محمود معتز يكتب: من "100 مليون شجرة" إلى "الشجرة المناسبة".. كيف نُخضر القاهرة؟

(MENAFN- Al-Borsa News) في كل مرة أسمع فيها عن مشروع جديد لتشجير القاهرة، أجد نفسي أفكر في سؤال مختلف تمامًا عن السؤال الذي يبدو منطقيًا للوهلة الأولى. أنا مع تشجير القاهرة بكل تأكيد، وأعتقد أننا تأخرنا كثيرًا في التعامل مع المساحات الخضراء باعتبارها جزءًا أساسيًا من تخطيط المدينة، وليس مجرد رفاهية أو منظر جميل في بعض الشوارع. لكن عندي مشكلة مع الطريقة التي نتعامل بها أحيانًا مع فكرة التشجير نفسها؛ فمجرد أن نقول إننا سنزرع عددًا كبيرًا من الأشجار لا يعني بالضرورة أننا نسير في الاتجاه الصحيح.

السؤال الذي يجب أن يسبق عدد الأشجار هو: أي أشجار سنزرع؟ وأين؟ ولماذا هذه الأشجار تحديدًا؟ لأن القاهرة لا تحتاج إلى أي شجرة والسلام. خذ شجرة الفيكس مثلًا، وهي من أكثر الأشجار التي ارتبطت في ذهني بالقاهرة وشوارعها.

موضوعات متعلقة ديفيد فيكلينج يكتب: أسعار النحاس تكسر القواعد التاريخية وتتفوق على النيكل آندي موخيرجي يكتب: لماذا يتصارع مليارديرات الهند؟ كاثرين ثوربيك تكتب: هل تتجاوز النماذج المفتوحة مخاوف الثقة فى ((الذكاء الاصطناعى الصينى))؟

قد تبدو للوهلة الأولى اختيارًا منطقيًا لأنها سريعة النمو وتوفر ظلًا، لكن تجربتنا معها تقول إن الموضوع ليس بهذه البساطة؛ فجذورها يمكن أن تمتد بشكل يضر الأرصفة والمنشآت والمرافق، وحجمها الكبير يحتاج إلى تقليم وصيانة مستمرة، كما أن زراعتها في أماكن ضيقة أو بالقرب من شبكات المرافق قد تحولها من عنصر أخضر إلى مشكلة تتكلف المدينة أموالًا لمعالجتها.

وبالتالي، عندما نتحدث عن تشجير القاهرة، لا أريد أن نكرر ببساطة الأشجار التي اعتدنا عليها، ثم نكتشف بعد سنوات أننا أنفقنا على زراعتها وريها وصيانتها، قبل أن ننفق مرة أخرى على تقليمها أو اقتلاعها أو معالجة الأضرار التي تسببت فيها. أنا لا أريد شجرة تعيش فقط.. أريد شجرة مناسبة للمكان الذي زُرعت فيه.

وهنا تحديدًا أرى أن مبادرة تشجير القاهرة يمكن أن تكون فرصة لتغيير طريقة التفكير بالكامل. بدلًا من أن يكون السؤال: كم شجرة سنزرع؟ يجب أن يكون: كيف نصمم القاهرة بحيث تصبح الأشجار جزءًا من اقتصاد المدينة وحياتها اليومية؟ العالم بدأ بالفعل ينظر إلى الأشجار داخل المدن بطريقة مختلفة؛ فلم تعد المساحات الخضراء مجرد وسيلة لتحسين الشكل العام أو امتصاص بعض الملوثات، وإنما أصبحت جزءًا من التخطيط الحضري، وفي بعض التجارب دخلت الأشجار المثمرة والزراعة الحضرية ضمن مفهوم أوسع يُسمى ((المدينة الصالحة للأكل)).

في لندن، على سبيل المثال، دعمت سلطات محلية مشروعات مرتبطة بالأشجار المثمرة واستعادة البساتين داخل المدينة، باعتبارها جزءًا من البنية الخضراء، وليس فقط باعتبارها نشاطًا زراعيًا.

وفي تركيا، توجد تجارب للبساتين والإنتاج الزراعي داخل النطاق الحضري، ومنها مشروعات واسعة في أنقرة. لا أقول إن القاهرة يجب أن تتحول إلى لندن أو أنقرة، ولا أعتقد أصلًا أن نسخ تجربة مدينة أخرى سيكون حلًا، لكن يمكننا أن نتعلم من الفكرة نفسها: الشجرة داخل المدينة يمكن أن تؤدي أكثر من وظيفة في الوقت نفسه. يمكن أن تكون هناك أشجار هدفها الأساسي توفير الظل وتحسين المناخ المحلي، وأخرى مناسبة للطرق والمحاور وتتحمل الحرارة وقلة المياه، وفي الحدائق والمدارس ومراكز الشباب والمساحات السكنية يمكن أن نفكر في أشجار مثمرة، عندما تسمح طبيعة المكان بذلك.

لماذا لا يكون لدينا مثلًا بساتين صغيرة داخل بعض الأحياء؟ ولماذا لا نزرع أشجارًا مثمرة في مساحات عامة محددة بدلًا من التعامل مع كل المساحات الخضراء باعتبارها مجرد نجيلة وأشجار زينة؟ الفكرة هنا ليست أن نزرع المانجو في كل شارع بالقاهرة، ولا أن نحول العاصمة إلى مزرعة، الفكرة أبسط من ذلك بكثير: أن نختار الشجرة وفقًا لوظيفتها ومكانها وتكلفة رعايتها، وليس وفقًا لما اعتدنا أن نزرعه.

وأعتقد أن نقطة المياه تحديدًا يجب أن تكون في قلب أي خطة لتشجير القاهرة. مصر دولة تعاني من ضغوط مائية متزايدة، وبالتالي فإن اختيار شجرة تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه في مقابل شجرة أكثر تحملًا للحرارة والجفاف ليس قرارًا تجميليًا، إنه قرار اقتصادي وبيئي في الوقت نفسه.

يجب أن نعرف تكلفة ري الشجرة طوال عمرها، وليس فقط تكلفة شراء الشتلة وزراعتها، ويجب أن نعرف كم سنة تستطيع البقاء، وما احتياجاتها من التقليم، وما إذا كانت جذورها ستضر بالمرافق والأرصفة، وما إذا كانت ثمارها مناسبة للمكان الذي ستزرع فيه.

وعندما نصل إلى هذه النقطة، سنكتشف أن ((100 مليون شجرة)) ليست مجرد مسابقة في الأعداد. النجاح الحقيقي للمبادرة لن يكون في أن نعلن أننا زرعنا مليون شجرة أو عشرة ملايين شجرة؛ النجاح سيكون في أن نعرف بعد خمس أو عشر سنوات كم شجرة بقيت، وكم شجرة ماتت، وكم أنفقنا على ريها وصيانتها، وأي الأنواع نجحت وأيها فشل، وما الذي تغير في درجات الحرارة وجودة الهواء وشكل المدينة. أريد أن نصل إلى مرحلة يكون لدينا فيها ((اقتصاد للشجرة)) داخل المدينة، نعرف تكلفة زراعتها، وتكلفة بقائها، والعائد البيئي والاجتماعي الذي تقدمه، وفي بعض الحالات العائد الغذائي أو الاقتصادي الذي يمكن أن توفره. وهذا في رأيي هو الفرق بين أن نزرع أشجارًا وأن نبني مدينة خضراء.

القاهرة لا تحتاج فقط إلى عدد أكبر من الأشجار، هي تحتاج إلى اختيارات أفضل. نحتاج إلى أن نتوقف عن التعامل مع الشجرة باعتبارها قطعة ديكور نضعها في المكان المتاح، وأن نبدأ في التعامل معها باعتبارها أصلًا طويل الأجل له تكلفة وعائد.

قد يكون الحل في شارع هو شجرة ظل، وفي حديقة شجرة فاكهة، وفي محور رئيسي شجرة تتحمل الحرارة ولا تتسبب جذورها في تدمير الرصيف، وفي منطقة أخرى نخلة أو زيتونة أو نوع محلي أكثر قدرة على تحمل الظروف. المهم ألا نزرع لأن لدينا هدفًا عدديًا يجب الوصول إليه، نزرع لأن لدينا مدينة نريد أن نعيد تصميمها.

وفي النهاية، لا أعتقد أن السؤال الذي يجب أن نطرحه بعد إطلاق أي خطة جديدة للتشجير هو: ((كم شجرة سنزرع؟)) السؤال الذي يهمني أكثر هو: ((بعد عشر سنين.. كيف سيكون شكل القاهرة؟)) إذا كانت الإجابة أن لدينا ملايين الأشجار التي تحتاج إلى مياه وصيانة، وبعضها مات وبعضها دمر الأرصفة وبعضها اضطررنا إلى قطعه، فنحن لم نحل المشكلة.

أما إذا كانت الإجابة أن لدينا مدينة أكثر ظلًا، وأقل حرارة، وأفضل في جودة الهواء، وأكثر كفاءة في استهلاك المياه، وتستخدم بعض مساحاتها الخضراء لإنتاج الغذاء، وتحافظ على الأشجار التي نجحت وتتعلم من الأشجار التي فشلت، فهنا فقط يمكن أن نقول إننا لم نزرع أشجارًا فحسب.. نحن زرعنا مستقبلًا أفضل للقاهرة.

MENAFN15092026000202011048ID1111667283

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث