تهديد قوي من الذكاء الاصطناعي للشركات العملاقة بقطاع الاستشارات

(MENAFN- Al-Bayan) إليشيفا كيسين
عندما قرأ مارك بانكر عن مؤسسي سلسلة مطاعم وجبات سريعة بريطانية حققوا ثروة طائلة بعد صفقة استثمارية خاصة شعر بشيء من الحسد.

كان بانكر شريكاً استشارياً أول في شركة ديلويت، وكان على قناعة تامة أن إطلاق شركة استشارية جديدة قادرة على منافسة الشركات العملاقة القائمة أمر مستحيل، لأن الحجم كان هو كل شيء تقريباً في مجال الاستشارات.

ومع ذلك كان المشهد يتغير، فقد بدأ الذكاء الاصطناعي في تقويض المزايا، التي حمت اللاعبين الرئيسيين لعقود، وانتشرت تقارير عن مغادرة شركاء من الشركات الأربع الكبرى لتأسيس شركات استشارية متخصصة في الذكاء الاصطناعي مدعومة برأس مال خاص.

وانضم إليهم بانكر، خلال غداء في مجلس العموم مع صديق قديم من إمبريال كوليدج لندن، وضع خطة لتأسيس شركة ((كوينز تاور أدفايزوري))، التي سُميت تيمناً بمعلم بارز في الجامعة، وكان تركيز الشركة على وكلاء الذكاء الاصطناعي لدعم العاملين البشريين، وقد قام بتعيين شريك كبير من شركة إرنست ويونغ رئيساً لمجلس الإدارة.

وتُعدّ شركة كوينز تاور واحدة من مجموعة متنامية من شركات الاستشارات، التي انطلقت في المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة، والتي تطمح إلى منافسة المؤسسات الاستشارية التقليدية.

ويمكّن الذكاء الاصطناعي بالفعل الشركات الصغيرة من التوسع بشكل ملحوظ، وأصبحت شركات الأسهم الخاصة، وغيرها من الجهات الداعمة أكثر استعداداً لتمويلها.

ولعقود طويلة هيمنت على قطاع الاستشارات حفنة من الشركات العملاقة، بدءاً من بيوت الاستراتيجية المرموقة مثل ماكينزي، وبين، ومجموعة بوسطن الاستشارية (BCG)، وصولاً إلى أذرع الاستشارات التابعة للشركات الأربع الكبرى - ديلويت، وإرنست ويونغ، وكي بي إم جي، وبي دبليو سي - وعمالقة التكنولوجيا التنفيذية مثل أكسنتشر، وتضم كل شركة منها جيوشاً من الاستشاريين المبتدئين القادرين على العمل في مشاريع ضخمة عبر مناطق جغرافية متعددة، لكن الذكاء الاصطناعي بدأ في تفكيك هذه الهيمنة، فاتحاً الباب أمام منافسين ممولين تمويلاً جيداً، حيث تُجرّد هذه التقنية الشركات القائمة من ميزتها الرئيسية: الحجم.

ومع تزايد أداء بعض الوظائف بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي بات بإمكان الشركات الصغيرة تولي مشاريع بحجم كان من المستحيل تنفيذه سابقاً.

تشير تقديرات جمعية الاستشارات الإدارية (MCA) إلى أن الشركات الصغيرة تشهد معدلات نمو تصل إلى 50 % بفضل الذكاء الاصطناعي، الذي يساعدها على منافسة الشركات الكبرى.

ويقول بانكر، إن الذكاء الاصطناعي قد ((خفّض حاجز الدخول إلى السوق، فقد تضم منصتك 20 موظفاً، لكن مع عامل التضخيم الذي يوفره الذكاء الاصطناعي، ستجد نفسك فجأة أمام 100 أو 150 موظفاً، في وقت قصير جداً.

وقد أحدث ذلك تأثيراً كبيراً في السوق بسرعة كبيرة)). ويهدف بانكر إلى بناء فرق عمل تتكون من 20 % من البشر و80 % من وكلاء الذكاء الاصطناعي.

وقد تزامن هذا التحول مع ازدياد اهتمام شركات الأسهم الخاصة بشركات الخدمات المهنية النامية، فقد خصصت أكبر مجموعة رأس مال خاص في أوروبا أكثر من 500 مليون يورو لتأسيس شركة الاستشارات الضريبية ((دبليو تي إس))، التي تهدف إلى توظيف 100 شريك في غضون خمس سنوات، ومنافسة شركات المحاسبة الأربع الكبرى مباشرة.

في السابق كانت معظم شركات الاستشارات الجديدة تواجه سنوات من النمو العضوي البطيء قبل أن تتمكن من الحصول على رأس مال من طرح عام أولي، يساعدها على تحقيق الحجم اللازم لمنافسة الشركات القائمة.

وتواجه الشركات الكبرى الآن ضغوطاً لإعادة صياغة استراتيجياتها المتعلقة بالقوى العاملة، وقد بدأت في بعض الحالات بتسريح آلاف الموظفين، وقد انخفض عدد موظفي شركة برايس ووترهاوس كوبرز عالمياً بمقدار 5600 موظف العام الماضي، على الرغم من أن الشركات تعزو هذه التحركات عموماً إلى الظروف الاقتصادية، وعمليات إعادة الهيكلة الروتينية.

ويخشى المستثمرون أن تكون الشركات التي تتصل عبر مراكز خارجية ضخمة وتؤدي مهاماً معرفية روتينية أكثر عرضة للخطر؛ فقد شهدت شركة أكسنتشر، إحدى شركات الاستشارات القليلة المدرجة في البورصة، والتي تضم ما يقرب من 800 ألف موظف، انخفاضاً في سعر سهمها بأكثر من 50 % منذ ذروته في أواخر عام 2021، ما قلل قيمتها السوقية من أكثر من 260 مليار دولار إلى حوالي 108 مليارات دولار.

وتدرك شركات الاستشارات الكبرى بسرعة حجم التحدي الذي ينتظرها، ولذلك تقول ليزا فيرنيهوف، رئيسة قسم الاستشارات في شركة ((كي بي إم جي)) بالمملكة المتحدة: ((أريد لهذه المؤسسة - لنا - أن تبقى قائمة، أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يُحدث هذا التغيير الجذري، وإذا لم نتغير فسيُفرض علينا هذا التغيير نفسه بكل قوة)).

ويُقرّ رواد التغيير بأن هذا التوجه الذي يجسدونه لا يزال في بداياته.

وتقول ماريسا توماس، الرئيسة التنفيذية السابقة للعمليات في شركة PwC بالمملكة المتحدة، والتي أسهمت في إطلاق شركة ((يونيتي أدفايزوري)) الناشئة: ((نحن في بداية هذا التحول، لكن وتيرته بدأت تتسارع))، وهم على قناعة كبيرة بأن رهانهم سيؤتي ثماره لأن الذكاء الاصطناعي يُقوّض أسس نموذج الاستشارات التقليدي من ثلاثة جوانب: اعتماده التاريخي على الاستشاريين ذوي الخبرة العامة، ونموذج الفوترة، وهيكل التوظيف الهرمي.

يقول توم شيف، رئيس عمليات أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ في شركة رايان للاستشارات الضريبية: ((الشركات التي ستنجح في عالم الذكاء الاصطناعي ستكون تلك الشركات المتخصصة للغاية، وليست تلك التي تقدم خدمات عامة))، لذلك يتعين على الشركات الكبرى بناء فرق عمل، تتمتع بخبرة عميقة في الصناعة والمجال، وتقليص عدد الموظفين ذوي الخبرة العامة لديها - وهو جهد بدأ منذ سنوات في بعض البلدان.

وتُظهر إحصاءات جمعية ماكينزي للمحاسبة (MCA) أن الشركات الأعضاء فيها وظّفت 25 % من ذوي الخبرة أكثر العام الماضي.

من جانبها تصر الشركات القائمة على قدرتها على الاحتفاظ بمكانتها في قمة الهرم، وتؤكد هذه الشركات أن الشركات التي تواجه تحديات التشرذم الجيوسياسي، واضطرابات سلاسل التوريد، وتبني الذكاء الاصطناعي، لا تزال بحاجة إلى خبرات خارجية - إذ تقول شركة بوسطن كونسلتينج جروب، إن 40 % من إيراداتها تأتي من أعمالها التي تركز على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.

وكما تقول شركات المحاسبة الأربع الكبرى قد تجاوزت سابقاً التحديات، التي أحدثها صعود عملاقي الاستشارات الهندية، إنفوسيس وتاتا للخدمات الاستشارية، في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، وتحتفظ هذه الشركات بميزة هائلة: المال، فقد استثمرت مليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي.

صحيح أن هذا الاستثمار لا يخلو من المشاكل - كسلسلة من الاختراقات لأنظمة إدارة التعلم ذات الأمن السيبراني الضعيف، وحالات التشويه العلني المحرجة للذكاء الاصطناعي - إلا أنها ترى أنه سيؤتي ثماره، كما تتيح لها شبكاتها العالمية تبادل الخبرات عبر مختلف المناطق والقطاعات.

وقد اتخذت ماكينزي نهجاً مختلفاً، حيث أقامت تحالفات مع شركات التكنولوجيا بدلاً من إنفاق رأس المال على بناء كل شيء داخلياً، وأصبحت هذه التحالفات أساسية في استراتيجية شركات الاستشارات الكبرى للفوز بالصفقات، وفقاً لشركة سورس جلوبال ريسيرش، التي وجدت في استطلاع رأي أجرته مع كبرى شركات الاستشارات أنهم يرغبون في الوصول إلى خبرات مزودي التكنولوجيا المتخصصين.

وتكمن المشكلة في أن شركات التكنولوجيا الكبرى تدرك ذلك أيضاً، فشركتا ((أوبن ايه آي)) و((أنثروبيك)) تتخذان خطوات جادة، للاستحواذ على سوق بيع أدوات الذكاء الاصطناعي للشركات، وهو سوق مربح بشكل متزايد، متجاوزتين بذلك شركات الاستشارات.

MENAFN28052026000110011019ID1111181299

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث