محمد بن راشد في "الرسائل": الماضي أمانة المستقبل
وتأتي ((الرسائل)) لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في صدارة هذه الأعمال التي يمتد اثرها للبناء وليس للحكاية فقط وإذا كان أدب الاعتراف يسأل غالباً عما فعلته الحياة بصاحبها، فإن شهادة سموه، على التجربة تتجه إلى سؤال آخر: ماذا تستطيع تجربتي أن تفعل في حياة الآخرين؟
دوافع البوح ومكاشفة الذاتوتتعدد دوافع الكتابة في أدب الاعتراف، بتعدد التجارب الإنسانية التي أنجبته؛ فبين فيلسوف يبحث عن الخلود الفكري، وآخر يدافع عن صورته أمام المجتمع، وروائي يواجه أسئلة الوجود والموت، تتباين أسباب العودة إلى الذات، وإن التقت جميعها في المكاشفة واستعادة الماضي ومحاولة فهمه وإعادة تفسيره.
في القرن السادس عشر، اختار الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين طريقاً مختلفاً إلى الخلود الفكري؛ فلم يسعَ إلى تسجيل انتصارات أو بناء مجد شخصي، بل جعل من حياته اليومية ومخاوفه وتناقضاته مادة للتأمل في الطبيعة الإنسانية.
وفي كتابه ((المقالات))، الذي نشره عام 1580، طرح أسئلة عن الحياة والموت والصداقة والمعرفة والتسامح، متخذاً من سؤاله الشهير ((ماذا أعرف؟)) تعبيراً عن تواضع الإنسان أمام الحقيقة. رحل مونتين عام 1592، لكن كتابه بقي حاضراً بعد أكثر من أربعة قرون، مؤكدًا أن الأثر لا تصنعه الإجابات النهائية وحدها، بل قد تصنعه أيضاً الأسئلة التي تمنح الأجيال شجاعة التفكير وإعادة اكتشاف الذات.
أما المفكر والفيلسوف والأديب السويسري وعالم النبات جان جاك روسو (1712–1778م)، أحد أبرز أعلام عصر التنوير الأوروبي وأكثرهم تأثيراً في الفكر السياسي والتربوي الحديث، فقد جاءت ((الاعترافات)) في القرن الثامن عشر استجابة لظروف مختلفة، بعدما وجد نفسه في مواجهة خصومات فكرية وهجمات شخصية حادة طالت سمعته وصورته أمام المجتمع، ولا سيما في أعقاب الجدل الذي أثارته مؤلفاته ومواقفه.
وشعر روسو بأن الآخرين يقدمون عنه صورة لا تمثل حقيقته كما يراها، فاختار أن يكتب سيرته بنفسه، كاشفاً عن مشاعره وأخطائه وعلاقاته وتناقضاته، بما فيها من ضعف وقوة، في مكاشفة جريئة أراد منها الدفاع عن ذاته أمام معاصريه والأجيال القادمة.
ولم يكن الاعتراف عنده سعياً إلى إثبات البراءة المطلقة، بل محاولة لتقديم الإنسان في صورته الكاملة، وإقناع القارئ بصدق هذه الصورة رغم ما تنطوي عليه من أخطاء. وهكذا تحولت الكتابة إلى مواجهة بين الذات ونظرة المجتمع إليها، وإلى سعي لاستعادة الحق في رواية الحياة كما عاشها صاحبها، لا كما رواها عنه الآخرون.
وهنا تكمن المفارقة: فقد أراد روسو أن يدافع عن نفسه أمام معاصريه، فإذا بكتاباته تتجاوز معركته الشخصية لتصبح أحد أبرز الأعمال المؤسسة لأدب السيرة الذاتية، وتفتح أمام الأجيال أسئلة عميقة عن الصدق والاعتراف والذاكرة وحقيقة الإنسان. لقد كتب روسو ليغيّر نظرة عصره إليه، فترك أثراً غيّر نظرة الأجيال إلى الكتابة عن الذات.
وفي كتاب ((اعتراف)) للأديب والمفكر الروسي ليو تولستوي (1828–1910م)، أحد أعلام الرواية العالمية، تتخذ الكتابة منحى وجودياً عميقاً، إذ تنطلق من أزمة روحية وفكرية حادة عاشها الكاتب رغم بلوغه ذروة النجاح الأدبي والشهرة والمكانة الاجتماعية.
فقد وجد تولستوي نفسه أمام فراغ داخلي لم تستطع الشهرة أو الثروة أو الأسرة أن تملأه، وأخذ يطارده سؤال جوهري عن معنى الحياة وجدوى الإنجاز الإنساني في ظل حتمية الموت.
وترك ليو تولستوي إرثاً أدبيا إنسانياً تجاوز عصره، في صدارته روايتيه الشهيرتين ((الحرب والسلام)) و((آنا كارنينا))، اللتين تناول فيهما أسئلة الحياة والمصير والحب والقيم. ففي ((الحرب والسلام)) يبحث الإنسان عن معنى وجوده وسط الحروب والتحولات التاريخية الكبرى، بينما تكشف ((آنا كارنينا)) صراعات النفس البشرية بين الحب والأسرة وقيود المجتمع.
وفي الروايتين تتجلى فلسفة تولستوي بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بالمكانة أو الثروة أو الانتصارات الظاهرة، بل بما يكتشفه من حقيقة ومعنى وقيم. ورغم مرور أكثر من قرن على رحيله، لا تزال أعماله حاضرة في الوجدان الإنساني، شاهدة على أن تولستوي لم يترك مجرد روايات خالدة، بل ترك أدباً يواصل طرح الأسئلة على الأجيال.
أدب الاعترافات وشهادة العطاءوأما ((الرسائل)) لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فهي تجمع بين أدب الاعترافات في استعادة التجربة الشخصية وصدق المكاشفة، لكنها تتجه في جوهرها نحو أدب الشهادات والسيرة التأملية.
فسموه، لا يستعيد ستين عاماً من حياته ليكشف عن تجربته فحسب، بل ليشهد على مرحلة من التحولات، ويستحضر أشخاصها وأحداثها وتحدياتها، ويستخلص منها معرفة قابلة للانتقال بين الأجيال.
وإذا كانت بعض الاعترافات تسعى إلى التصالح مع الماضي أو إعادة تفسيره، فإن ((الرسائل)) تتجه إلى استثمار الماضي في بناء المستقبل؛ فهي شهادة قائد على زمن عاشه وأسهم في صناعته، وشهادة إنسان على ما تعلمه من الحياة.
ويختصر سموه هذه الغاية بقوله: ((أكتب هذه الرسائل لشعبي وأبنائي وأحفادي.. أكتبها لفريق عملي ورفاق مسيرتي ودربي.. أكتبها لإخواني وأخواتي أبناء الإمارات.. وأكتبها للعالم.. ولكل من يرى في تجربتنا ما يستحق التعلم والتأمل)).
وهنا تتجاوز الكتابة حدود الاعتراف الفردي لتصبح عطاء إنسانياً مفتوحاً، لا يتوقف عند الجيل الذي كُتب له.
ولعل المفارقة الأدبية الأعمق في ((الرسائل)) أنها تستعير من أدب الاعترافات صدق المكاشفة، ومن الرواية حيوية الشخصيات والأحداث، ومن السيرة الذاتية امتداد الزمن، ومن أدب الحكمة القدرة على استخلاص المعنى، لكنها تعيد توجيه هذه العناصر جميعاً نحو المستقبل.
و((الرسائل)) لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لا تكتب الماضي لتسكن فيه، ولا تستعيد الصعوبات لتطالب الآخرين بالتعاطف، ولا تسرد الإنجازات لمجرد الاحتفاء بها، وإنما تستهدف تحويل التجربة إلى طريق يمكن أن تستفيد به الأجيال للسير نحو المستقبل.
تعظيم القدرة على النهوضوتتيح ((الرسائل)) كذلك مقاربة مع اتجاه في بعض الكتابات يمكن وصفها بـ((أدب تمجيد الألم))، حيث تتحول المعاناة أحياناً من تجربة تستحق الفهم والإنصاف إلى مركز دائم لتعريف الذات، ويصبح الألم مصدراً للهوية والاعتراف الاجتماعي، وتصبح المعاناة نهاية الحكاية لا بدايتها، حيث يطغى وصف الجرح على إمكانات التعافي وتغيير الواقع.
وأما ((الرسائل))، فلا تُنكر الشدائد ولا تُمحى الخسارات، لكنها لا تتحول إلى هوية نهائية. ففي رسالة سموه إلى شباب دبي، يستعيد ((سنوات البطاقة)) وما عرفته دبي من ظروف اقتصادية ومعيشية قاسية، ومن جوع وفقر ومرض، لكنه يستحضر في المقابل إرادة رجال ونساء رفضوا الاستسلام.
وجاء في رسالة سموه: "رسالة إلى شباب دبـي.. "سنوات البطاقة"..
أبنائي وأحبائي.. دبي لم تولد من الرفاهية، بل من الألم، والجوع، والمعاناة.. دبي ذاقت المرض، وعاشت الخوف، وشاهدت أبناءها يهاجرون منها بحثاً عن لقمة تسدّ جوعهم.
دبي مدينة بُنيت على الفهم الحقيقي للواقع، والتقدير الحقيقي لأهمية التجارة والاقتصاد، وعدم الاعتماد على مورد واحد للحياة.
دبي تعلمت من السنوات الصعبة دروساً قاسية، والمدن التي تجرب الألم لا يكون النجاح لديها رفاهية، بل مسألة حياة أو موت".
وهكذا لا تصبح البطولة في مجرد احتمال الألم، بل في تحويله إلى طاقة للبناء، ولا تكون قيمة التجربة في حجم المعاناة وحدها، وإنما في قدرة الإنسان على تجاوز ظروفه من دون إنكار قسوتها. فـ((الرسائل)) لا تمجد الضحية بقدر ما تحتفي بالإنسان القادر على النهوض، وتحويل الصعوبات إلى معرفة، والتحديات إلى فرص للعمل، والماضي بما فيه من قسوة إلى قوة تسهم في صناعة المستقبل.
الماضي أمانة للمستقبلإذا كان أدب الاعترافات قد منح الإنسان فرصة لمساءلة ذاته، فإن أدب الشهادات يمنح التجربة فرصة الانتقال من المجال الشخصي إلى الذاكرة المشتركة. ومن هنا يمكن فهم ((الرسائل)) بوصفها شهادة على تجربة إنسانية ووطنية، لا تكتفي بتسجيل الوقائع، بل تبحث عن الدروس التي يمكن استخلاصها منها.
وفي هذا المعنى، تصبح الكتابة فعلاً من أفعال المسؤولية؛ فالتجربة التي لا تُنقل قد تنتهي بانتهاء صاحبها، أما التجربة التي تتحول إلى معرفة فتستطيع أن تبدأ حياة جديدة في الآخرين. وهنا تتجلى فلسفة الكتاب في العلاقة بين الذاكرة والأمانة؛ فالذاكرة تحفظ ما حدث، أما الأمانة فتسأل عما ينبغي أن نفعله بما حدث، وكيف يمكن أن نختصر الطريق لمن يأتي بعدنا.
وإذا كان بعض الاعترافات ينطلق من حاجة صاحبه إلى فهم حياته، فإن ((الرسائل)) تنطلق، وفق غايتها المعلنة، من رغبة في منح الآخرين فرصة للاستفادة من تلك الحياة. إنها كتابة لا تنتهي عند صاحبها، بل تبدأ من حيث تصل إلى الآخرين، فلا يكون بقاء الكلمات في استمرار تداولها فحسب، وإنما في استمرار قدرتها على بناء الإنسان.
الخلاص و الامتداديكشف استعراض ((الرسائل)) وأدب الاعترافات عن اختلاف في المنطلقات والغايات، لا عن قطيعة تامة بين الأشكال الأدبية. فمونتين يكتب سعياً إلى فهم الذات والطبيعة الإنسانية، وجان جاك روسو دفاعاً عن صورته أمام المجتمع، وتولستوي يواجه أزمة المعنى والوجود، بينما يستعيد صاحب ((الرسائل)) تجربته ليقدم حصادها من القيم والدروس والخبرات إلى الآخرين، لتصبح التجربة الفردية أمانة تتناقلها الأجيال.
وإذا كان السؤال في كثير من أدب الاعترافات: ماذا فعلت الحياة بي؟ فإن السؤال الذي تطرحه ((الرسائل)) هو: ماذا يمكن أن تفعل تجربتي في حياة الآخرين؟
وهنا تتحول الكتابة من مراجعة تجربة الحياة إلى منح العمر امتداداً جديداً، ومن استعادة الماضي إلى بناء المستقبل، ومن مكاشفة الذات إلى شهادة العطاء.
ولا تقتصر ((الرسائل)) كشهادة على تجربة مضت، وإنما تعامل سموه، مع ما تعلمه من الحياة بوصفه أمانة، وأن يترك منها ما ينفع الأجيال القادمة، ومن أجمل ما تمنحه التجربة لصاحبها أن تتحول، عبر الكلمة الصادقة، إلى حياة أخرى في الآخرين.
وتخبرنا((الرسائل)) أن قيمة العمر لا تقاس بعدد سنواته، ولا بما يحققه الإنسان لنفسه وحده، بل بما يستطيع أن يمنحه للآخرين من معرفة وخير وأمل. وكما كتب سموه في رسالته إلى القيادات الشابة: ((من عاش لنفسه مات معها، ومن عاش للآخرين امتد معهم)).
- محمد بن راشد آل مكتوم كتاب الرسائل
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment