في ظلّ الهجوم على القانون الدولي... هل تستطيع جنيف أن تظلّ حارسة للنظام العالمي؟

(MENAFN- Swissinfo) في وقتٍ تتصاعد فيه النزاعات والاستقطابات، ويتزايد فيه التغاضي عن أحكام القانون الدولي وتقويض سلطته، ترى جهات قانونية وإنسانية متخصصة أن على الدول النهوض بالمسؤوليات المترتبة عليها في حماية القواعد الدولية، والمطالبة بمساءلة من ينتهكها. تم نشر هذا المحتوى على 30 أغسطس 2026 - 09:00 15دقائق سارة تومز
    English en With international law under attack, can Geneva remain a guardian of global order? الأصلي طالع المزيدWith international law under attack, can Geneva remain a guardian of global o Deutsch de Völkerrecht unter Druck: Kann Genf weiterhin als Hüterin der Weltordnung fungieren? طالع المزيدVölkerrecht unter Druck: Kann Genf weiterhin als Hüterin der Weltordnung fungi Français fr Genève restera-t-elle gardienne de l'ordre mondial alors que le droit international est remis en cause? طالع المزيدGenève restera-t-elle gardienne de l'ordre mondial alors que le droit international est remis en c Español es ¿Podrá Ginebra seguir garantizando el orden mundial en plena crisis del derecho internacional? طالع المزيد¿Podrá Ginebra seguir garantizando el orden mundial en plena crisis del derecho internaci

في قصر الأمم، المجمّع الواسع الذي يحتضن مقرّ الأمم المتحدة في جنيف، قدّم 48 من طلاب وطالبات الجامعات من إفريقيا وآسيا وأوروبا والأمريكتين مرافعاتهم، بعد بلوغهم المرحلة النهائية من الدورة الثامنة عشرة لـ”مسابقة نيلسون مانديلا العالمية للمحكمة الصورية لحقوق الإنسان”.

ووجّهت هيئات التحكيم، المؤلفة من شخصيات دولية متخصصة في حقوق الإنسان، ومن أعضاء وعضوات في المهن القانونية والقضائية، أسئلة دقيقة إلى فرق الطلاب والطالبات. وقد ترافع أفرادها بشأن ادعاءاتٍ متبادلة بين دولتين افتراضيتين، كانت علاقاتهما المتوترة تهدّد الاستقرار الإقليمي.

ورغم افتراضيّة النزاع، وصوريّة المحكمة التي جرت أمامها المرافعات، تمثل التحديات الجسيمة واقعًا ملموسًا في ظل المشهد الجيوسياسي الراهن، وما يحمله من تحديات للأجيال الشابة. وهي تحديات يواجهها القانون الدولي وتعددية الأطراف، أي العمل الدولي المشترك عبر المؤسسات والآليات الجماعية، فضلًا عن دور جنيف المضطلعة به في صون النظام العالمي.

ويرى داكش بالاكريشنان، الطالب في السنة الثانية بالمدرسة الوطنية للقانون في الهند، أن مشاركته في الأيام الخمسة من مسابقة المحكمة الصورية التي أُقيمت في منتصف يوليو، جعلته يدرك الصلة الوثيقة بين المرافعات القانونية الافتراضية، والآثار بعيدة المدى للنزاعات الدائرة في غزة وإيران وأوكرانيا والسودان ومناطق أخرى من العالم.

وفي حديثه مع سويس إنفو (Swissinfo) في قصر الأمم، يقول:“اليوم، أصبحت احتمالات العدوان والعدائية أوسع، بعد ميل السنوات القليلة الماضية نحو رؤى قومية أكثر انعزالًا. ومع ذلك، أؤمن بأن إيجاد أرضية مشتركة، وتعزيز التعاون والحوار، كفيلان بمساعدة القانون الدولي على الصمود والاحتفاظ بفاعليته”.


خفض التمويل والهجمات واللامبالاة

لطالما كانت جنيف، التي تحتضن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة التجارة العالمية، وأكثر من أربعين هيئة متعددة الأطراف، ونحو خمسمائة منظمة غير حكومية، مركزًا رئيسيًّا للقانون الدولي.

كما تُعدّ المدينة السويسرية مهد القانون الدولي الإنساني. إذ وُقِّعت فيها اتفاقية جنيف الأولى عام 1864، التي أرست معايير قانونية لحماية الأشخاص في زمن الحرب.

وعقب الدمار الذي خلّفته الحرب العالمية الثانية، التزمت الدول بإقامة نظام دولي مشترك قائم على القواعد. واستنادًا إلى معاهدات سابقة، أرست اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية ركائز قانونية دعمت عمل الأمم المتحدة، وأسهمت في ترسيخ الاستقرار الدولي، ومهّدت لعقود من التنمية.

وأيضًا، يقع في جنيف مقرّ اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجهة الوديعة لاتفاقياتها، أي المؤسسة المُضطلِعة بمهمة صونها وتعزيز احترام أحكامها.

وتنظّم معاهدات القانون الدولي واتفاقياته، مجتمعةً، طيفًا واسعًا من القضايا يمتدّ من الأمن والتجارة إلى البيئة وحقوق الإنسان. ومن أشدّ الانتهاكات خطورة الإبادة الجماعية، والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان.

لكن في الوقت الراهن، أصبح تطبيق هذه الأحكام القانونية جميعها، وضمان امتثال الدول والأطراف المتنازعة لها، والدفاع عن سلطتها، مهامّ أكثر صعوبةً.

ففي السنوات الأخيرة، واجه النظام الدولي تقلّصًا كبيرًا في تمويل الأمم المتحدة، وتراجعًا عامًا عن تعددية الأطراف. كما واجه، فضلًا عن ذلك، هجمات شنّتها قوى كبرى على شرعية المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية في لاهاي.

وفي نزاعات كثيرة، ترى جهات متخصصة انتهاكَ القواعد الدولية أو تجاهلَها علنًا، دونَ مواجهتها اعتراضًا حازمًا أو إجراءات فعلية تُذكر من جانب الدول الأخرى.

وخلال حلقة نقاش أُقيمت على هامش المسابقة بشأن تراجع تعددية الأطراف والتهديد المواجِه للقانون الدولي لحقوق الإنسان، يقول السفير ظهير لاهر، الممثل الدائم لجنوب إفريقيا لدى الأمم المتحدة في جنيف:“تمرّ سيادة القانون باختبار حقيقي. ولا يجوز التعامل معها بوصفها مجموعة قواعد يختار منها المرء ما يلائمه، ويتجاهل ما سواه”.

وقد ألحقت الولايات المتحدة، مُسدِّدة أكبر حصة من الاشتراكات المقرّرة في ميزانية الأمم المتحدة، أضرارًا كبيرة بالمنظمة وبالمنظومة الدولية المُستندة إليها. وذلك من خلال امتناعها عن سداد اشتراكاتها والتزاماتها المالية المستحقة، وسعيها إلى الانسحاب من أكثر من ثلاثين كيانًا تابعًا للأمم المتحدة، منها هيئة الأمم المتحدة للمرأة، ومنظمة الصحة العالمية. كما فاقم تأخّر سداد الصين، وروسيا، ودول أعضاء أخرى اشتراكاتِها، إلى جانب خفض ميزانيات المساعدات الخارجية، الضغوطَ المالية التي تواجهها المنظمة.

المزيد المزيد جنيف الدولية ماذا بعد فقدان الوظيفة في جنيف الدولية؟

تم نشر هذا المحتوى على 17 يوليو 2026 خلال العام الماضي، سُرِّح أكثر من 1،300 من العاملين والعاملات في مجال الإغاثة في جنيف، ويأمل كثيرون منهم في البقاء في سويسرا.

طالع المزيدماذا بعد فقدان الوظيفة في جنيف الد

وقد نالت جنيف الدولية نصيبها من هذه التداعيات. وبوصفها مركزًا للدبلوماسية وتعددية الأطراف من دول ومراكز مثل قطر، والإمارات العربية المتحدة، وكينيا، وعدد من المراكز الآسيوية، تواجه أصلًا منافسة متزايدة.

واستنادًا إلى مسح شمل اثنتي عشرة وكالة وسلطات محلية، أفادت وكالة“رويترز” (Reuters)رابط خارجي في أوائل مايو، بإلغاء أكثر من ثلاثة آلاف وظيفة في الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى مقرّها جنيف، أو نقلها إلى أماكن أقل كلفةً منذ عام 2025. وهو ما يعادل نحو خُمس وظائف الأمم المتحدة في المدينة.

واستجابةً لهذا الانكماش المالي، ولبرنامج التقشّف الذي تنفّذه الأمم المتحدة، وافق البرلمان السويسري على تخصيص 122،6 مليون فرنك سويسري، أي نحو 152 مليون دولار، للفترة من 2026 إلى 2029. وذلك دعمًا لجنيف الدولية، وتحسينًا للبنية التحتية، وتعزيزًا للدبلوماسية متعددة الأطراف. ولدى كانتون جنيف أيضًا خطة دعم بقيمة خمسين مليون فرنك سويسري، بتمويل مشترك مع مؤسسة“هانز ويلسدورف” (Hans Wilsdorf Foundation).

نظام يخضع للتوجيه والتلاعب

يقول جورج أولريخ، المدير الأكاديمي لمنظمة“غلوبال كامبس” (Global Campus) لحقوق الإنسان، وهي شبكة تضمّ أكثر من مئة جامعة تعمل على إعداد الكفاءات المهنية في مجالي حقوق الإنسان والديمقراطية، ليست الخلافات والانتهاكات ظاهرة جديدة في القانون الدولي. لكن يتجه المسار الراهن بعيدًا عن الجهود الرامية إلى تعزيز المعايير القانونية، وترسيخ القدرة على توقّع سلوك الدول، وضمان المساءلة عن الانتهاكات.

ويقول أولريخ لسويس إنفو:“يثير الانطباع بإدارة بعض الأطراف النظامَ القانوني الدولي وتوجيهه، والتلاعب به، وليس لاعتبارات مشروعة دائمًا، قلقًا ينبغي أخذه على محمل الجد”.

ويضيف:“تدفع المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات المتّخِذة من جنيف مقرًّا لها، بالفعل ثمن هذه الانقسامات التي نشهدها”.

وفي مقابلة لها مع سويس إنفو، توضّح كوردولا دروغه، كبيرة المستشارين والمستشارات القانونيين في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إثبات القانون الدولي الإنساني (IHL)، على مدى سنوات، فاعليته في إنقاذ الأرواح. لكن يظلّ إنفاذه صعبًا، ولا سيما عندما تتجاهل الدول والأطراف المعنية أحكامه أو تمتنع عن تنفيذها.

وتقول:“اليوم، أصبحت انتهاكات القانون الدولي الإنساني، التي يرقى بعضها إلى جرائم حرب، تُقابَل بدرجة مقلقة من التساهل أو اللامبالاة. وهذا هو ما ينبغي تغييره”.

وتضيف مشددة:“لا يقتصر ما يفرضه القانون الدولي الإنساني على الدول، على احترام أحكامه نفسها. بل يُلزمها أيضًا بكفالة احترامه في جميع الأحوال، أي باستخدام نفوذها لحمل أطراف النزاعات المسلحة على العودة إلى الامتثال للقانون”.

المزيد المزيد جنيف الدولية بعد 75 عامًا على اعتمادها: اتفاقية اللاجئين تواجه ضغوطًا سياسية متزايدة

تم نشر هذا المحتوى على 29 يوليو 2026 يصادف هذا الأسبوع مرور 75 عامًا على اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة باللاجئين، في وقت تُثير فيه قضايا الهجرة واللجوء انقسامًا متزايدًا.

طالع المزيدبعد 75 عامًا على اعتمادها: اتفاقية اللاجئين تواجه ضغوطًا سياسية مت الاحترام والإصلاح والتجديد

ويرى ماركو ساسّولي، الأستاذ الفخري للقانون الدولي في جامعة جنيف، أن الحفاظ على النظام القانوني الدولي يصبّ في مصلحة الجميع بما في ذلك القوى العظمى. هذا لأن النفوذ، مهما اتسع، يظلّ محدودًا، وقد ينقلب غياب القواعد على الجميع في نهاية المطاف.

وفي مقابلة مصورة له مع سويس إنفو، يؤكد قائلًا:“ينبغي للدول اتّخاذ موقفٍ أكثر حزمًا، وتجنّب ازدواجية المعايير، على وجه الخصوص، لأنها سُمّ يقوّض مصداقية القانون. والأولوية هي ضمان احترام القواعد القائمة”.

وشأنه شأن عدد من الخبراء والخبيرات القانونيين، يشير إلى مواجهة القانون الدولي، رغم أوجه القصور التي تعتريه، صعوبات في احترام قواعده وإنفاذها تعود، في جانب منها، إلى طريقة إنشاء النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية قبل نحو ثمانين عامًا. بما في ذلك حق النقض في مجلس الأمن المتمتِّعة به الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وفرنسا، والمملكة المتحدة.

ويقول:“ستتّفق معظم الدول على حاجتنا إلى نظام جديد. فلا يؤدّي مجلس الأمن وظائفه على النحو المطلوب. وليس تمتُّع هذه الدول بحق النقض من غير العادل فحسب، بل لا تحقق النتائج المنتظرة أيضًا. ولكن كيف يمكن تغيير ذلك؟ تلك هي المعضلة”.

ويضيف:“لذلك، من الأفضل الإبقاء على بنية غير مثالية في إطار القواعد القديمة بدلًا من غياب أيّ بنية على الإطلاق. ومن ثمّ، ينبغي لمن ينتقد النظام توخّي الحذر، وعدم تدميره قبل التمكُن من بناء بديل له”.

ومن خلال مشاركته في المسابقة، يرى طالب القانون الكيني، سيمون موريثي، حاجةَ منظومة الأمم المتحدة إلى التطور والتغيير، بما في ذلك طريقة نظر القوى الكبرى إلى سائر بلدان العالم.

وهو في سنته النهائية بجامعة كينياتا، يقول في حديثه مع سويس إنفو:“ينبغي أن يقوم كل ذلك على النظر إلى هذه البلدان بوصفها دولًا متساوية، لا على أساس المصالح، ولا بحسب حجم المساعدات المقدَّمة، ودون فرض قيود أو ممارسة ضغوط. فإذا لم نتمكن من حماية الكرامة الإنسانية الأساسية، فلن نحرز أيّ تقدّم بوصفنا مجتمعًا دوليًّا”.

وخلال حلقة النقاش التي عُقدت على هامش المسابقة، يشير برتراند رامشاران، محام وأستاذ جامعي أمضى ثلاثين عامًا في العمل لدى الأمم المتحدة، إلى تطلُّب حماية النظام القانوني الدولي اتخاذ مجموعة خطوات متكاملة.

وتشمل هذه الخطوات صون ميثاق الأمم المتحدة وتعزيزه، والنظر في دور مبدأ الإنسانية بوصفه مصدرًا من مصادر القانون الدولي، وتعزيز دور محكمة العدل الدولية وسلطتها، وابتكار سبل جديدة لتمكين تعددية الأطراف من العمل بدعم أغلبية ساحقة، حتى وإن انكفأت القوى الكبرى نحو النزعة الأحادية.

وعقب حلقة النقاش، يقول رامشاران لسويس إنفو:“سيكون إعلان الأمم المتحدة الآن بدء حقبة ثانية للقانون الدولي مفيدًا، بما يتيح للحكومات والشعوب المؤمنة به التعبيرَ عن دعمها له بوضوح”.

ويضيف:“ينبغي أن يكون موقفنا داعمًا لسويسرا في جهودها الرامية إلى صون القانون الدولي. ويمكنها الآن رعاية مسارٍ للتفكير في سبل تعزيزه”.

أما دروغه، فترى اعتماد فاعلية القانون الدولي في المستقبل على عاملين رئيسيين. وتوضّح:“أولًا، يجب ضمان معالجة الأسباب الجذرية للحروب والتغلب عليها؛ فلا تنشأ النزاعات المسلحة من فراغ، وتندلع الحروب حين تفشل السياسة. وثانيًا، يجب أن يجعل القادة في جميع أنحاء العالم، من القانون الدولي الإنساني أولويةً سياسية”.

وتؤكد قائلة:“لا بديل عن عالم يقوم على احترام القانون الدولي، إن أردنا للأجيال المقبلة العيش في أمن، وصحة، وسلام”.

المزيد نقاش يدير/ تدير الحوار: يينغ زانغ مع ظهور تحالفات سياسية واقتصادية جديدة، ما هي الخطط التي يجب أن تتبناها دولة صغيرة مثل سويسرا؟

ديناميكيات الكتل السياسية الدولية أصبحت أكثر تقلبًا من أي وقت مضى، وأصبح التنقل بينها أكثر تعقيدًا.

شارك في الح 11 مارس 2025 3 تعليق عرض الم

تحرير: فيرجيني مانجان

ترجمة: جيلان ندا

مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي

التدقيق اللغوي: لمياء الواد

MENAFN30082026000210011054ID1111597192

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث