من الركام يولد المشهد الجديد : من الخشبة إلى الخيمة.. مسرح غزة مساحة للحياةوالذاكرة

(MENAFN- Palestine News Network ) غزة /PNN / إسلام المظلوم - في خيمة بين النازحين، يمكن لقطعة قماش أن تصبح ستارة، ولعلبة بازيلاء فارغة أن تتحول إلى دمية، ولشارع أو ساحة صغيرة أن يصبحا مسرحًا. هنا، يحاول فنانون فلسطينيون إعادة اختراع المسرح بأبسط ما توفر لهم، بعدما دمرت الحرب المسارح والقاعات وشتّتت الفنانين.

لم يتوقف المسرح، لكنه غيّر مكانه وشكله ووظيفته، صار مساحة للأطفال للتنفس والتعبير، ووسيلة للفنانين لحفظ الحكايات، ومحاولة لاستعادة شيء من الحياة وسط النزوح والركام.

في غزة، لا يعود السؤال فقط أين يمكن أن يقدم المسرحيون عروضهم، بل كيف يمكن للمسرح أن يبقى حاضرًا حين تختفي الخشبة نفسها؟

المسرح كمساحة للتنفس

يقول تامر نجم ممثل ومدرب دراما، إنه حين غابت خشبة المسرح تحت القصف، وجد في المخيمات فضاءً جديدًا لأداء رسالته، عمل مع الأطفال النازحين على التفريغ النفسي عبر أدوات المسرح: من مسرح المضطهدين ومسرح العرائس إلى تمارين السيكودراما. بالنسبة له، المسرح في غزة لم يعد مجرد عرض فني، بل صار مساحة للدعم النفسي، حيث تكون وظيفته الأولى التنفس والتعبير؛ أن يتنفس الطفل خوفه وغضبه، وأن يعبّر عن صمته باللعب والحركة والصوت.

ويضيف: "لا أدّعي أننا حققنا تعافيًا كاملًا، فهذا مستحيل بعد سنتين من الدمار، لكننا منحنا الأطفال لحظة تنفس وسط الركام". هكذا يثبت المسرح ذاته في كل مرة، حتى لو تحوّل من خشبة إلى خيمة أو من قاعة إلى شارع، لأنه يظل فعل بقاء يمنح الأطفال نافذة صغيرة على الحياة.

دمى من المعلبات أو حين تصنع الحرب مسرحها

بعد أن فقد منزله وورشته تحت القصف، لم يستسلم المخرج مهدي كريرة لغياب الأدوات، بل حوّل بقايا الحياة اليومية إلى مسرح جديد، علب البازيلاء واللانشون والكراتين تحولت بين يديه إلى دمى، تحمل ملامح وأرواح، لتصبح وسيلة ابتكار وسط الخراب، بمساعدة أبنائه وفريق "خيوط"، قدّم أول عرض للأطفال النازحين في المخيمات، حيث اجتمع الناس حول هذه الدمى وكأنها نافذة صغيرة على الفرح.

يقول: "الموت حاضر في غزة، لكنني آمنت أن علينا أن نعمل ونفرح الناس حتى لو جاء الموت ونحن نضحك".

تعامل مع دماه كأنها أولاده، لها كيان واستقلالية على المسرح، تخاطب الناس بسحر وإبهار، قصة الدمى من المعلبات وحدها تقول الكثير: كيف تتحول بقايا الحرب إلى أدوات لصناعة الحياة، وكيف يصبح المسرح فعلًا يوميًا يعيد ترميم الأرواح قبل أن يعيد بناء المكان.

المسرح يحفظ الذاكرة

أما الفنان والمخرج رأفت العايدي، فيرى أن المسرح ليس مجرد خشبة أو إضاءة أو ديكور، بل مساحة حرة بينه وبين جمهوره، وصوت مشترك وحكايات لا تنقطع، المسرح كان في حالة ازدهار، بعروض فيالمدارس والشوارع والمؤسسات رغم قلة الامكانيات، لكن الحرب أخذتالكثير، وأهم الخسائر كانت فقدان فنانين مبدعين رحلوا، والنزوح المؤلم، ومع ذلك واصلوا تقديم أعمال في المخيمات والشوارع.

يقول: "المسرح اليوم صار ذاكرة وصوت، وسيلة لنحافظ على أحلام الناس وأسمائهم وحكاياتهم. أحيانًا مجرد ممثل يحكي قصة في خيمة هو فعل مقاومة".

رغم فقدان القاعات والمسارح، ظل الجمهور حاضرًا وواعيًا، وهو ما يحمّل الفنانين مسؤولية إعادة الأمل ومساعدة الناس على التفكير خارج الصندوق.

حكاية مسرح أقدم من الحرب

تعود بدايات النشاط المسرحي الموثق في غزة إلى عام 1911، حين عُرضت مسرحية ((هاملت)) على خشبة مسرح في غزة، في وقت كان المسرح الفلسطيني يعتمد بدرجة كبيرة على الهواة والأعمال المترجمة.

ومع مرور العقود، تطورت الحركة المسرحية في قطاع غزة، وشهدت خصوصًا في التسعينيات ظهور عدد من الفرق، بينها "الشموع" و"الأمل للفن والمسرح" و"حناضل" و"مجمع الكرامة"، رغم محدودية الإمكانات واعتماد كثير من التجارب على الجهود الذاتية.

وهذا ما يؤكده الفنان علي أبو ياسين، مدير جمعية البيادر للمسرح والفنون، أن المسرح الفلسطيني لم يبدأ مع الحرب الحالية ، ولم يكن يومًا سهلاً أو مغلفًا بالورود، بل ظل يتراوح بين الشد والجد، وبين السعادة والحزن. يرى أن المسرح يحتاج إلى الاستقرار لينمو، شارك المسرح الفلسطيني في مهرجانات عربية ودولية قبل الحصار، لكنه ظل يتعرض للتدمير مع كل حرب.

من أبرز أعماله "مونولوجات غزة" بعد حرب 2009، و"القفص" بعد حرب 2014 التي ترجمت لعدة لغات وعُرضت في مهرجان إدنبرة. كتب أيضًا "غزة حليب الآلام"، مؤكدًا أن قوة المسرح تكمن في حفاظه على الذاكرة، من "أبيض أسود" عن النكبة، إلى "روميو وجوليت" في غزة التي ناقشت الانقسام ودعت للوحدة.

يقول: "المسرح في غزة ليس ترفًا، بل فعل حياة ورسالة صمود وفخر،هو مساحة للتعبير وحفظ الذاكرة، يواجه القصف والدمار بالضحكةوالحكاية، ويمنح الناس شعورًا بأنهم ما زالوا موجودين رغم كلشيء".

مسرح يبحث عن شكل جديد

يرى أشرف سحويل، مدير مركز غزة للثقافة والفنون، أن الحرب فرضت أنماطًا جديدة: مسرح المضطهدين، مسرح الشارع، مسرح الدمى والعرائس. هذه الأشكال لا تحتاج إلى خشبة أو تجهيزات تقنية، وهو ما جعلها الأداة الوحيدة الممكنة بعد استهداف البنية التحتية الثقافية بالكامل.

يشير إلى أن المسارح القائمة تعرضت لتدمير ممنهج: مسرح الهلال الأحمر الفلسطيني عام 2008، مسرح المسحال عام 2018، المكتبة الوطنية، ومركز رشاد الشوا. النتيجة أن المشهد المسرحي يعاني من غياب أي بنية تحتية قادرة على استيعاب الإنتاج.

ومع ذلك، يظل المسرح في غزة مجانيًا ومفتوحًا للجميع، يقدم كحق ثقافي وإنساني، لا كشباك تذاكر.

في غزة، لم يتوقف المسرح عند فقدان خشبته أو قاعاته؛ بل انتقل إلى الخيمة والشارع والساحات الصغيرة بين النازحين. من دمى صنعت من علب الطعام والكرتون، إلى حكايات تُروى كي لا تضيع في زحام الحرب، ظل الفنانون يمنحون الأطفال لحظات من الضحك والتعبير، ويحفظون ذاكرة الناس حيّة وسط الركام.

خسارة المسرح ليست خسارة مكان فقط، بل خسارة لذاكرة جماعية كاملة. وما يفعله الفنانون اليوم هو فعل ومحاولة لإبقاء هذه الذاكرة حيّة، حتى تعود للمدينة خشبتها، وللجمهور مقاعده، وللمسرح بيته.

MENAFN03092026000205011050ID1111618767

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

آخر الأخبار

البحث