خطاب العرش يضع قضايا الأردنيين المعيشية والخدمية أمام الحكومة والنواب
وبينما تتجه الأنظار إلى ما ستشهده الدورة البرلمانية من نقاشات حول عدد من القوانين والملفات الاقتصادية والاجتماعية، يشدد خبراء سياسيون على أهمية ترجمة ما طرحه الخطاب إلى خطوات يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية، خصوصا في ظل الضغوط المعيشية والتحديات التي تواجه الأسر الأردنية.
وفي قراءة لمضامين الخطاب، يرى خبراء أن القضايا التي تناولها تضع أمام الحكومة والنواب مسؤوليات تتعلق بتحسين الخدمات، وحماية الأمن المائي، وتعزيز الاقتصاد، إلى جانب ضرورة أن يكون أداء المسؤولين وممثلي المواطنين أقرب إلى احتياجات الناس وتطلعاتهم.
ويقول المحلل السياسي الدكتور أمين المشاقبة في حديثه لـ "عمان نت" إن خطاب الملك جاء شاملا لعدد من القضايا الأساسية التي تهم المواطن الأردني، وفي مقدمتها أمن الوطن والاقتصاد والخدمات العامة، إلى جانب تحديد المسؤوليات المطلوبة من أعضاء مجلس الأمة والقيادات والمسؤولين في الدولة.
ويوضح المشاقبة أن الملك ركز على ضرورة أن تكون الوظيفة العامة خدمة للمواطن والوطن، وليست موقعا للتشريف، وأن يكون المسؤول قريبا من المواطنين، ويفتح أبوابه للاستماع إلى مطالبهم ومشكلاتهم والعمل على حلها، بما يعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ويضيف أن هذا التوجه يعكس أهمية تطوير الإدارة العامة والارتقاء بمستوى الخدمات التي تقدمها المؤسسات الحكومية، خصوصاً في قطاعات الصحة والمياه والخدمات الأساسية، بما يضمن وصول الخدمة إلى المواطنين في مختلف مناطق المملكة ومحافظاتها.
الأمن الوطني والوحدة الداخلية ومواجهة التطرف
وفي الشأن الأمني، يؤكد الملك على أن الأردن لن يسمح للإرهابيين بالمساس بأمن الوطن ووحدته، مشيرا إلى أن منفذي الهجوم الإرهابي في الكرك خرجوا عن العائلة الأردنية، وأن دماء الشهداء عهد في أعناق الأردنيين.
كما أكد أن الأردن كان وسيبقى عصيا على كل معتد، مشيدا بدور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في حماية الوطن وصون أمنه واستقراره.
وتوقف المشاقبة عند تأكيد الملك على ضرورة التصدي للإرهاب والتطرف، مشيرا إلى أن وصف الملك منفذي العمل الإرهابي في الكرك بالخوارج يعكس موقفا واضحا من هذه الفئة التي تخرج على قيم المجتمع الأردني وثوابته، ولا تمثل الأردنيين.
ويؤكد أن دماء الشهداء ومسؤولية الحفاظ على أمن المواطنين تضع على عاتق الدولة ومؤسساتها مسؤولية كبيرة في حماية المجتمع ومنع تكرار مثل هذه الأعمال، وتعزيز الجبهة الداخلية في مواجهة الأفكار المتطرفة التي تستهدف أمن الوطن ووحدته.
وفي السياق ذاته، يقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور هايل الدعجة إن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تتطلب مراجعة السياسات المرتبطة بمكافحة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه، وتعزيز دور المرجعيات الدينية والمؤسسات المعنية في التصدي للأفكار المتشددة.
ويضيف أن التطورات الإقليمية وما تشهده المنطقة من اضطرابات تفرض تعزيز الجاهزية الأمنية والعسكرية، وتطوير آليات التعامل مع التهديدات المستجدة، بما فيها تهريب الأسلحة والمخدرات ونشاط الجماعات المتطرفة، إلى جانب التصدي للشائعات والمعلومات المضللة التي قد تستغل الأحداث لإثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار.
ويشدد الدعجة على أهمية تكامل الأدوار بين الحكومة ومجلس الأمة والأجهزة الأمنية والعسكرية، وإقرار التشريعات التي تعزز سيادة القانون وتحمي النسيج الوطني، بما يحافظ على أمن المملكة واستقرارها.
الأمن المائي وتحسين الخدمات أولوية وطنية
وفي حديثه عن الأمن المائي، شدد الملك على أن أمن المياه أولوية وطنية، مؤكدا أنه لن يسمح بأن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف، وأنه لا مجال للمساومة أو المهادنة في هذا الملف
ووجه الحكومة إلى الاستمرار في تنفيذ مشاريع الأمن المائي، ووضع خطط استباقية لحماية موارد الوطن وضمان استدامتها وحقوق الأجيال القادمة.
ويشير المشاقبة إلى أن تأكيد الملك أهمية هذا الملف يضع الحكومة أمام مسؤولية إعداد خطط واستراتيجيات واضحة تضمن المحافظة على الأمن المائي، وعدم تعرض المواطنين لنقص المياه في أي منطقة من مناطق المملكة.
ويؤكد أن التعامل مع هذا الملف يتطلب حلولا عملية ومستدامة، ومتابعة حكومية تضمن توفير احتياجات المواطنين المائية في المحافظات كافة، باعتبار المياه من القضايا الأساسية المرتبطة بالأمن الوطني والاستقرار المعيشي.
ويأتي ذلك بالتوازي مع أهمية الارتقاء بمستوى الخدمات العامة، خاصة الصحية والخدمية، وتحسين كفاءة المؤسسات الحكومية وقدرتها على الاستجابة لاحتياجات المواطنين، وهو ما يتطلب متابعة مستمرة للأداء الحكومي ومساءلة الجهات المعنية عن مستوى الإنجاز.
وفي الشأن الاقتصادي، يؤكد الملك أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار، مشيرا إلى أن التنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه.
كما يشير إلى أن الأردن يسير على درب التحديث الاقتصادي، مع بدء العمل على عدد من المشاريع الكبرى الهادفة إلى رفد الاقتصاد الوطني وتعزيز منعته، داعيا الحكومة إلى الإسراع في إنجازها.
يؤكد المشاقبة أن تركيز الملك على مواصلة مسار التحديث الاقتصادي يعكس أهمية الاستمرار في تنفيذ البرامج والخطط التي تستهدف تحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وتحقيق نتائج ملموسة تنعكس على حياتهم اليومية.
ويشير إلى أن مسؤولية الحكومة تتمثل في ترجمة برامج التحديث الاقتصادي إلى إجراءات عملية، بما يسهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية وتوفير فرص العمل والارتقاء بمستوى معيشة المواطنين، وعدم الاكتفاء بوضع الخطط والاستراتيجيات دون تحقيق نتائج ملموسة.
من جهته، يؤكد الدعجة أن الملف الاقتصادي سيبقى من أبرز الأولويات الوطنية، في ظل التحديات التي تواجه المملكة، والحاجة إلى مواصلة تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، بما تتضمنه من أهداف تتعلق بتحفيز النمو وجذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل وتحسين مستويات الدخل.
ويشير إلى أن مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2027 يمثل أحد الملفات المهمة أمام مجلس الأمة، باعتباره يعكس أولويات الإنفاق الحكومي وقدرة الدولة على التعامل مع التحديات الاقتصادية، مشدداً على ضرورة مراعاة الظروف المعيشية للمواطنين وتحقيق التوازن بين الإمكانات المالية والاحتياجات الوطنية.
مسؤولية أعضاء مجلس الأمة والارتقاء بالأداء النيابي
وفي حديثه عن دور مجلس الأمة، أكد الملك أن المجلس ركن أساس ومقدم في الحياة السياسية، وأن عليه أن يكون صوتا للوطن وحارسا للمصلحة العامة ورقيبا على الأداء الحكومي، واضعا مصلحة الأردنيين أولا.
وشدد على أن الاختلاف في الرأي يشكل مصدر قوة ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية، مشيرا إلى أن الأردنيين لا ينظرون إلى القوانين الصادرة عن المجلس فحسب، بل أيضا إلى ما يصدر عنه من سلوك وخطاب.
يرى المشاقبة أن تأكيد الملك أهمية الدور الذي يؤديه أعضاء مجلس النواب يتجاوز الوظيفة التشريعية إلى طبيعة المواقف والسلوكيات التي تصدر عنهم، باعتبارهم شخصيات عامة وقيادات ينظر إليها المواطنون بوصفها ممثلة لهم.
ويوضح أن الخطاب الملكي حمل رسالة واضحة بضرورة أن تعكس تصرفات أعضاء مجلس الأمة مكانة المؤسسة التشريعية، وأن تكون مواقفهم وسلوكياتهم على مستوى المسؤولية الوطنية، بما يحافظ على هيبة المجلس وصورته أمام الرأي العام.
ويشير إلى أن بعض المواقف والتصرفات التي صدرت عن أعضاء في مجلسي النواب والأعيان لم تكن بالمستوى الذي يعكس طبيعة المواقع التي يشغلونها، الأمر الذي يجعل التأكيد الملكي على المسؤولية والسلوك البرلماني دعوة إلى مراجعة الأداء والالتزام بالقانون والأعراف البرلمانية.
ويؤكد المشاقبة أن الدور النيابي لا يقتصر على التشريع والرقابة، بل يشمل أيضاً تقديم نموذج في المسؤولية والانضباط واحترام المؤسسات، بما يعزز ثقة الشارع الأردني بمجلس الأمة.
وفي سياق الاستحقاقات التشريعية للدورة الحالية، يؤكد الخبير في الشؤون البرلمانية الصحفي جهاد المنسي أن جدول أعمال مجلس النواب يتضمن مشاريع قوانين مهمة تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، وفي مقدمتها قوانين الضمان الاجتماعي والموازنة العامة والعمل.
ويوضح المنسي أن هذه التشريعات تحظى بأهمية خاصة نظراً لارتباطها بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية وحقوق المواطنين، مشيرا إلى أن قانون العمل موجود حالياً لدى مجلس الأعيان، فيما ينتظر مشروع قانون الضمان الاجتماعي حسم النقاشات المتعلقة به.
من جانبه، يشير المشاقبة إلى أن مشروع قانون الضمان الاجتماعي يعد من القوانين المهمة التي تحتاج إلى وقت كاف للنقاش والحوار، نظراً لاتساع الفئات التي تتأثر بأحكامه وانعكاساته المباشرة على حياة المواطنين.
ويشدد على ضرورة عدم التعامل مع المشروع على عجل أو الاكتفاء بمناقشته خلال جلسة أو جلستين، بل إخضاعه لحوار موسع يضمن الاستماع إلى مختلف الآراء والملاحظات، والوصول إلى صيغة تحقق المصلحة الوطنية وتحافظ على حقوق المواطنين.
وفي السياق ذاته، يؤكد الدعجة ضرورة أن تأخذ أي صيغة جديدة لقانون الضمان الاجتماعي الملاحظات النيابية والمجتمعية بعين الاعتبار، بما يحقق التوازن بين استدامة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي وحماية حقوق المشتركين والمتقاعدين، دون تحميل المواطنين أعباء إضافية لا تتناسب مع ظروفهم المعيشية.
كما يشدد المشاقبة على أهمية إشراك المؤسسات الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني والجهات الشعبية في مناقشة مشاريع القوانين، ولا سيما التشريعات ذات الأثر الواسع، بما يضمن الوصول إلى قوانين تستجيب لمصالح المواطنين وتراعي مختلف وجهات النظر.
هذا وتضع مضامين خطاب العرش مجلس الأمة والحكومة أمام مسؤولية ترجمة الأولويات الملكية إلى إنجازات ملموسة، تجمع بين حماية أمن الوطن ووحدته، وتعزيز الأمن المائي، وتحسين الخدمات العامة، ومواصلة التحديث الاقتصادي، إلى جانب الارتقاء بالأداء النيابي والتشريعي، بما يعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة ويستجيب لتطلعاتهم.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment