هل يدفعنا التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي للتحول إلى الحرف القديمة؟
كان أول لوح تقطيع لي رخيص الثمن، اشتريته حسب ما أتذكر من إيكيا. أما آخر لوح اشتريته، فكان من صناعة نجار محلي قابلته في معرض للحرف اليدوية. حينها أعطاني بطاقة عليها بيانات الاتصال به، حتى أتمكن من زيارة ورشته إذا واجهت أي مشكلة مع لوح التقطيع، أو إذا احتجت إلى إعادة صنفرته.
الهدف من هذه القصة أنها تُلخِّص وجهة نظر حول كيفية تغيير الذكاء الاصطناعي والأتمتة لعالم العمل. وقد عبّر عن هذه الرؤية الشهر الماضي الخبير الاقتصادي أليكس إيماس، الذي عُيِّن مؤخراً ((مديراً لاقتصاديات الذكاء الاصطناعي العام)) في((جوجل ديب مايند)). ففي مقال بعنوان ((ما الذي سيصبح نادراً؟))، عبر عن رأي يقول إنه حتى في سيناريو يُمكن فيه للذكاء الاصطناعي المتقدم والأتمتة أن يُنتجا يوماً ما معظم السلع والخدمات بتكلفة أقل من البشر، فإن الطلب على العمل البشري لن يختفي بالضرورة.
بدلاً من ذلك، فإنه مع ازدياد ثراء الناس، سيرغبون في إنفاق المزيد من أموالهم على ((ذلك الجزء من الاقتصاد الذي يعتمد بشكل كبير على العنصر البشري، ويتميز بأصالة مصادره، وأحياناً على الحرف اليدوية، حيث يمثل الجانب البشري جزءاً من قيمة السلعة أو الخدمة نفسها)). بعبارة أخرى، قد يحولنا الذكاء الاصطناعي جميعاً إلى أشخاص باحثين عن الأشياء المميزة أو النادرة.
ومن الواضح أن الأثرياء يميلون إلى إنفاق المزيد من أموالهم على الأشياء التي تتطلب جهداً بشرياً كبيراً بطبيعتها - كمدرب شخصي بدلاً من حصة رياضية تضم 20 شخصاً، أو لوحة فنية بدلاً من ملصق يُنتج بكميات كبيرة. وهذا سبب وجيه إلى حد ما للتشكيك في فكرة أن الأتمتة ستحل يوماً ما محل كل الطلب على العمل البشري وتخلق في النهاية ((عالماً بلا عمل)).
وهناك في الوقت نفسه بعض التحفظات الكبيرة على فكرة أننا قد نصنع جميعاً يوماً ما لوحات وألواح تقطيع لبعضنا البعض. أولها يتعلق بالتوزيع، لأنه إذا لم تُوزّع مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الأتمتة على نطاق واسع، وتركزت في أيدي فئة قليلة نسبياً في القمة، فقد يجد عدد كبير من الناس أنفسهم يتنافسون على إرضاء هذه النخبة بطرق كثيفة العمالة. وغني عن القول، إن هذا السيناريو يبدو أقل مثالية بكثير من سيناريو نتسوق فيه جميعاً في أسواق الحرف اليدوية.
المسألة الثانية تتعلق بالشفافية. ففي المجال الإبداعي، من الواضح أن معظم الناس يُقدّرون الفن والموسيقى والكتابة التي يصنعها الإنسان أكثر من تلك التي تُنتجها تقنيات الذكاء الاصطناعي. وفي إحدى التجارب، تنافس المشاركون على مطبوعات فنية تباينت عشوائياً في مستوى ونوع تدخل الذكاء الاصطناعي فيها. وخلصت الدراسة إلى أنه ((حتى الكميات الضئيلة من تدخل الذكاء الاصطناعي كانت كافية لتقليل قيمة العمل الفني بشكل كبير مقارنةً بالحالة التي شارك فيها فنان بشري)).
وهناك مشكلة رئيسة تكمن في أن الكثير من الناس لا يُجيدون التمييز. فقد أظهرت دراسة بحثية أخرى أنه عندما عرضت على الناس نماذج من رسائل مكتوبة بواسطة الذكاء الاصطناعي، فقد تركت آثاراً سلبية قوية على الانطباعات الاجتماعية، ولكن عندما لم يُسلّط الضوء على استخدام الذكاء الاصطناعي، لم يُبدِ المتلقون أي شكوك.
ويُشكّل هذا خطراً يتمثل في استمرار طغيان المنافسين الآليين على ((الحرفيين)) الحقيقيين، على الرغم من وجود طلب حقيقي من المستهلكين على منتجاتهم. لذلك، من المأمول أن تتطور حلول تقنية للتعامل مع هذه المشكلة. وعلى سبيل المثال، فقد ابتكر البروفيسور بن تشاو من جامعة شيكاغو أداة جديدة قادرة على كشف ما إذا كانت الأغنية مُؤلّفة بواسطة الذكاء الاصطناعي. لكن في مجال الكتابة، لا تزال أدوات كشف الذكاء الاصطناعي غير فعالة تماماً.
وقد تكون هناك حلول سلوكية أيضاً. لذلك، من المرجح أن يزداد الطلب على العروض الموسيقية الحية، على سبيل المثال. وقد أجريتُ مقابلات مع رسامين بدأوا إنتاج فيديوهات لعملائهم تشرح عملية إبداعهم. كذلك، بدأ بعض الكُتّاب تغيير اللغة التي يستخدمونها في محاولة لخلق نوع من التباعد بين أعمالهم وأعمال المبرمجين.
وقد فعلتُ ذلك بنفسي مؤخراً. فقد انتهيتُ للتو من كتابة كتاب، وفجأةً، توقفت عند إحدى الجمل التي كتبتها منذ فترة - جملة مُتقنة الصياغة كنتُ فخورة بها لكن وجدتها من ذلك النوع من الصيغ التي تُرددها البرامج اللغوية الضخمة بكثرةٍ مُزعجة. وهكذا، فما كان يبدو لي مُوجزاً وأنيقاً أصبح الآن مُبتذلاً ومُملاً. لذلك، في اللحظة الأخيرة، قررت تغيير هذه الجملة.
هل كان ذلك صائباً؟ ما زلتُ غير متأكدة، لأنه إذا كنا نحن الكُتّاب البشر نُغيّر أعمالنا بالفعل لنُفسح المجال للآلات التي تُحاول مُحاكاتنا، فأين سيقودنا ذلك؟ قد يكون هناك طلبٌ على المزيد من الحرفيين المهرة في مُستقبلٍ يزداد فيه الاعتماد على الأتمتة، لكن يجب ألا نتوقع أن يعني ذلك حياةً بسيطة بالمرة.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment