كندا تقترب من أوروبا.. ماذا ستخسر مقابل الابتعاد عن أمريكا؟

(MENAFN- Al-Bayan) تريد كندا الاقتراب من أوروبا كي تصبح أكثر قدرة على اتخاذ قراراتها بعيداً عن ضغوط الولايات المتحدة، لكن كل خطوة نحو سوق أكبر تأتي عادة مع مجموعة أكبر من القواعد، وكل تحالف يحمي جزءاً من السيادة قد يطلب في المقابل مشاركة جزء آخر منها.

هذه هي المفارقة التي تحيط باقتراح غير مسبوق قدمته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ودعت فيه إلى فتح الباب أمام كندا لتصبح أول ((عضو منتسب)) إلى الاتحاد الأوروبي.

ورحب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بالفكرة خلال كلمة أمام البرلمان الأوروبي، ووصف العلاقة المقترحة بأنها ((تحالف من أجل المستقبل)) يقوم على القيم والمصالح المشتركة، كما أكد أن التقارب يتعلق بالسيادة وقدرة الكنديين على العيش بالطريقة التي يختارونها.

غير أن المصطلح الجذاب لا يملك حتى الآن تعريفاً قانونياً، فلا توجد في معاهدات الاتحاد الأوروبي فئة رسمية تسمى ((العضوية المنتسبة))، ولم تعلن بروكسل أو أوتاوا الحقوق التي ستمنحها لكندا أو الالتزامات التي ستترتب عليها، لهذا يدور النقاش الحقيقي حول مقدار التكامل الذي يمكن تحقيقه قبل أن تتحول الشراكة إلى مشاركة فعلية في صناعة السياسات الكندية.

فكرة جديدة

قالت فون دير لاين في خطابها أمام البرلمان الأوروبي إن الاتحاد يريد نقل علاقته مع كندا من اتفاقية التجارة الحرة إلى تحالف يخلق مساحة مشتركة للازدهار والأمن الاقتصادي.

وتشمل المجالات المقترحة التصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والأمن السيبراني والطاقة والمعادن الحرجة والبطاريات والدفاع والقطب الشمالي.

وبحسب النص الرسمي لخطاب فون دير لاين، ارتفعت تجارة السلع بين كندا والاتحاد الأوروبي بنسبة 75 في المئة خلال أقل من عقد بفضل اتفاقية التجارة الشاملة ((سيتا)).

ويريد الطرفان الآن تجاوز التجارة التقليدية إلى تكامل أعمق قد يشمل الخدمات المالية والتجارة الرقمية وسلاسل التوريد والصناعات الدفاعية، إلى جانب تبادل الشباب ومشاركة كندا في برامج أوروبية مثل ((إيراسموس بلس)).

لكن وكالة أسوشيتد برس أوضحت أن صفة العضو المنتسب غير موجودة حالياً، وأن إنشاءها سيتطلب مفاوضات بين مؤسسات الاتحاد ودوله الـ27، كما أن فون دير لاين لم تكن قد أجرت مشاورات واسعة مع جميع الحكومات قبل إعلان الفكرة.

ليست عضوية

ولا تسعى كندا إلى العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، ولا يسمح إطار الاتحاد الحالي بانضمامها بالطريقة التقليدية، فالمادة 49 من معاهدة الاتحاد تحصر طلب العضوية في الدول الأوروبية.

وهذا يعني أن الحديث عن تخلي كندا عن الدولار لمصلحة اليورو، أو انضمامها تلقائياً إلى منطقة شنغن، أو دفع مساهمة مماثلة لما تدفعه الدول الأعضاء، يسبق الحقائق المتاحة.

وشدد كارني على أن بلاده لا تطلب العضوية الكاملة، وأن مضمون الشراكة أهم من الاسم الذي سيطلق عليها، والأرجح أن الصيغة ستتكون من مجموعة اتفاقات قطاعية تمنح كندا وصولاً أوسع إلى برامج وأسواق أوروبية محددة مقابل مواءمة بعض قواعدها مع المعايير الأوروبية.

قواعد أوروبية

كلما أرادت دولة دخول السوق الأوروبية بصورة أعمق، ازدادت حاجتها إلى تطبيق القواعد التي تحكم هذه السوق.

ويمكن أن تشمل المواءمة معايير حماية البيانات وتنظيم الذكاء الاصطناعي والخدمات المالية والمنافسة والانبعاثات وسلامة المنتجات والمشتريات الحكومية، وقد تكون هذه المعايير قريبة أصلاً من التوجهات الكندية، لكنها ستمنح بروكسل تأثيراً غير مباشر في الطريقة التي تنظم بها أوتاوا اقتصادها.

ويظهر هذا التحدي في علاقة الاتحاد مع دول مثل النرويج، فهي تحصل على وصول واسع إلى السوق الأوروبية من دون أن تكون عضواً في الاتحاد، لكنها تطبق قسماً كبيراً من قواعده من دون امتلاك حق التصويت الكامل على صياغتها.

إذا اقتربت كندا من نموذج مشابه، فقد تجد نفسها أمام خيار غير مريح، إما اتباع قواعد أوروبية لم تشارك بصورة متساوية في صنعها، أو خسارة بعض الامتيازات التي يوفرها الاتفاق.

وهنا يتحول التقارب الذي يُسوق باعتباره تعزيزاً للسيادة إلى تنازل محدود عنها في مجالات بعينها.

استقلال تنظيمي

تتمتع كندا حالياً بحرية أكبر في التوفيق بين نموذجين اقتصاديين مختلفين، فهي مرتبطة بالولايات المتحدة والمكسيك عبر اتفاق التجارة لأمريكا الشمالية، وترتبط في الوقت نفسه بالاتحاد الأوروبي من خلال ((سيتا)).

وقد يصبح الحفاظ على هذا التوازن أكثر صعوبة إذا طلبت بروكسل مواءمة واسعة لقواعد المنتجات أو البيانات أو الخدمات المالية، في الوقت الذي تعتمد فيه الشركات الكندية على سلاسل توريد متداخلة مع الاقتصاد الأمريكي.

ولا يعني اختلاف القواعد أن أحد النموذجين أفضل بالضرورة، لكن الشركة التي تعمل في سوقين كبيرتين قد تضطر إلى بناء خطوط إنتاج وأنظمة امتثال مختلفة، ما يرفع الكلفة بدلاً من خفضها.

كما يمكن أن تثير الاتفاقات الجديدة حساسيات داخلية في قطاعات تحميها كندا بعناية، مثل الزراعة والصناعات الثقافية وبعض المشتريات الحكومية، وستحتاج الحكومة الاتحادية كذلك إلى إشراك المقاطعات لأن عدداً من مجالات التنظيم والتنفيذ يقع ضمن صلاحياتها.

كلفة سياسية

ولا يأتي التحرك الكندي في فراغ، فقد تسارع التقارب مع أوروبا وسط تصاعد الرسوم والضغوط التجارية الأمريكية، في وقت تبحث فيه أوتاوا عن أسواق وشركاء يقللون اعتمادها على جارها الجنوبي.

لكن الولايات المتحدة تظل الشريك التجاري الأكبر لكندا بفارق واسع، ولا يمكن للتجارة الأوروبية أن تحل محل الجغرافيا الاقتصادية بين البلدين بسرعة.

وقد حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أن التقارب الأوروبي الكندي قد يُعامل بوصفه خطوة عدائية، ولوح بإجراءات تجارية إضافية، وفي المقابل، قال كارني إن التحالف مع أوروبا سيجعل كندا شريكاً أفضل للولايات المتحدة، لا خصماً لها.

ويحاول رئيس الوزراء بذلك تقديم التنويع باعتباره تقوية للموقف الكندي داخل أمريكا الشمالية، لكن نجاح هذه الحجة سيعتمد على رد واشنطن، وعلى قدرة أوتاوا على توسيع علاقتها مع أوروبا من دون تحويلها إلى جبهة جديدة في نزاع الرسوم الجمركية.

مكاسب محتملة

ورغم المخاطر، يمكن للتحالف أن يمنح كندا فرصاً يصعب تجاهلها، فالاتحاد الأوروبي سوق ضخمة، وشريك قادر على شراء الطاقة والمعادن الحرجة والتكنولوجيا الكندية، كما يمكن للتكامل الدفاعي أن يفتح أمام الشركات الكندية عقوداً واستثمارات جديدة.

وقد يساعد التعاون في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والبطاريات على إنشاء سلاسل توريد أقل اعتماداً على الولايات المتحدة والصين، كما يمكن لتسهيل الحركة والدراسة والعمل أن يمنح الشباب والشركات الكندية حضوراً أوسع داخل أوروبا.

ويمثل التحالف بالنسبة للاتحاد الأوروبي فرصة مماثلة، فكندا دولة غنية بالطاقة والمعادن، وتملك قدرات صناعية وعلمية وموقعاً أساسياً في القطب الشمالي. وهي أيضاً شريك ديمقراطي في وقت تبحث فيه أوروبا عن حلفاء مستقرين خارج حدودها.

MENAFN24092026000110011019ID1111709358

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث