الحصول على معلومات موثوقة من وسائل التواصل الاجتماعي مجرد وهم
انتشر منذ أيام رسم بياني يظهر الحسابات الأكثر تفاعلاً على منصة تويتر والمعروفة الآن باسم ((إكس)). ومن المفارقات أن هذه الحسابات تحظى بتفاعل كبير على المنصة نفسها.
لم يكن الأمر الأكثر إثارة للقلق في هذا الرسم البياني، الذي أنشأه ونشره الإحصائي نيت سيلفر، مدى جودة الإحصائيات المستخدمة، في ظل وجود بعض التساؤلات حولها، إذ قال رئيس قسم المنتجات في ((إكس)) إنها ((لا تغطي نصف الشبكة)). كما أن التصنيف السياسي للحسابات المختلفة مشكوك فيه، إذ تم تصنيف حساب ((الجمهوريون ضد ترامب)) على أنه ((يساري الميول))، بينما صُنِّفت قناة روسيا اليوم على أنها ((محايدة)). وفي كل الأحوال، فالأمر الأكثر قتامة في هذا الرسم البياني هو ما كشف عنه.
ورغم أن البيانات قد تكون غير مكتملة، إلا أنها تتوافق بشكل عام مع أبحاث أخرى حول المنصة، بما في ذلك دراسة نشرت في مجلة ((نيتشر)) في فبراير، لكن مع شكوك من جانب الكثيرين. والأمر ليس مجرد خلل في خوارزمية المنصة: فحساب إيلون ماسك، مالك المنصة، هو الأكثر انتشاراً. والحسابات الأخرى الأكثر تفاعلاً هي لمؤثرين يمينيين تمتلئ صفحاتهم بمحتوى مسيء ومثير للغضب.
وكان طبيعياً أن يثير هذا الرسم البياني استنكاراً شديداً من خارج دائرة مؤيدي ترامب. ولذلك، كتب جاستن وولفرز، الخبير الاقتصادي بجامعة ميشيغن: ((من المحبط للغاية أن نرى قلة قليلة بين هذه الفقاعات تُعد مصادر موثوقة للمعلومات)). كما كتب ريتشارد حنانيا، عالم السياسة الذي كان مؤيداً لترامب ثم أصبح معارضاً له: ((هذا خطاب من الجحيم)).
وهم محقون بالطبع، إذ من المحبط، بل والمثير للسخرية، أن تصبح منصة ((إكس)) تجسيداً صارخاً لـ((الفوضى العارمة))، فيما كان ماسك وعد صراحة بعدم تحولها إليها عندما استحوذ على المنصة عام 2022. لذلك، فإن فكرة اعتبار المنصة مكاناً للعثور على ((مصادر معلومات موثوقة)) كانت ولا تزال، أكثر من أي وقت مضى، مجرد وهم. وماسك يعلم تماماً ما يفعله: فهو يروج للدعايات التي يرغب بها بين الجماهير الغاضبة، كما يستخدم المنصة بالطبع للترويج لشركاته الأخرى.
قد تردّون قائلين: ((حسناً، هذا كلامي، ولكن ماذا عن تلك الجماهير الغاضبة؟)) في الواقع، يبدو أن الناس أقل تصديقاً لوسائل التواصل الاجتماعي مما تتصورون. إنني لا أقول إن موقعاً مثل ((إكس)) يخلو من مشكلة المعلومات المضللة. بالمرة، بل هو يعاني أيضاً وبالتأكيد من مشكلات أخرى خطيرة، أبرزها إثارته لأشكال مختلفة من الكراهية). لكن مستوى ثقة المستخدمين بما يجدونه على منصات كهذه غالباً ما يكون مبالغاً فيه، خصوصاً في عصرنا هذا الذي تهيمن عليه المعلومات المولّدة اصطناعياً. وكثيراً ما أجد أن التعليقات على مقاطع الفيديو في مختلف المنصات تهيمن عليها ادعاءات بأنها مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، حتى وإن لم تكن كذلك.
ورغم أن الثقة في وسائل الإعلام التقليدية قد تراجعت بشدة في السنوات الأخيرة، إلا أن الثقة في وسائل التواصل الاجتماعي أقل من ذلك بكثير. وبحسب دراسة أجرتها مؤسسة بيو العام الماضي، فإنه، بينما يثق 70 % من البالغين في الولايات المتحدة بشبكات الأخبار المحلية و56 % بشبكات الأخبار الوطنية، فإن 37 % فقط يثقون بالمعلومات التي يحصلون عليها من وسائل التواصل الاجتماعي، وهو رقم ظل مستقراً نسبياً خلال العقد الماضي.
ورغم أن الشباب قد يكونون مدمنين على وسائل التواصل الاجتماعي، فلا ينبغي لنا أن نتصور أن هذا يعني أنهم أكثر ولعاً بها أو أكثر انغماساً فيها من غيرهم. ففي استطلاع أجرته مؤسسة هاريس بول عام 2024، قال نصف المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و27 عاماً إنهم يتمنون لو لم يخترع منصة ((إكس))، بينما قال 47 % و43 % الشيء نفسه عن تيك توك وسناب شات على التوالي. وذلك على الرغم من أنهم يقضون ساعات طويلة يومياً على هذه المنصات.
وفي حين أن منصة مثل ((بلو سكاي)) قد تحتوي على قدر أقل من المحتوى غير اللائق والسام، وتتميز بمحادثات نصية أكثر تهذيباً، فلا ينبغي لنا أن نتصور أن مكاناً متجانساً أيديولوجياً إلى هذا الحد يمكن أن يكون منبراً جاداً للنقاش، خارج نطاق ضيق جداً من الآراء.
إن مشكلتنا الحقيقية تكمن في استمرارنا بتخيل أن شيئاً موجوداً فقط في العالم الافتراضي يمكن أن يحاكي شيئاً موجوداً في العالم الواقعي. هذا غير ممكن. فالساحة الرقمية عالم متناقض في حد ذاته. ولا يمكن بالمرة اختزال إنسانية الشخص في ملفه الشخصي على وسائل التواصل الاجتماعي.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment