مذكرات المهمّشين: يوميات اللصوص والفقراء والمنسيين

(MENAFN- Amman Net) لا أحد يمكن له الجزم بالأسباب الكاملة التي دعت أحمد البديري الحلاق إلى كتابة يومياته الشهيرة بحوادث دمشق اليومية، فهو لم يكن من طبقة العلماء الكبار، ولا من رجال السلطة، ولا من كتّاب البلاط، ولا من الأعيان التقليديين الذين كانوا يحتكرون كتابة التاريخ، أي إنه فعلياً من فئة هامشية اجتماعياً، لكن الحقيقة الثابتة لدى الباحثين في التاريخ، أن كتابه يكاد يكون أهم وثيقة عن الحياة في دمشق في القرن الثامن عشر!

هذا النموذج في الكتابة لم يختف في تاريخنا الثقافي المعاصر، وهو يكشف عن طبقة كاملة من الكتابة غير المرئية تقريباً، تتمثل في نوعية خاصة من التدوين يمكن تسميتها بمذكرات المهمشين، والحديث هنا يتركز حول نوع من النصوص يكتبه أشخاص تدفعهم الرغبة في تثبيت تجربة شخصية، ونقل الخبرة المكتسبة إلى الآخرين، وربما إحساسهم بأن ثمة عالما يمكن أن يختفي دون أثر، في حال لم يتم توثيقه.

المؤلفات المختارة لتمثيل هذا النمط، نُشر بعضها قبل عقود، أي لم تبق مخطوطة كما حدث في حالة البديري الحلاق الذي اكتُشف كتابه بالمصادفة، لكنها اختفت من مساحة اهتمام القراء، تبعاً لتوجه المزاج العام الذي يلحق بالقضايا الكبرى، وبحكم مركزية النماذج المعترف بها من قبل سلطة الإعلام والنقد.

نصوص يكتبها أشخاص مجهولون ولا ينتمون إلى المشهد الثقافي

ربما يمكن اعتبار المؤلفات التي يعمل عليها الباحث المصري عمرو شقرة ويعيد نشرها ضمن سلسلة "روزنامة مصرية" الصادرة عن دار المصري للنشر والتوزيع، النموذج الأهم في وقتنا الحالي، حيث استطاع بعد بحث في أسواق الكتب القديمة، في غير بلد عربي، استخراج مواد منسية من الصحافة القديمة والكتيبات الشعبية، وإعادة تقديمها بوصفها وثائق ثقافية واجتماعية، فنشر حوالي عشرة عناوين من مذكرات المهمشين مثل: كتاب "أسرار النشالين" الذي دوّنه رئيس فرقة البوليس السري المعنية بضبط النشالين بمحافظة مصر (كما ورد في عنوانه)، وأيضاً "مذكرات سنكوح" للكاتب محمد إبراهيم حسين، و"مذكرات حلاق للسيدات" و"مذكرات سائق تاكسي" لمؤلفين مجهولين و"رحلة مصري إلى فلسطين ولبنان وسورية" لعبد المؤمن كامل الحكيم، "أسرار الخُط معي: مذكرات قائد فرقة الموت المكلفة بالقبض على الخط" بقلم محمد هلال، و"من يوميات محام" لعبده حسن الزيات، إضافةً إلى مذكرات أخرى جرى نشرها ضمن السلسلة ذاتها، لكن أصحابها أشخاص معروفون، وبما يجعلها مختلفةً عما سبقها.

مؤلفو هذه المذكرات أرادوا أن تُقرأ وحسب. ولهذا فإنها تختلف عن تلك التي كتبها أدباء معروفون وتناولوا فيها حياة الفقراء والمنبوذين والمشردين والسجناء، مثل رواية "رسائل من تحت الأرض" لدوستويفسكي، أو "أهل الهاوية" لجاك لندن، أو "متشرداً في باريس ولندن" لجورج أورويل، فهذه الأعمال دخلت إلى الكتابة وهي واعية لموقعها داخل الحقل الثقافي، ومكتوبة لتُناقش وتُقيَّم بوصفها أدباً.

غير أن هذه المعادلة لا تنطبق على كل ما يكتب هنا، إذ ثمة استثناءات تحولت فيها كتابة المهمش إلى عمل أدبي، ومن بين هذه الحالات نتذكر أولى أعمال الأديب الفرنسي جان جينيه، الذي كان ابن الظل الاجتماعي، وانحاز له خلال حياته وأعماله، وأيضاً تجربة الكاتب المغربي محمد شكري ولاسيما كتابه "الخبز الحافي" الذي أدخله عالم الأدب من بابه الواسع.

المذكرات التي نتحدث عنها هنا ظلت غير مرئية إلى حد كبير، ولا يبدو أننا نحتاج إلى معالجتها من خلال المعايير نفسها التي تُقاس بها أدبية الرواية أو السيرة الأدبية، فهي تبنى وفق اختيار كاتبها، وهو يحاول نقلها من تجربته إلى الورق، حتى أن بعضها لا يخرج عن سرد وقائع تجري على الأرض دون تنقيح كما في كتاب "أسرار الخط معي" لمحمد هلال، الذي يفتتحه من ذروة اجتماع رجالات الدولة والأمن بناء على حدث جلل، يشكل تمهيداً لتكليفه بملاحقة المجرم، روع المصريين في الأرياف البعيدة.

تأخذنا نصوص المهمشين إلى استنتاج أن الهامشية ليست صفة اجتماعية فقط، بل صفة كتابية أيضاً. فهناك مهن وتجارب وحيوات لا تُرى بوصفها مادةً أدبيةً أصلاً، وعندما يكتب أحد أصحابها عن نفسه مباشرةً، فإن النص غالباً ما يُعامل بوصفه مادةً طريفةً أو وثيقة جانبية أو حكاية غريبة، وليس بوصفه كتابةً تستحق الانتباه النقدي التقليدي، وهذا ما يحصل حين نستغرق في تتبع طقوس عمل "البلطجية" وأساليبهم في مصر التي يرويها كتاب "أسرار النشالين، لمؤلفه أليكسندر بورخرانو، 2026.

كما أن بعض هذه النصوص ظل مجهولاً أو مغموراً حتى بعد طباعته. وهناك حالات أشار إليها باحثون مثل عمرو شقرة توحي بأن بعض هذه المذكرات ربما لم يكتبها أصحابها الحقيقيون بالكامل، بل هناك احتمال أن هناك من تدخل في صياغتها، حيث يرجح أن كتاب "مذكرات سائق تكسي" (2026) المنسوب لشخص يرمز له بـ (م. ك.أ) إنما هو من تأليف الصحافي مصطفى القشاشي، حيث تفاصيل المذكرات هي أقرب لعمله في الفضاء السياسي المصري، وهذه الفكرة بدورها تفتح باباً معقداً حول مسألة الأصالة والتمثيل: هل المهم هو هوية الكاتب الفعلية، أم طبيعة الصوت الذي يقدمه النص؟

ومع ذلك، فإن هذه الشكوك لا تلغي القيمة الأساسية لهذه المواد، لأنها تكشف في كل الأحوال عن رغبة المجتمع في سماع مثل هذه الأصوات، رغم غرابة موضوعاتها أحياناً، مثلما الحال في كتاب "مذكرات حلاق للسيدات" (2026) التي يشير مؤلّفها المجهول أيضاً إلى أن إعجابه بفكرة اقترحتها عليه سيدة محترمة، تتمثل بنشر الغرائب والعجائب والمعلومات التي وقفت عليها من أحاديث بعض المترددات على أحد صالونات النساء خلال فترة تتجاوز العشر سنوات.

لم تجمع المذكرات المنشورة في سلسلة "روزنامة مصرية" من مصر فحسب، إنما سافر شقرة إلى لبنان والسودان والأردن للحصول على بعض النصوص، التي أعيدت صياغتها دون التدخل في الأسلوب إلا في حدود دنيا، تطلبها تشذيب القليل من العبارات، ومنها "مذكرات عصبجي" (علي أبو الحسن ومحمود كامل فريد، 2026)، التي تستعرض يوميات أحد الفتوات كما يسمون في الدارجة المصرية بالإشارة إلى فئة من الناس تفرض سطوتها على الحارات والأحياء الشعبية التي تقطنها، وهم لا يسكتون على الأفعال الشائنة مهما كلفهم الأمر، وهم يتمتعون غالباً بالفطنة والبداهة.

MENAFN01062026000209011053ID1111192378

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث