النفط والتضخم يربكان حسابات الفائدة للفيدرالي الأمريكي
مع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير الماضي، تصاعدت المخاوف داخل الولايات المتحدة بشأن تأثير هذا التصعيد على أكبر اقتصاد في العالم.
يضع ارتفاع أسعار النفط عقب اندلاع الحرب ضغطاً إضافياً على الأسواق، ويثير التساؤلات حول مدى قدرة ترامب على دفع الفيدرالي الأمريكي نحو خفض سريع للفائدة بالوتيرة التي كان يرغب فيها.
وفيما يعتقد بعض المحللين بأن التأثير الفعلي لارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد الأمريكي قد يكون مؤقتاً، كما حدث في العديد من الصراعات السابقة في الشرق الأوسط، إلا أن آخرين يحذرون من أن أي صدمات مستمرة في أسعار الطاقة يمكن أن تعقد جهود البيت الأبيض لتمرير حججه بشأن ضرورة تحفيز الاقتصاد عبر خفض أسعار الفائدة، إذ يعتمد جزء كبير من هذه الحجة على انخفاض التضخم أو الاستقرار.
تشمل تلك التحذيرات إشارات على أن التأثيرات المباشرة لارتفاع أسعار البنزين قد تتجاوزها تداعيات غير مباشرة تشمل تعطل خطوط الشحن، وارتفاع تكاليف التأمين البحري، وإعادة توجيه سلاسل التوريد، وجميعها عوامل يمكن أن تضيف ضغوطاً تضخمية إضافية، ما يضع الفيدرالي أمام تحدٍ مزدوج: الموازنة بين دعم النمو واحتواء التضخم في آن واحد.
في هذا السياق، من المتوقع أن يظل مجلس الاحتياطي الفيدرالي حذراً، وربما يتريث قبل اتخاذ أي قرارات كبيرة بشأن خفض الفائدة، وسط توقعات بأن أي خفض قد يتم تأجيله حتى تتضح مدة وتأثير الصراع في المنطقة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة.
مسار الفائدة
يقول المدير التنفيذي لشركة VI Markets الدكتور أحمد معطي لـ ((البيان)): إن استمرار الحرب من شأنه أن يغيّر مسار قرارات السياسة النقدية لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، خصوصاً فيما يتعلق بأسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة. ويوضح أن عدداً من أعضاء الفيدرالي بدأوا بالفعل في الإشارة إلى احتمال تثبيت أسعار الفائدة حتى نهاية العام، ومن بينهم نيل كاشكاري، وذلك في ظل حالة عدم اليقين التي تفرضها الحرب وتداعياتها على الاقتصاد العالمي.
وكان رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، قد ذكر، أن حرب إيران رفعت حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية الأمريكية وجعل من الصعب معرفة ما يخبئه المستقبل لسياسة أسعار الفائدة للبنك المركزي. وفي فعالية نظمتها بلومبرج في نيويورك، قال فيما يتعلق بالتوقعات: ((كان لدي الكثير من الثقة حتى قبل يومين))، قبل بدء الهجوم المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
فيما يعتقد عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ستيفن ميران، بأنه يرى أنه من المناسب الاستمرار في خفض أسعار الفائدة، نظراً لأنه من السابق لأوانه تحديد موقف بشأن تأثير الحرب في الشرق الأوسط على الاقتصاد الأمريكي. وشدد في تصريحات نقلتها تقارير أمريكية على أنه: ((من المناسب مواصلة العمل.. وحتى الآن، لم تدفعني الأدلة المستقاة من أحداث الحرب إلى تغيير أي من توقعاتي بشأن سوق العمل أو التضخم)). وبالعودة إلى تصريحات معطي، فإنه يشدد على أن استمرار الصراع يرتبط بشكل مباشر بتطورات أسعار النفط، مشيراً إلى أنه في حال ارتفاع سعر النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل لفترة تمتد إلى شهرين على الأقل، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة معدلات التضخم لتقترب من مستوى 4%، على حسب تقديره. ولا يزال الفيدرالي بعيداً عن هدفه للتضخم عند 2%، إذ سجلت قراءة شهر يناير تباطؤاً على أساس سنوي بنسبة 2.4%، نزولاً من 2.7% في ديسمبر.
ويشير المدير التنفيذي لشركة VI Markets إلى أن السيناريو الأكثر تشدداً قد يحدث إذا واصل النفط ارتفاعه إلى مستويات أعلى، إذ يجري الحديث في الأسواق عن إمكانية وصوله إلى 150 دولاراً للبرميل، وهو ما قد يدفع التضخم لتجاوز مستوى 6%.
ويؤكد أن مثل هذه التطورات قد تدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تغيير توجهه بالكامل، بحيث ينتقل من مناقشة خفض أسعار الفائدة أو حتى تثبيتها إلى التفكير مجدداً في رفعها لمواجهة الضغوط التضخمية.
ارتفاع النفط
يضيف ارتفاع أسعار النفط بُعداً آخر إلى المؤشرات الأخيرة التي تشير إلى أنه على الرغم من انخفاض التضخم بشكل ملحوظ عن مستوياته القياسية التي سجلها قبل بضع سنوات في الولايات المتحدة، إلا أن ضغوط الأسعار الكامنة لا تزال قائمة. وتاريخياً، غالباً ما تسبق الارتفاعات الحادة في تكاليف الطاقة زيادات التضخم الأوسع نطاقاً.
وتشير التقديرات إلى أن ((ارتفاع أسعار النفط بمقدار 10 دولارات يترجم عادة إلى زيادة بنحو 0.2% في التضخم وتراجع بنحو 0.1% في النمو الاقتصادي))، بحسب شبكة ((سي إن بي سي)) الأمريكية. وارتفعت العقود الآجلة للخام الأمريكي من 67.02 دولاراً عند تسوية تعاملات 26 فبراير (قبل بدء الحرب) وصولاً إلى مستويات فوق الـ 90 دولاراً للبرميل بنهاية الأسبوع الأول بعد بدء الصراع، وسط تصاعد حالة عدم اليقين بشأن أمد الصراع وتداعياته المحتملة على التدفقات، وملامسته مستوى 120 دولاراً في بعض التداولات خلال الصراع.
تأثير غير مباشر
وفيما يحذر بعض الاقتصاديين من مخاطر الركود التضخمي، حيث تتزامن الأسعار المرتفعة مع تباطؤ النمو، يقول كبير محللي الأسواق المالية في FxPro، ميشال صليبي لـ ((البيان)): إن أي حرب مع إيران يكون لها عادة تأثير غير مباشر على مسار أسعار الفائدة الأمريكية، لافتاً إلى أن التصعيد الحالي في المنطقة يعيد تسليط الضوء على أهمية مضيق هرمز وتأثيره الكبير في أسواق الطاقة العالمية.
ويوضح أن مجرد اندلاع الحرب والتوترات الجيوسياسية المرتبطة بإيران يثير المخاوف بشأن حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية أو أكثر، وهو ما يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع بشكل ملحوظ كما حدث خلال الأسبوع الأول بعد اندلاع الصراع الحالي، وهو ما ينعكس بدوره على سلاسل التوريد المرتبطة بالطاقة والغذاء.
ويشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط والطاقة والمواد الغذائية يضغط بدوره على معدلات التضخم العالمية، ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة أو الإبقاء على السياسة النقدية في وضع متشدد لفترة أطول، خصوصاً إذا استمرت الحرب لفترة ممتدة وأبقت أسعار النفط عند مستويات مرتفعة.
ويُبيّن صليبي أن الحروب الكبرى غالباً ما تخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية، ما يؤدي إلى تراجع الاستثمارات وتباطؤ التجارة الدولية.
سيناريوهان
ويضيف: إن هناك سيناريوهين محتملين في ما يتعلق بالسياسة النقدية الأمريكية؛ الأول، وهو السيناريو المرجح على المدى القصير والمتوسط، يتمثل في استمرار الضغوط التضخمية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، ما يدفع الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة وعدم التعجل في خفضها.
أما السيناريو الثاني فيتعلق بانتهاء الحرب أو تراجع حدتها، ما قد يؤدي إلى انخفاض أسعار النفط وتراجع الضغوط التضخمية، وهو ما يفتح المجال أمام الفيدرالي لإعادة النظر في سياسته النقدية والتوجه نحو خفض أسعار الفائدة.
ويشير كبير محللي الأسواق المالية في FxPro أيضاً إلى أن فترات التوتر والحروب تدفع عادة المستثمرين إلى الأصول الآمنة مثل سندات الخزانة الأمريكية والدولار، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع الطلب على السندات وانخفاض عوائدها، الأمر الذي قد يسهل على الاحتياطي الفيدرالي تخفيف سياسته النقدية في مراحل لاحقة.
ويختتم حديثه بالقول: إن السيناريو السائد حالياً يتمثل في تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على التضخم، وبالتالي استمرار الحذر في قرارات السياسة النقدية الأمريكية، على أن يتغير المشهد لاحقاً تبعاً لمسار الحرب ومدى انعكاسها على أسعار النفط والنمو الاقتصادي العالمي.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment