ترامب علّم العالم أن الرسوم الجمركية عديمة الفائدة
لا شيء يعادل التجربة السيئة لشحذ الأذهان، وقد قدم دونالد ترامب لصانعي السياسات في جميع أنحاء العالم تجربة فظيعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى في شكل تجربته المرعبة مع الرسوم الجمركية.
وكما كتبت الأسبوع الماضي، فإن تصوير الهزيمة الساحقة التي مني بها الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي على أنها كانت رفضاً كاملاً للرسوم الجمركية هو مبالغة.
ومن المؤكد أن التعريفات الجمركية لم تكن تحظى بشعبية، وقد شن الديمقراطيون هجوماً ضارياً عليها، إلا أن عدم شعبية الرسوم ودونالد ترامب كان أمراً مشتركاً بين الحزبين.
رغم ذلك، فمن الملفت حقاً أنه حتى في ولاية ميشيجان الواقعة في حزام الصدأ الصناعي، أثبتت الحماية التجارية أنها عبء انتخابي.
وحتى إن لم يتحول الديمقراطيون تماماً إلى مؤيدين للتجارة الحرة، إلا أنهم قادرون على رصد نقطة ضعف لدى ترامب واستغلالها في الكونغرس الجديد. فقد وعد تيد ليو، نائب رئيس التكتل الديمقراطي في مجلس النواب، بمشروع قانون لوقف رسوم ترامب الغبية التي ترفع الأسعار على الأمريكيين.
ومن الواضح أن ترامب لن يردعه أحد عن فرض الرسوم الجمركية؛ فهو مهووس بها منذ ثمانينيات القرن الماضي لسبب لا يعرف على وجه اليقين.
ودون أغلبية تتمتع بالثلثين، ما يمنحها حق النقض أو الـ((فيتو)) على قرارات ترامب، فإن معظم تحركات الكونغرس الجديد ستندرج تحت باب المضايقة لا المنع. وإن كان هناك أي شيء يمكن أن يصب في مصلحة الديمقراطيين، وقضية التجارة الحرة، فسيكون استمرار بعض الرسوم الجمركية، التي ستعمل كـ((مانعة صواعق)) تستقطب استياء الجمهور من ارتفاع الأسعار، خاصة أن ترامب مرتبط بها ارتباطاً وثيقاً لا فكاك منه.
أما على الصعيد الدولي، فقد سحقت تماماً فكرة أن رسومه الجمركية ستشعل تصعيداً عالمياً متبادلاً في فرض الرسوم، أو ستفرخ عدداً كبيراً من المقلدين الحاسدين. وتوقفت هذه الدوامة بشكل مفاجئ قبل عام عندما أجبرت الصين ترامب على التراجع مهددة بتقييد وصول الولايات المتحدة إلى المعادن النادرة كإجراء انتقامي.
وفيما يتعلق بإثبات جدواها الاقتصادية، لم تحقق الرسوم الجمركية سوى القليل جداً من الأهداف المتناقضة التي حددها ترامب لها. وهي نتيجة لم تفاجئ الاقتصاديين لا في التجارة ولا الاقتصاد الكلي.
فالرسوم الجمركية لم تقم بسد العجز التجاري، ولم تؤد إلى نهضة صناعية، ولم تجبر كندا على أن تصبح الولاية الحادية والخمسين، أو أن تجعل جرينلاند أرضاً تابعة للولايات المتحدة. ومن خلال الصفقات القسرية التي تم التوصل إليها بما يسمى ((دبلوماسية الزوارق الحربية))، تمكنت الإدارة من دفع بعض الشركاء التجاريين للتوقيع على إجراءات مختلفة تتعلق بالرسوم الجمركية على الوردات، وتقديم وعود بالاستثمار في أمريكا وشراء صادرتها. لكن حتى لو إن افترضنا تنفيذ تلك الوعود، فمن غير المرجح أن تكون أي منها ذات أثر تحويلي اقتصادي للولايات المتحدة.
وصحيح أن الرسوم الجمركية زادت إيرادات الحكومة لكن قرار المحكمة العليا إلغاء الرسوم التي فرضها ترامب بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية كشف مدى هشاشة هذا المصدر من الإيرادات. واضطر ترامب إلى المسارعة لاستبدالها بضرائب أخرى على الواردات لمنع ذلك الدخل من التسرب.
وتظهر استطلاعات الرأي أن أمريكا علمت العالم هذا الدرس على جثتها. فقد انخفض دعم الجمهور للرسوم الجمركية المرتفعة بين المشاركين الأمريكيين بشكل حاد من 49% عام 2025 إلى 37% عام 2026. كما انخفض هذا الدعم بين الناخبين في دول مثل البرازيل التي كانت محوراً لضغوط ترامب، بل وانخفض بشكل طفيف في الصين، التي خرجت بالتأكيد من الحرب التجارية في وضع أفضل بكثير من الولايات المتحدة.
والمسار الذي على الدول التي أبرمت صفقات تحت التهديد واضح. وهو إبطاء تنفيذ تلك التعهدات على أمل أن يفقد ترامب اهتمامه، أو أن يتمكن الكونغرس من ردعه عن مزيد من المواجهات المدمرة. على سبيل المثال، وعدت اليابان باستثمار مبلغ 550 مليار دولار في الولايات المتحدة، وهو رقم غير معقول. وبحلول سبتمبر، كانت الشركات اليابانية قد وضعت خططاً ملموسة لأقل من خمس هذا المبلغ.
ولا توضح مغامرات ترامب الطائشة فحسب أن الرسوم الجمركية عادة ما تكون فكرة سيئة من حيث المبدأ، بل تكشف أيضاً أنها غالباً ما تكون غير فعالة أو تؤدي لنتائج عكسية في مرحلة التنفيذ.
فكثيراً ما تم تأجيل رسومه أو تخفيفها بعد أن أصاب الذعر الأسواق المالية، أو بعد أن ضغطت الشركات الأمريكية لاستثناء نفسها. كما اكتشف الاتحاد الأوروبي أيضاً محدودية نتائج المحاولات الأكثر دقة بكثير في استخدام الرسوم الجمركية. فحملته للسيطرة على تدفق السيارات الكهربائية الصينية عبر رسوم مدروسة بعناية لمكافحة الدعم ينظر إليها على نطاق واسع على أنها فشلت.
لقد كانت تجربة ترامب مع الزيادات واسعة النطاق في الرسوم الجمركية مؤلمة، لكنها لم تكن مكلفة بالقدر الذي كان يمكن أن تصل إليه. إنها تبدو أشبه بتجربة ريتشارد نيكسون في سبعينيات القرن الماضي، وإن غاب عنها التحول نحو الانفتاح التجاري الذي أعقب تلك الموجة الأولى من الرسوم، مقارنة بهيربرت هوفر في ثلاثينيات القرن العشرين.
فالعالم ليس كما يتخيله ترامب، سياسياً ولا اقتصادياً، ومن المريح بعض الشيء أننا شهدنا جميعاً برهاناً مقنعاً على ذلك الدرس دون أضرار بالغة.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment