المجر بعد أوربان.. من المشاكسة المتمرّدة إلى الاصطفاف الحذر
صحيح أن ما حصل انتصار سياسي للاتحاد الأوروبي، لكن الأصح أن إزاحة أوربان لا تعني بالضرورة تفكيك البنية التي بناها، إذ إن شبكات النفوذ التي أنشأها داخل القضاء والإعلام والإدارة لا تزال قائمة، وهو ما قد يفرض على الحكومة الجديدة مساراً انتقالياً طويلاً ومليئاً بالتحديات.
في عهد أوربان، كانت المجر تمثل نقطة تعطيل لآليات الإجماع في الاتحاد الأوروبي، لا سيما في ما يتعلق بالعقوبات على روسيا والمساعدات لأوكرانيا، وقد استخدمت حق الفيتو مراراً لتعطيل قرارات استراتيجية. ومع وصول ماغيار، يراهن الأوروبيون على تفكيك هذه العقدة، ما قد يسمح بتمرير حزم دعم مالية وعسكرية كانت عالقة.
وخلافاً لما ينتظره البعض من انتقال إلى النقيض سياسياً، يبدو الأمر أكثر تعقيداً من مجرد ((عودة المجر إلى الحضن الأوروبي)). فرغم أن رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، وصفت النتيجة بأنها انتصار للقيم الديمقراطية، إلا أن ماغيار نفسه ليس نسخة ليبرالية من الاتحاد الأوروبي، بقدر ما يمثّل تياراً براغماتياً، يحاول التوفيق بين الاعتبارات المجرية الداخلية والالتزامات الأوروبية.
وهذا التوازن ظهر بوضوح في موقفه من أوكرانيا، حيث بدا أكثر انفتاحاً من أوربان، لكنه لا يدعم انضمامها سريعاً إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما أعلنه فور فوزه الانتخابي.
حصان طروادةوبينما من المرجّح ابتعاده عن الخطاب الموالي لموسكو، الذي ميز عهد أوربان، إلا أنه لم يخفِ رفضه لانضمام لأوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وهو موقف يبرّره بالحاجة لحماية القطاعات الاقتصادية المجرية، وبخاصة الزراعية، من المنافسة الأوكرانية.
ويمكن القول إن أوروبا التي ربحت حليفاً أقل تحدّياً لها، لم تربح زعيماً تابعاً. وربما يصح القول إن المجر الجديدة لم تعد ((حصان طروادة)) روسياً، كما كانت توصف في حقبة أوربان، لكن بالمقابل، من المستبعد أن تتحوّل إلى رأس حربة في مواجهة روسيا، مثلما تطمح بعض الرؤوس الحامية في أوروبا، بل ستراعي الحفاظ على قدر من التوازن بين روسيا والغرب.
صحيح أن خروج أوربان قد يفتح الباب لفك الجمود في ملف انضمام أوكرانيا، لكنه لن يؤدي إلى تحول جذري سريع، لأن الحكومة الجديدة ستوازن بين الضغوط الأوروبية والرأي العام الداخلي، حيث أظهرت استطلاعات، أن أغلبية شعبية مجرية، تؤيد تحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، لكنها تبقى متشككة تجاه سياسات الدعم غير المشروط لأوكرانيا.
الشبكة الشعبويةأيّاً يكن من أمر، فإن هزيمة أوربان تُضعف الشبكة الشعبوية التي كانت تمتد من بودابست إلى باريس وروما وواشنطن، وقد تعزز موقع التيار الوسطي داخل الاتحاد، وتعطي قوة دفع لمشاريع التكامل الأوروبي، التي كانت تواجه عراقيل من الداخل. ومع ذلك، يرى البعض أن هذا لا يعني نهاية الشعبوية، بل انتقالها إلى مرحلة أكثر براغماتية وأقل صدامية.
يمكن القول إن أوروبا تدخل مرحلة ((ما بعد أوربان))، لكنها لم تصل بعد إلى ((ما بعد الشعبوية)). كما أن المجر ستتحول من دولة معرقِلة، إلى دولة تفاوضية، وليست مسهّلة تلقائياً، ومن لاعب خارج الإجماع، إلى لاعب داخل الملعب.
هذا التحوّل، رغم أهميته، لن يحسم التحديات الكبرى التي تواجه الاتحاد، لكنه سيغير قواعد اللعبة داخله، من شلل القرار إلى إدارة الخلاف. وهذا يعني أن المرحلة المقبلة لن تكون بالضرورة مرحلة إجماع، بل مرحلة توازنات دقيقة، حيث تتحرك أوروبا بين خياري تسريع التكامل وإدارة التباينات دون انفجارها.
أمريكا وإسرائيلبالنسبة للعلاقة مع الولايات المتحدة، فإن رحيل أوربان يغلق فصلاً من التوتر الحاد مع الإدارات الديمقراطية. ويرى محللون أن ماغيار سيسعى لترميم صورة المجر كعضو موثوق في حلف الناتو، مبتعداً عن سياسة التأرجح بين الشرق والغرب.
فالعلاقة بين أوربان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم تكن مجرد تقارب سياسي عابر، بل كانت جزءاً من اصطفاف أيديولوجي أوسع بين تيارات ((السيادة الوطنية)) واليمين الشعبوي. فأوربان احتفظ بعلاقة وثيقة مع ترامب، حتى بعد خروجه من البيت الأبيض.
وهو ما جعل بودابست قناة غير رسمية لتمرير رؤى أمريكية موازية للسياسة الرسمية في واشنطن، خاصة في ملفات مثل الهجرة، العلاقة مع الصين، وحتى مقاربة الحرب في أوكرانيا. وهذا البعد كان يمنح أوربان هامش مناورة داخل الاتحاد الأوروبي.
كذلك الأمر مع إسرائيل، حيث كانت علاقة أوربان مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، قوية، وتتسم بالثبات، وقد قدّم نفسه كأحد أكثر حلفاء إسرائيل صلابة داخل الاتحاد الأوروبي، وغالباً ما لعب دور الكابح للمواقف الأوروبية المنتقدة لتل أبيب، سواء في ما يتعلق بالاستيطان أو العمليات العسكرية. هذا الدور لم يكن رمزياً، بل عملياً، لأنه استند إلى آلية الإجماع داخل الاتحاد، ما منح المجر قدرة فعلية على تعطيل بيانات أو قرارات أوروبية.
لذلك، لا يُتوقع حدوث انقلاب جذري في علاقة المجر مع إسرائيل، لكنها قد تتحول من تحالف شخصي سياسي وثيق، إلى علاقة مؤسساتية.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment