف تصنع مجدها وأمنها وتواصل بناء مستقبلها بثبات)).

قرارات سريعة

يشير فابيلا إلى أن أحد أبرز عناصر قوة دبي يتمثل في سرعة اتخاذ القرار والتنسيق المؤسسي العالي خلال الأزمات. ويوضح أنه بعد أيام قليلة فقط من التطورات الأخيرة، انعقد ((مجلس دبي)) بمشاركة قيادات حكومية واقتصادية من مختلف القطاعات، حيث تم استعراض الوضع بشكل شامل.

واللافت – بحسب وصفه – أن الجلسة لم تقتصر على عرض التحديات، بل شملت مشاركة مباشرة من نحو 300 من قادة الأعمال الذين طُلب منهم التعبير عن احتياجاتهم وتقديم مقترحاتهم وما يمكن أن يقدموه لدعم الاقتصاد الوطني. ويؤكد أن هذا النموذج يعكس فلسفة حكم تقوم على الاستماع العميق لمختلف أطراف المنظومة الاقتصادية، وليس فقط الشركات الكبرى، بل حتى العاملين في مختلف المستويات.

هذا النهج المؤسسي القائم على الاستماع والتحليل والتكيف واتخاذ القرار السريع، يجعل من دبي نموذجاً إدارياً واقتصادياً متقدماً، قادراً على العمل بكفاءة حتى في أصعب الظروف، بعيداً عن البيروقراطية التقليدية.

يرى فابيلا أن التحديات العالمية، رغم صعوبتها، تفتح في الوقت نفسه أبواباً واسعة للفرص. ويؤكد أن الضجيج الإعلامي الخارجي لا يعكس الواقع الحقيقي في دبي، حيث يتم تضخيم الأحداث بصورة لا تتناسب مع حجم تأثيرها الفعلي على الأرض.

ويشير إلى أن جزءاً من المخاطر يتم التعامل معه بكفاءة عالية، بينما تظل التأثيرات الفعلية محدودة للغاية، وهو ما يعكس قوة البنية الأمنية والاقتصادية للدولة. وفي هذا السياق، يوضح أن انخفاض المنافسة في أوقات الأزمات يخلق فرصاً استثمارية أكبر، خصوصاً للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تجد مساحة للنمو والتوسع. ويضيف أن دبي تتعامل مع الأزمات بعقلية الفرص، حيث يتم تحويل كل تقلب إلى مساحة لإعادة التموضع والنمو، وهو ما يجعلها بيئة جاذبة حتى في أوقات عدم اليقين العالمي.

وفيما يتعلق بالقطاع العقاري، يؤكد فابيلا أن السوق العقاري في دبي أثبت مرونة استثنائية خلال العقدين الماضيين، رغم مروره بأزمات كبرى مثل الأزمة المالية العالمية في 2008 وجائحة ((كوفيد 19)). ورغم التقلبات الحالية، يشير إلى أن التاريخ يثبت قدرة السوق على التعافي الكامل خلال فترة قصيرة نسبياً، لا تتجاوز عادة عاماً أو عامين، ما يعزز ثقة المستثمرين على المدى الطويل.

ويؤكد أنه لا يوجد بديل حقيقي عن دبي كمركز إقليمي لإدارة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نظراً لما توفره من بيئة متكاملة تشمل البنية التحتية، وسهولة الأعمال، والاستقرار التنظيمي، والدعم الحكومي المستمر.

المثابرة سر دبي

ويفسر فابيلا نجاح دبي من خلال مفهوم أعمق من ((المرونة))، وهو ((المثابرة)). فبرأيه، ما تحقق لم يكن نتيجة ردود فعل سريعة، بل نتيجة تراكم طويل من التخطيط المسبق والاستثمار المستمر في البنية التحتية، وتطوير القدرات المؤسسية.

ويضيف أن دبي تمتلك منظومة متكاملة تعمل بتناغم واضح، تشمل الاقتصاد المتنوع، والجاهزية الدفاعية، والبنية اللوجستية المتقدمة، وقطاع النقل العالمي، وهو ما يضمن استمرارية الأعمال حتى في أصعب الظروف.

ويشير إلى أن إحدى أبرز الدلالات على ذلك، استمرار تشغيل مطار دبي لفترات شبه طبيعية رغم التوترات، ما يعكس مستوى الجاهزية العالية والاستعداد المسبق وليس رد الفعل اللحظي.

كما يلفت إلى أن الدولة استفادت من تجارب سابقة مثل الأزمة المالية العالمية وجائحة ((كوفيد 19))، وهو ما عزز قدرتها على التخطيط الاستباقي وتنفيذ الحلول بكفاءة عالية.

ويؤكد فابيلا أن جوهر نموذج دبي يقوم على الإنسان أولاً، حيث يتم التعامل مع الخدمات العامة باعتبارها جزءاً أساسياً من جودة الحياة وليس مجرد إجراءات حكومية.

ويشرح أن الفلسفة القائمة على ((إذا اعتنيت بالناس سيعتنون بك)) تحولت إلى منهج عملي يُطبق عبر مؤسسات الدولة، من خلال تبسيط الإجراءات، ورقمنة الخدمات، وإتاحة المعاملات عبر تطبيقات سهلة الاستخدام مثل التطبيقات الذكية، وحتى أدوات التواصل الحديثة. كما يتم قياس الأداء بشكل دقيق ومستمر، مع وجود مؤشرات واضحة للجودة وسرعة الإنجاز، إلى جانب متابعة ميدانية من القيادات لضمان التحسين المستمر.

وادي السيليكون الجديد

ويصف فابيلا دبي بأنها مرشحة بقوة لتكون ((وادي السيليكون الجديد))، نظراً لتوافر العناصر الأساسية لأي منظومة ابتكار ناجحة، وفي مقدمتها رأس المال، والبنية التحتية، وروح الابتكار. ويشير إلى أن التحدي الأساسي لا يكمن في الإمكانات، بل في تعزيز المواهب الريادية، موضحاً أن هناك وفرة في الكفاءات في القطاعات التقليدية مثل الأعمال المؤسسية والضيافة والخدمات المالية، إلا أن الحاجة لا تزال قائمة لتوسيع قاعدة رواد الأعمال الشباب.

ويرى أن المنظومة في دبي جاهزة بالكامل، لكنها بحاجة إلى ضخ المزيد من الكفاءات الشابة القادرة على الابتكار، وهو ما قد يدفعها – في حال تحققه – إلى التفوق حتى على وادي السيليكون نفسه.

ويؤكد أن دبي لم تُبنَ على ردود الفعل، بل على رؤية بعيدة المدى تهدف إلى تحقيق النجاح المستدام، وجعل المدينة مركزاً عالمياً ليس فقط للأعمال، بل أيضاً لتقديم نموذج حضاري واقتصادي يسهم في تحسين مستقبل الإنسان.

تجربة ريادية

بدأ أوجي فابيلا مسيرته في عالم الأعمال منذ سن مبكرة للغاية، حيث شكلت تجاربه الأولى حجر الأساس في تكوين رؤيته الريادية وبناء مسار مهني قاده لاحقاً إلى تأسيس وإدارة شركات ناجحة على مستوى عالمي.ويستعيد فابيلا بداياته قائلاً إن أول وظيفة له كانت في سن التاسعة تقريباً، إلا أن أول تجربة ريادية حقيقية له بدأت عندما كان في الثالثة عشرة من عمره، من خلال مشروع بسيط تمثّل في توزيع الصحف.

وعلى الرغم من بساطة هذا العمل، فإنه كان نقطة انطلاق مهمة أسهمت في ترسيخ مبادئ ريادة الأعمال لديه.

ويشير إلى أن هذه التجربة لم تكن منفصلة عن البيئة التي نشأ فيها، حيث كان والده أيضاً رائد أعمال، ما ساعد في تشكيل وعيه المبكر بعالم الأعمال.كان روتين فابيلا اليومي يبدأ في الرابعة صباحاً، حيث يستيقظ قبل ذهابه إلى المدرسة لاستلام كميات الصحف التي تُسلّم إلى منزله، ثم يقوم بفرزها، وطيّها، وربطها، وتوزيعها على المشتركين في الحي. وبعد إتمام عمله، كان يتوجه إلى المدرسة في الساعة السابعة صباحاً.

وقد أسهم هذا الروتين الصارم في ترسيخ قيم الانضباط، والالتزام، وأخلاقيات العمل، وهي عناصر يعتبرها أساسية لأي رائد أعمال ناجح. كما اكتسب من هذه التجربة المبكرة فهماً عملياً للمسؤولية المالية، حيث كان يقوم بشراء الصحف بنفسه، ثم تحصيل المدفوعات من العملاء في نهاية كل شهر وفق النظام المتّبع في الولايات المتحدة آنذاك، ما عزز لديه مهارات الإدارة وتحمل المسؤولية منذ سن صغيرة. ويتوقف فابيلا عند جانب آخر مهم في تلك التجربة، وهو اهتمامه المبكر بخدمة العملاء.

فرغم صغر سنه، كان يسعى لتقديم تجربة أفضل للمستلمين، حيث كان يشتري أكياساً بلاستيكية إضافية لحماية الصحف من التلف والرطوبة، ويحرص على إيصالها بشكل منظم ونظيف. كما كان يختار بعناية بعض العملاء الذين اعتادوا تقديم إكراميات أفضل، ويوليهم اهتماماً إضافياً في التوصيل، وهو ما ساعده على تحسين دخله وتعزيز فهمه المبكر لديناميكيات السوق وسلوك العملاء.

أوجي فابيلا:

أحد أبرز عناصر قوة دبي يتمثل في سرعة اتخاذ القرار والتنسيق المؤسسي العالي خلال الأزمات

دبي واحة الأمن والأمان

لا يقتصر حضور أوجي فابيلا على كونه رجل أعمال ورئيس مجلس إدارة مجموعة ((فيون)) في دبي، بل يمتد أيضاً إلى خبرته في العمل العام، إذ شغل منصباً أمنياً في مكتب مقاطعة كوك في شيكاغو مسقط رأسه، وأسهم خلال تلك الفترة في خفض معدلات العنف بنسبة وصلت إلى 30 % في بعض المناطق. ومن هذا المنطلق، جاءت مقارنته لتجربته بين المدن، ليصف دبي بأنها واحدة من أكثر المدن أماناً على مستوى العالم.

ويؤكد فابيلا أن الأمن يُعد إحدى أهم الركائز التي تفسّر نجاح دبي وتفوقها، مشيراً إلى أنه عند زيارته الأولى للإمارة قبل نحو 20 عاماً، شعر بأنها كانت ثاني أكثر مكان آمن بالنسبة له خارج الولايات المتحدة فيما يتعلق بجرائم الشوارع والسرقات.

أما اليوم، فقد تغير هذا الانطباع بالكامل، لتصبح دبي – بحسب وصفه – المدينة الأكثر أماناً بالنسبة له، متقدمة حتى على مدن الولايات المتحدة. ويرى أن هذا التحول لم يأتِ صدفة، بل هو نتيجة استثمار طويل الأمد وجهود ممنهجة لتعزيز الأمن والاستقرار.

ويقارن ذلك بتجربته في شيكاغو، حيث أسهمت سياسات أمنية فعالة في خفض معدلات الجرائم العنيفة بنسبة 30 % سنوياً في بعض المناطق على مدى ست سنوات، ما انعكس بشكل مباشر على جودة الحياة.

ويضيف أن ما يميّز دبي اليوم هو شعور شامل بالأمان يعيشه الجميع دون استثناء، بغض النظر عن خلفياتهم أو مستوياتهم الاقتصادية، حيث يشعر كل فرد بأنه جزء من منظومة محمية ومستقرة. ولا يقتصر هذا الأمن على الجرائم التقليدية مثل السرقة أو الاحتيال، بل يمتد ليشمل تهديدات أوسع نطاقاً، ما يعكس مستوى متقدماً من الجاهزية والوقاية.

MENAFN12042026000110011019ID1110972954

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث