إيران في السودان والحوثيون "مخلب قط"
وأكد التقرير أن العلاقة لم تعد مقتصرة على تزويد الجيش السوداني بالمسيرات والذخائر وأنظمة الرادار، بل يشتبه في تطورها إلى شبكة تشمل نقل الأسلحة والأفراد عبر البحر الأحمر، واستخدام بورتسودان مركزاً للخدمات اللوجستية والتمويل، فضلاً عن احتمال مشاركة خبراء حوثيين وإيرانيين في تدريب قوات سودانية على تشغيل المسيرات وتصنيع نماذج منها محلياً.
واستند التقرير الصادر عن مؤسسة ((ذا سنتشري فاونديشن)) الأمريكية، ضمن مشروعها ((سنتشري إنترناشونال))، تحت عنوان: ((من حلقة هامشية إلى مركز للشبكة: الحوثيون في أفريقيا))، إلى نحو 100 مقابلة مع مسؤولين عسكريين وأمنيين واستخباراتيين ومصادر في السودان واليمن ودول إقليمية وغربية، فضلاً عن صور أقمار صناعية، وبيانات تتبع السفن، وسجلات الموانئ والشحن، وبيانات لحركة الهواتف المحمولة، وتحليل تقني للأسلحة والمسيرات.
ويشير التقرير إلى أن حرب السودان المستمرة منذ أكثر من 3 سنوات منحت إيران فرصة منخفضة التكلفة لاستعادة النفوذ في بلد ظل لعقود إحدى ساحات نشاطها السياسي والعسكري في المنطقة، لافتاً إلى أن إيران بدأت تزويد الجيش السوداني بطائرات ((مهاجر-6)) المسيرة وذخائر وأنظمة رادار، إلى جانب إرسال عناصر من الحرس الثوري الإيراني للعمل مدربين ومشغلين للمنظومات العسكرية.
وعزا التقرير جزءاً مهماً من التحول الميداني الذي أتاح للجيش استعادة مناطق واسعة من الخرطوم في مطلع عام 2025، إلى تحسن قدراته في مجال المسيرات، لا سيما المنظومات الإيرانية. ووفق التقرير لم يمر الدعم الإيراني عبر المؤسسات العسكرية السودانية فقط، بل ومن خلال تنظيم نافذ داخل الجيش يرتبط بعناصر ((الإخوان)) التي حكمت البلاد خلال عهد البشير، واحتفظ بعض أعضائها بمواقع مؤثرة داخل الأجهزة العسكرية والأمنية بعد سقوط النظام عام 2019. أبان التقرير أن المدير العام لمنظومة الصناعات الدفاعية، ميرغني إدريس سليمان، لعب دوراً محورياً في عمليات شراء السلاح وتطوير الصناعات العسكرية.
ومضى التقرير إلى القول إن الشبكة الإخوانية داخل الجيش وجهت جانباً من الدعم العسكري الإيراني إلى مجموعات مسلحة تقاتل إلى جانبه، وفي مقدمتها لواء البراء بن مالك المتطرف، والذي فرضت عليه وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات في سبتمبر 2025، مشيراً إلى أن اللواء تلقى تدريباً وأسلحة من الحرس الثوري الإيراني، وأن عناصره تورطوا في عمليات اعتقال تعسفي وتعذيب وإعدامات ميدانية. ولفت التقرير إلى أن هذه الحلقة تكتسب أهمية خاصة، باعتبارها تتيح لإيران بناء نفوذ لا يعتمد فقط على العلاقة الرسمية مع قيادة الجيش، بل على صلات مباشرة مع فصيل أيديولوجي مسلح داخل التحالف العسكري الحاكم.
ويقول تقرير ((ذا سنتشري فاونديشن))، إن الحوثيين انضموا إلى هذا المسار في منتصف عام 2024، بوصفهم شريكاً أصغر لإيران، قبل أن يتوسع دورهم تدريجياً في عمليات النقل والتدريب والخدمات اللوجستية. ووفق مقابلات أجراها الباحثون مع مسؤولين يمنيين وغربيين وإقليميين، نقل الحوثيون 3 شحنات على الأقل من الأسلحة الصغيرة والخفيفة إلى الجيش السوداني نيابة عن إيران. وكشفت مصادر للتقرير، عن وجود عناصر حوثية في بورتسودان، تستخدم المدينة مركزاً للنقل والتمويل وإدارة الخدمات اللوجستية، مع انتقال الأسلحة والأفراد في الاتجاهين بين الساحل السوداني والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن.
تعاون عسكري
ويذهب التقرير إلى أن العلاقة ربما تجاوزت مرحلة نقل الأسلحة والخدمات اللوجستية إلى التعاون الفني ونقل المعرفة العسكرية. ونقل عن مصادر يمنية وغربية وإقليمية، وأخرى مقيمة في السودان وبورتسودان، قولها، إن الحوثيين أرسلوا مهندسين وعناصر عمليات من ذوي الخبرة للعمل إلى جانب الحرس الثوري الإيراني في تدريب قوات سودانية على تشغيل المسيرات الإيرانية وتصنيعها، لتبرز الطائرة المسيرة السودانية ((سفاروق))، التي كشفت عنها منظومة الصناعات الدفاعية وقدمتها بوصفها مسيرة مصنعة محلياً ودخلت الخدمة بالفعل.
مقارنات
وقارن التقرير فنياً بين المسيرة السودانية ((سفاروق)) والطائرة الإيرانية ((أبابيل-T))، التي يصنعها الحوثيون ويستخدمونها في اليمن تحت اسم ((قاصف-2K))، ليكتشف تطابق شبه كامل في التصميم والأبعاد ونوع المحرك ومواد التصنيع وقدرة الرأس الحربي. ووفق خبراء أسلحة استطلع معدو التقرير آراءهم، يرجح أن تكون ((سفاروق)) نسخة من ((أبابيل-T)).
وأوضح التقرير أن الحوثيين يمتلكون خبرة طويلة في تصنيع هذا النوع من المسيرات باستخدام مكونات يجري شراؤها من الأسواق العالمية، ما يجعلهم من الناحية الفنية مرشحين محتملين لتدريب فصائل سودانية على إنتاجها وتشغيلها. ووفق التقرير فإن التيار الإخواني داخل الجيش يحتاج إلى السلاح والتكنولوجيا والدعم الخارجي للحفاظ على نفوذه داخل التحالف العسكري، في وقت يواجه عقوبات وضغوطاً دولية متزايدة، فيما يحتاج الحوثيون في المقابل إلى ممرات جديدة وآمنة بعدما أصبحت طرق التهريب التقليدية عبر خليج عدن وباب المندب خاضعة لمراقبة واعتراض متزايدين.
روابط تاريخية
وكشف التقرير عن روابط تاريخية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما عاش مؤسس الحركة حسين الحوثي في السودان عدة سنوات، ناقلاً عن مسؤول يمني أن الحوثي أقام خلال تلك الفترة صلات مع السفارة الإيرانية في الخرطوم التي ساعدت في ترتيب سفره إلى إيران، قبل أن يعود إلى اليمن متبنياً رؤية أكثر راديكالية. وتحدثت روايات أوردها التقرير، عن وجود عناصر مرتبطة بالحوثيين في السودان خلال الحروب الست التي خاضتها الميليشا ضد الحكومة اليمنية بين عامي 2004 و2010. وحذر التقرير من أن ارتباط إيران والحوثيين مباشرة بفصيل متطرف داخل المؤسسة العسكرية يمكن أن يعمق الانقسامات داخل الجيش، ويمنح ذلك الفصيل مصادر تسليح وتدريب مستقلة نسبياً عن القيادة الرسمية، لتصبح هذه القدرات، رصيداً حاسماً حال نشوب صراع داخلي بين مكونات التحالف العسكري نفسه، أو إذا تعرضت قيادة الجيش لضغوط خارجية لقطع علاقاتها بإيران والحوثيين. ويلفت التقرير إلى أن ترسيخ وجود حوثي في بورتسودان سيمنح الجماعة موقعاً على الضفة الغربية للبحر الأحمر، ويوفر لها طريق إمداد بديلاً عن المسارات التقليدية الخاضعة للرقابة، ويضع الموانئ السودانية ضمن شبكة صراع إقليمي تمتد من إيران واليمن إلى القرن الأفريقي.
نواقيس خطر
وخلص التقرير إلى أن السودان لم يعد مجرد متلقٍ للسلاح الإيراني، بل ربما يتحول إلى جزء من شبكة أوسع لنقل الأسلحة والأفراد والتكنولوجيا العسكرية عبر البحر الأحمر، مشيراً إلى أن الشحنات المنسوبة إلى الحوثيين، والتحركات البحرية المشبوهة، ووجود عناصرهم في بورتسودان، والتشابه بين مسيرات ((سفاروق)) و((قاصف))، يستحق تحقيقاً دولياً مستقلاً ورقابة أكثر صرامة على الموانئ ومسارات توريد مكونات المسيرات. ويدق التقرير نواقيس الخطر من أن تجاهل المؤشرات الراهنة ربما يسمح للعلاقة بالانتقال من تعاون لوجستي محدود إلى شراكة عسكرية أكثر رسوخاً، يصبح معها السودان مركزاً جديداً في شبكة إيران والحوثيين، وساحة إضافية لصراع إقليمي يهدد بإطالة الحرب الداخلية وتعريض أمن البحر الأحمر لمزيد من الاضطراب.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment