أزمة السكن والهواتف الذكية.. ثنائية تُسرّع الانهيار الديموغرافي عالمياً
يكتسب الانهيار الديموغرافي الذي بات يُميّز عصرنا زخماً متزايداً، ويتسع نطاقه يوماً بعد يوم. ففي أكثر من ثلثي دول العالم البالغ عددها 195 دولة، انخفض متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم كل امرأة إلى ما دون ((معدل الإحلال)) البالغ 2.1، والذي يُحافظ على استقرار عدد السكان دون هجرة.
وفي 66 دولة، أصبح المتوسط الآن أقرب إلى طفل واحد منه إلى طفلين. وفي بعض الدول، يُعدّ العدد الأكثر شيوعاً للأطفال الذين تنجبهم كل امرأة صفراً. والمعضلة الكبرى أن سرعة هذا التراجع ونطاقه يفوقان التوقعات. فقبل خمس سنوات فقط، توقعت الأمم المتحدة أن يصل عدد المواليد في كوريا الجنوبية إلى 350 ألف مولود في عام 2023. لكن تبين أن هذا التقدير مُبالغاً فيه بنسبة تقارب 50 %، حيث بلغ العدد الحقيقي 230 ألف مولود.
وبينما كانت الدول ذات الدخل المرتفع والمتوسط تعاني من التراجع الديموغرافي منذ أكثر من نصف قرن، فقد تسارعت هذه الظاهرة بشكل ملحوظ خلال السنوات العشر الماضية. ويشير تحليل البيانات، بدءاً من سجلات السكان وصولاً إلى عمليات البحث على جوجل، إلى أنه رغم وجود عوامل عديدة تسهم في انخفاض معدلات المواليد، إلا أن الانخفاض الأخير بات يبدو أكثر ارتباطاً باستخدامنا للتكنولوجيا.
ولا يحتاج المرء إلى أن يكون إيلون ماسك، الذي يرى أن انخفاض معدلات المواليد يُمثل ((أكبر خطر على الحضارة))، ليدرك كيف يُمكن أن يُفاقم بالفعل العديد من المُشكلات الاجتماعية والاقتصادية في العالم.
وخلال العقود الماضية، انخفض معدل الخصوبة العالمي لأن الأزواج كانوا يُنجبون عدداً أقل من الأطفال. أما الآن، فالسبب الرئيس هو انخفاض عدد الأزواج أنفسهم. وتُظهر دراسة رائدة أجراها عالم الديموغرافيا ستيفن شو أن عدد الأطفال الذين تنجبهم الأمهات في الولايات المتحدة ومعظم الدول ذات الدخل المرتفع مستقر أو حتى في ازدياد. لكن نسبة النساء اللاتي يُنجبن انخفضت بشكل حاد خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.
وفي العديد من الدول الغنية، بما فيها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، كان السكن عائقاً رئيساً أمام تكوين الأسر في العقود الأخيرة. ووفقاً لتحليل لفاينانشال تايمز، يُعزى نحو نصف انخفاض معدلات الخصوبة في تلك الدول منذ تسعينيات القرن الماضي إلى انخفاض ملكية المنازل وارتفاع نسبة الشباب الذين يعيشون مع والديهم. ويُشكل غياب السكن الدائم عائقاً أمام الالتزامات طويلة الأجل الأخرى.
لكن هذا لا يُفسر كلياً الانخفاض الحاد الأخير أو نطاقه العالمي. ففي منطقة الشمال الأوروبي، على سبيل المثال، انخفض معدل الخصوبة رغم الاستقرار الاقتصادي وارتفاع عدد الشباب الذين يعيشون بمفردهم، بدلاً من العيش مع الأهل أو زملاء السكن.
كذلك، لا تقدم العوامل الاقتصادية الأخرى تفسيراً قاطعاً. فقد حدث التراجع الديموغرافي الأخير في بلدان تضررت بشدة من الأزمة المالية العالمية، وكذلك في بلدان لم تتأثر بها تقريباً، وفي كل من أوروبا الغربية بطيئة النمو والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا سريعي النمو.
ولأن الباحثين لم يكونوا مقتنعين تماماً بالتفسيرات الاقتصادية البحتة، فقد بدأوا يُشيرون إلى مُسبب جديد، ألا وهو الأجهزة والمنصات الرقمية التي تلعب الآن دوراً بالغ الأهمية في حياة الشباب حول العالم. ونشر ناثان هدسون وهيرنان موسكوسو بويدو من جامعة سينسيناتي ورقة بحثية الشهر الماضي، تناولت مدى تأثر معدلات المواليد بانتشار شبكات الجيل الرابع للهواتف المحمولة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
وأكدت الورقة البحثية أن عدد المواليد انخفض أولاً وبوتيرة أسرع في المناطق التي حظيت باتصال سريع بشبكة الهاتف المحمول في وقت مبكر. ويرى الباحثون أن الهواتف الذكية غيّرت جذرياً طريقة تواصل الشباب، ما قلّل بشكل حاد من التفاعلات الاجتماعية المباشرة وأدى إلى انخفاض حاد في معدلات الخصوبة. وتشير أبحاث صحيفة فايننشال تايمز إلى أن هذا الاتجاه نفسه قد أثّر في دول أخرى. فعلى سبيل المثال، كانت معدلات المواليد للشباب في الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا مستقرة إلى حد كبير خلال أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، لكنها بدأت بالانخفاض بشكل ملحوظ منذ عام 2007. وبدأ الانخفاض نفسه في فرنسا وبولندا حوالي عام 2009، وفي المكسيك والمغرب وإندونيسيا حوالي عام 2012. أما الانخفاضات التدريجية في معدلات الخصوبة في غانا ونيجيريا والسنغال فقد تحولت إلى انخفاضات حادة بين عامي 2013 و2015.
ويقول عالم الديموغرافيا ليمان ستون: ((يتطلب العثور على شريك الحياة المناسب التعامل مع عدد كبير من الأشخاص. وكلما قلّ تواصلك الاجتماعي، زاد الوقت اللازم للعثور على شريك مناسب. وإذا كنت تقضي وقتك على إنستغرام، فستكون معاييرك مرتبطة بمفهوم مصطنع وليس طبيعياً)).
واستناداً للبيانات، فقد شهدت منطقة الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية انخفاضات حادة في معدلات المواليد خلال العقد الماضي. ووجدت دراسة حديثة أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كان له تأثيره الواضح في انخفاض الخصوبة في أفريقيا جنوب الصحراء. وفي جنوب آسيا، حيث يكون وصول النساء إلى الإنترنت محدوداً في كثير من الأحيان، يقل عدد العازبات. وتشير بعض الدراسات إلى ما يطلق عليه ((القفزة الثقافية))، حيث يحفز إنستغرام وتيك توك الشابات حول العالم على تجاوز السلطات التقليدية. ويرفعان توقعاتهن بطريقة لا يكون نظراؤهن من الرجال مستعدين لها في كثير من الأحيان.
وفي الواقع، لا تعد النظريات حول تأثير تقنيات الإعلام الجديد في العلاقات والخصوبة جديدة. ففي عام 2001، وجد الباحثان روبرت هورنيك وإميل ماكاناني أن هناك ارتباطاً أقوى بين انخفاض معدلات المواليد وامتلاك أجهزة التلفزيون.
وبعد عقد من الزمن، وجدت دراسة أجرتها إليانا لا فيرارا أن كثرة مشاهدة المسلسلات التلفزيونية التي تعلي من شأن الأسر الصغيرة، تحفز النساء على إنجاب عدد أقل من الأطفال.
وبالنظر إلى أن استخدام الهواتف الذكية أكثر كثافةً وأكثر انعزالاً من مشاهدة التلفزيون، فقد تكون التأثيرات أكبر بكثير. لكن ما الذي يجب فعله لمواجهة الاتجاهات المتأصلة بعمق في أنماط الحياة الحديثة؟
والأمر الأهم هو أن انخفاض معدلات المواليد يبدو جزءاً من ظاهرة أوسع نطاقاً تتمثل في عزوبية الشباب، وعزلتهم، وتدهور صحتهم النفسية. ونظراً للارتباط المحتمل بالتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن أفضل أمل لعكس هذا الاتجاه قد يكون العمل على استهداف تغيير عاداتنا الرقمية، سواء من خلال تحولات ثقافية أو تنظيم حكومي.
وفي كل الأحوال، لا بدّ من الإقرار بميل الأجيال الجديدة للابتعاد عن إنجاب الأطفال. ولذلك، فإن مهمة جمع جيل منقسم ومحبط هي بلا شك تحدي العصر.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment