رحلة الذهب من عروش الملوك إلى بورصات العالم

(MENAFN- Al-Bayan) يبقى الذهب دائماً رمزاً للثراء والزينة، وغطاءً واستثماراً آمناً في أوقات الشدة، سواء للأفراد أو الحكومات، حتى إن الحكمة الشائعة تقول عنه إنه ((زينة وخزينة)). وهو الذي يتحكم في اقتصادات وبورصات العالم، ويعد مقياساً للسوق ارتفاعاً وانخفاضاً، وهو سبب حروب تاريخية وصراعات على امتلاك مناجمه الطبيعية في باطن الأرض.

كان الذهب، منذ اكتشافه، رمزاً للقوة والمكانة الاجتماعية، حيث لم يستخدم فحسب في صناعة حلي الملوك قبل الملكات، بل بنيت منه الهياكل والعروش العظيمة، وصنعت منه التماثيل المقدسة، وسُكَّت منه النقود والعملات التي كانت في الغالب تحمل صور وأسماء حكام البلاد، رؤساء وملوكاً وأباطرة، في العصور القديمة، سواء في مصر الفرعونية أو في بلاد ما بين النهرين، حتى صار جزءاً من أساطير تلك الشعوب، وكان يعتقد أن له فائدة كبيرة في أعمال السحر.

قاعدة صلبة

وفي العصور الوسطى ارتبطت العملات الذهبية بالصفقات والمبادلات التجارية، إلى أن صار الذهب في العصر الحديث يمثل قاعدة وأساساً صلباً لعملات واقتصادات وسياسات الدول. وقد تم التوسع في استخدام الذهب في كل من أوروبا والشرق الأوسط خلال العصور الوسطى، حيث شهد العالم الإسلامي تقدماً كبيراً في صناعة العملات الذهبية وانتشرت التجارة بين الشرق والغرب بفضل التجار المسلمين الذين اعتمدوا النقود الذهبية في معاملاتهم دراهم ودنانير، وبذلك أصبح الذهب جزءاً أساسياً من النظام المالي.

ثورة صناعية وتكنولوجية

في العصر الحديث لم يعد الذهب مجرد زينة ولا حتى مجرد عملة ذهبية يتم بها البيع والشراء؛ فمع الثورة الصناعية شهد عالم المال والأعمال ازدهاراً كبيراً في استخدام الذهب، حيث بات هو المعدن الأساسي الذي يدعم العملة الوطنية في كثير من الدول، ومن هنا نشأ نظام ((الذهب المعياري)) أو ((معيار الذهب)) الذي يعتمد على ربط قيمة العملة الوطنية بكميات محددة من الذهب.

غير أن هذا النظام شابه الضعف بعد الحرب العالمية الثانية بسبب الأزمات الاقتصادية التي تعرضت لها الكثير من الدول، ورغم ذلك لا يزال الذهب يحتفظ بمكانته وسيلة مضمونة للتحوط ضد التضخم والأزمات الاقتصادية؛ ففي أثناء الاضطرابات المالية أو السياسية، يميل المستثمرون إلى اللجوء إليه باعتباره ((ملاذاً آمناً)).

وقد تطورت أسواق الذهب بشكل كبير منذ القرن العشرين، إذ أصبحت أسواق العقود الآجلة من أهم الأسواق العالمية. كما جعل تطور التكنولوجيا شراء وبيع الذهب عبر الإنترنت أمراً سهلاً، وانفتح المجال أمام الأفراد العاديين للاستثمار في الذهب بأشكال جديدة مثل ((الصناديق المتداولة)) في البورصة، التي تتيح للمستثمرين شراءه من دون الحاجة إلى تخزينه بأنفسهم.

في العصر الحديث أيضاً صار الذهب ((عمدة الصناعات التكنولوجية)) فقد دخل إلى عمق صناعة الأجهزة الإلكترونية الدقيقة، بل امتد استخدامه إلى أجهزة ومعدات الطاقة الشمسية، حيث يستخدم في صناعة الدوائر الكهربائية والشرائح الإلكترونية بفضل خصائصه الموصلة للكهرباء والمقاومة للتآكل. كما صار يستخدم طبياً في صناعة أجهزة التشخيص وأدوات الجراحة الدقيقة.

تاريخ الذهب

بنظرة إلى تاريخ الذهب وارتباط البشر به؛ تقول الدراسات والأبحاث، إن أول من توصلوا إلى استخراجه من باطن الأرض هم الفراعنة، الذين قاموا بأعمال التنقيب بالصحراء الشرقية والبحر الأحمر، وفي النوبة - التي يعني اسمها في لغتهم القديمة ((أرض الذهب))، وبرعوا في تصنيعه ونحت تماثيل وأقنعة ملوكهم منه.

وقد اكتشفوا نحو 125 منجماً، حتى إن أحد الحكام قال للملك أمنحتب الثالث ((ابعث لي بكمية من الذهب فهو في بلادكم مثل التراب)). وتشير البردية الذهبية، الموجودة الآن بمتحف تورينو بإيطاليا من عهد الملك سيتى الأول من الأسرة التاسعة عشرة، إلى مناجم الذهب المنتشرة بالصحراء الشرقية.

كما تعكس الاكتشافات الأثرية المتعاقبة تمتع المصريين القدماء بخبرة هائلة في مجال التنقيب عن الذهب واستخراجه من عروق الكوارتز، فضلاً عن خبرتهم الكبيرة في تصنيعه، وقد كانوا يستخدمون النار والغاب المصنوع من الخزف لصهره.

وتصور المناظر الموجودة على جدران المقابر المصرية القديمة العمال وهم يصهرون المعدن في أوعية كبيرة من الخزف وينفخون النار بأنابيب طويلة من الغاب، وأطرافها من الخزف الذي لا يحترق، ثم يصبون الذهب بعد صهره في قوالب لصياغة الحلي، بينما كانت التقنيات الأولية المستخدمة في صناعة الذهب في المراحل الأولى تعتمد على تحويل الأشكال وتغييرها بواسطة المطرقة والسندان وأدوات الضغط، وكانت أنامل الأقزام وراء دقة صياغة المشغولات.

وتؤكد الدراسات أن قدماء المصريين لم يعبدوا الذهب، بل قدّسوا اللون الذهبي الذي كان يرمز إلى لون أشعة الشمس وفكرة الخلود، ولأن لونه لا يتغير بمضي الزمن، كما ارتبط بكبار رجال الدولة وكان ذهبهم يُدفن معهم.

MENAFN12042026000110011019ID1110972964

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث