23 ألف متدرب في تايوان سنوياً، ماذا ينقص الأردن لبناء جيله التكنولوجي؟
في المقابل، لا يزال الأردن يحاول الانتقال من مرحلة تشخيص مشكلات البحث العلمي إلى بناء منظومة تربط الجامعات بالسوق والصناعة. الفارق بين التجربتين لا يتعلق فقط بحجم الإنفاق، وإنما بكيفية استخدامه، وبالسؤال الذي تضعه كل دولة أمام نظامها التعليمي: هل نريد تخريج طالب يحمل شهادة، أم مهندساً يستطيع دخول المختبر والعمل في صناعة المستقبل؟
زيارة مركز أبحاث أشباه الموصلات في هسينشو تكشف أن جزءاً من القوة التكنولوجية التايوانية بُني قبل أن يصل إلى المصانع. المعهد يعمل كمنصة وطنية مشتركة تسمح للجامعات والباحثين باستخدام معدات وأدوات لا تستطيع كل جامعة امتلاكها منفردة. أكثر من 100 أداة تجارية لتصميم الشرائح متاحة ضمن البنية البحثية، وأكثر من 2000 شريحة أكاديمية تمر سنوياً بمرحلة التصنيع التجريبي، فيما تجري المنشآت نحو 7000 عملية تحليل واختبار كهربائي ومادي سنوياً.
هذا النموذج يضع البحث العلمي في مكان مختلف عن الطريقة التي تتعامل بها كثير من الدول معه. الباحث لا يتوقف عند نشر الورقة العلمية، والطالب لا ينتظر دخوله الشركة حتى يتعامل مع أدوات الصناعة، والجامعة لا تضطر إلى شراء كل المعدات التي تحتاجها وحدها. البنية التحتية تصبح ملكاً لمنظومة البحث كلها، ويصبح الوصول إليها جزءاً من سياسة الدولة لتطوير المواهب.
المملكة لا تحتاج، في هذه المرحلة، إلى محاولة بناء صناعة أشباه موصلات تنافس تايوان. لا تملك حجم السوق أو البنية الصناعية أو متطلبات الطاقة والمياه اللازمة لذلك، كما أن القفز مباشرة إلى التصنيع الثقيل سيكون استثماراً ضخماً قبل امتلاك قاعدة بشرية وصناعية قادرة على تشغيلها. ما يحتاجه الأردن هو بناء القدرات التي تسبق المصنع.
يمكن إنشاء شبكة وطنية من المختبرات البحثية المفتوحة، تتوزع على عدد محدود من المراكز المتخصصة، وتتاح للجامعات والباحثين والشركات الناشئة. بدلاً من أن تمتلك كل جامعة مختبراً صغيراً بإمكانات محدودة، يمكن للدولة أن تستثمر في معدات متقدمة يستخدمها مئات الباحثين والطلاب من مختلف الجامعات.
هذا بالضبط ما يجعل نموذج TSRI مهماً للأردن. أكثر من 600 فريق بحثي يعمل مع المعهد، وأكثر من 50 جامعة مرتبطة بمنظومته، فيما يشارك أكثر من 23 ألف شخص في برامج التدريب سنوياً. المعهد لا ينتج أبحاثاً فقط، بل يبني باستمرار خطاً من المهندسين الذين يعرفون أدوات وتقنيات الصناعة قبل دخولهم سوق العمل.
المسألة تتجاوز أشباه الموصلات. عندما يصبح لدى دولة مختبرات مشتركة ومعدات متقدمة، فإنها تستطيع توجيهها نحو أولوياتها الوطنية. بالنسبة للأردن، يمكن أن تكون المياه والطاقة والزراعة والدواء والذكاء الاصطناعي والروبوتات والأنظمة المدمجة وأجهزة الاستشعار مجالات عملية لهذا الاستثمار.
في بلد يعاني من شح المياه، مثلاً، لا يكفي تمويل دراسات عن إدارة الموارد المائية. المطلوب أن يتمكن الباحث من بناء جهاز استشعار، واختباره، وربطه بنظام ذكي، ثم تجربة التقنية في شبكة مياه حقيقية. وفي قطاع الطاقة، يمكن للجامعة والشركة تطوير حلول لإدارة الاستهلاك أو تحسين كفاءة الشبكات من خلال مختبر مشترك. الفكرة هي تحويل المشكلات الأردنية نفسها إلى مختبرات للابتكار.
الأردن لديه بالفعل نقطة بداية مؤسسية. مشروع أولويات البحث العلمي الوطنية للأعوام 2026 إلى 2035 شارك فيه نحو 700 خبير، ويهدف إلى توجيه البحث نحو قطاعات واحتياجات وطنية واضحة، فيما لا يزال الإنفاق الأردني على البحث العلمي دون 1% من الناتج المحلي الإجمالي.
لكن تحديد الأولويات لن يكون كافياً إذا لم يتغير مسار التمويل نفسه. الباحث الذي يحصل على منحة لإجراء دراسة يجب أن تكون لديه إمكانية الانتقال إلى المرحلة التالية، النموذج الأولي، ثم الاختبار، ثم حماية الملكية الفكرية، ثم نقل التقنية إلى شركة. في كثير من الاقتصادات، تموت الأفكار في هذه المنطقة تحديداً، لأنها تقع بين ميزانية البحث العلمي وميزانية الشركات.
تايوان بنت مؤسسات تسد هذه الفجوة.
المعهد لا يقدم للباحث أداة تصميم فقط، بل يوفر سلسلة تمتد من الفكرة إلى التصميم ثم التصنيع والاختبار والنموذج الأولي. هذه السلسلة تفسر لماذا يمكن أن تعمل الجامعة والصناعة ضمن منظومة واحدة بدلاً من أن يبقى كل طرف داخل حدوده المؤسسية.
حتى تدريب المواهب في تايوان مرتبط بهذا النموذج. نحو 100 دورة و200 جلسة عملية تنظم سنوياً، وتشمل التدريب على عمليات التصنيع داخل المختبرات وصولاً إلى تصميم الدوائر المتقدمة. ويشير المعهد إلى أنه يساهم في ضخ أكثر من 2000 مهندس متخصص في أشباه الموصلات إلى الصناعة سنوياً.
في الأردن، يجب أن يتحول التدريب العملي إلى جزء أساسي من السياسة التعليمية والتكنولوجية. ليس المطلوب إضافة دورة جديدة إلى مئات الدورات الموجودة، وإنما تغيير طبيعة التدريب نفسه. الطالب في الهندسة أو علوم الحاسوب يجب أن يعمل على مشروع حقيقي، باستخدام معدات حقيقية، بالتعاون مع باحث وشركة، وأن يخرج من الجامعة وهو يعرف كيف تتحول الفكرة إلى منتج.
وهذا يقود إلى قضية المواهب التي ستصبح أكثر إلحاحاً مع توسع الذكاء الاصطناعي. الشركات لن تحتاج فقط إلى مبرمجين، بل إلى مهندسين يفهمون البرمجيات والعتاد معاً، وأجهزة الاستشعار، والأنظمة المدمجة، وإدارة الطاقة، والحوسبة الطرفية. هذه هي المجالات التي يركز عليها TSRI أيضاً، بما في ذلك دمج الذكاء الاصطناعي مع أجهزة الاستشعار في شرائح منخفضة استهلاك الطاقة.
بالنسبة للأردن، هذا يفتح مجالاً واقعياً للمنافسة. ليس مطلوباً أن يصنع البلد المعالج الإلكتروني الذي يدخل الهاتف، وإنما يمكن أن يطور النظام الذي يستخدم هذا المعالج في الزراعة أو المياه أو الصناعة أو الأجهزة الطبية. القيمة الاقتصادية ليست دائماً في تصنيع المكون من الصفر، وإنما في امتلاك المعرفة التي تحول المكونات إلى منتج.
وهنا يجب أن يتغير أيضاً مفهوم التعاون بين الجامعات والقطاع الخاص. الشركة الأردنية يجب ألا تكون مجرد جهة تستقبل الخريجين، بل شريكاً في تحديد الأبحاث التي تحتاجها. الجامعة من جهتها يجب ألا تقيس نجاحها فقط بعدد الأبحاث المنشورة، وإنما بعدد التقنيات التي وصلت إلى السوق، وعدد النماذج الأولية، وبراءات الاختراع التي تحولت إلى منتجات، والشركات التي نشأت من البحث الجامعي.
تايوان بنت جزءاً من تفوقها بهذه الطريقة، عبر شبكة تربط البحث والتصميم والتصنيع والتدريب والصناعة. وهذا ما يجعل تجربة هسينشو أكثر أهمية للأردن من صورة المصنع الضخم. المصنع هو النتيجة المرئية، لكن خلفه منظومة طويلة من الجامعات والمختبرات والباحثين والمهندسين والتدريب المستمر.
الأردن يستطيع بناء منظومة أصغر بكثير، وبأهداف مختلفة، لكن بالمنطق نفسه. مركز وطني أو شبكة مختبرات مشتركة، تمويل يمتد من البحث إلى النموذج الأولي، برامج تدريب عملية، شراكات مع شركات محلية ودولية، واستراتيجية واضحة لاستعادة الباحثين الأردنيين والاستفادة من خبرات الموجودين في الخارج.
ويمكن البدء بعدد محدود من المجالات بدلاً من توزيع الموارد على عشرات القطاعات. المياه والطاقة والذكاء الاصطناعي والدواء والأنظمة المدمجة والزراعة الذكية تبدو أكثر ارتباطاً باحتياجات الأردن وقدرته على بناء ميزة تنافسية.
الدرس الذي يمكن أخذه من تايوان ليس أن الأردن يجب أن يصبح دولة أشباه موصلات. الدرس أن صناعة التكنولوجيا لا تبدأ من المصنع، وإنما من القدرة على تدريب الإنسان، وإتاحة المختبر، وتمويل التجربة، وربط الباحث بالشركة.
23 ألف متدرب سنوياً في منظومة واحدة رقم كبير، لكنه ليس أهم ما في التجربة. الأهم أن الدولة التايوانية بنت مكاناً يستطيع فيه الطالب أن يتعلم، والباحث أن يجرب، والشركة أن تختبر، والجامعة أن تتعاون، والصناعة أن تحصل على كفاءات جاهزة.
الأردن لديه الجامعات والمهندسون والباحثون، ولديه أولويات بحثية واضحة بصورة متزايدة. ما ينقصه هو الحلقة التي تجمع هذه العناصر في نظام واحد.
إذا بُنيت هذه الحلقة، يمكن للأردن أن يدخل اقتصاد التكنولوجيا من الأبواب التي تناسبه، لا من الباب الذي نجحت فيه تايوان. عندها لن يكون السؤال كيف نصنع ما تصنعه تايوان، وإنما ما التكنولوجيا التي يستطيع الأردن تطويرها اعتماداً على مشكلاته، ومواهبه، وموارده، وسوقه الإقليمي.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment