المسلسلات الكويتية جزء لا يتجزأ من طقوس شهر رمضان

(MENAFN- Al-Anbaa)

مفرح الشمري
تمثل الدراما الكويتية الرمضانية، بثرائها وتنوعها، عمادا أصيلا للثقافة الفنية في الخليج العربي، فعلى مدار خمسة عقود، لم تكن هذه الأعمال مجرد مسلسلات ترفيهية، بل كانت مرآة عاكسة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الكويت، محفورة في الذاكرة الجمعية للمنطقة بأسرها، وفي هذا التقرير نسلط الضوء على أهم ملامح وتميز الدراما الكويتية التي لاتزال تجذب الكثير.
شهدت فترة الستينيات والسبعينيات مرحلة التأسيس الحقيقية لتلفزيون الكويت كمنصة إنتاج درامي، كانت البدايات خجولة ثم سرعان ما تحولت إلى أعمال ذات تأثير هائل، كان الهدف في هذه المرحلة هو تأصيل الهوية المحلية والتراث الشعبي، وهو ما ظهر جليا في الأعمال التي اعتمدت على القصص المستمدة من الموروث.

درب الزلق (1977)
من أبرز الأعمال التي انطلقت في هذه الفترة المبكرة هو المسلسل التراثي «حبابة» في منتصف السبعينيات، هذا العمل، الذي لمعت فيه الراحلة مريم الغضبان، أعاد إحياء الحكايات الشعبية والخرافات في قالب رمضاني محبب للأطفال والكبار على حد سواء، ليصبح جزءا من النوستالجيا الرمضانية.
لكن الأثر الأعمق والأكثر خلودا تحقق عام 1977 مع عرض العمل الذي يعتبر نقطة تحول في تاريخ الكوميديا الخليجية «درب الزلق» هذا المسلسل، من تأليف عبدالأمير التركي وبطولة الثنائي الذي لا ينسى الراحل عبدالحسين عبدالرضا وسعد الفرج، إلى جانب عمالقة مثل الراحل خالد النفيسي والراحل عبدالعزيز النمش، لم يكن مجرد كوميديا عادية، بل كان نقدا اجتماعيا وسياسيا ساخرا، يروي قصة «حسينوه» و«قحطة» بعد أن يغتنيا فجأة، مسلطا الضوء على «الطفرة» النفطية وتأثيرها على القيم والسلوكيات الكويتية بذكاء لاذع.

«إلى أبي وأمي مع التحية» (1979)
وفي المقابل، قدمت الدراما الجادة عملا تربويا فارقا هو «إلى أبي وأمي مع التحية» (1979)، الذي ركز على دور الأسرة في التربية الحديثة، وهو ما رسخ مكانة خالد النفيسي وحياة الفهد كرموز للعائلة الكويتية المثالية على الشاشة.

خرج ولم يعد (1982)
تعتبر فترة الثمانينيات الذروة الفنية في تاريخ الدراما الكويتية، حيث شهدت ازدهارا في الإنتاج وغزارة في الكلاسيكيات التي لاتزال تعرض سنويا. تميزت هذه المرحلة بالجرأة في الكوميديا وتنوع المواضيع الدرامية.
وفي مجال الكوميديا الساخرة، سيطر عملان بارزان هما «خرج ولم يعد» (1982) و«خالتي قماشة» (1983)، اللذان أصبحا أيقونة حقيقية، هذان العملان تناولا سلطة الأم «خالتي قماشة» والحياة التعيسة لـ «مبروكة ومحظوظة». المسلسلان لم يكونا مجرد ضحك، بل كانا تحليلا اجتماعيا لعلاقات السيطرة داخل الأسرة الممتدة والطمع الموجود لدى بعض الاسر.

رقية وسبيكة (1986)
كما شهدت هذه الحقبة توهج ثنائيات نسائية خالدة، أبرزها ثنائي حياة الفهد وسعاد عبدالله قدمتا معا روائع لا تنسى مثل «رقية وسبيكة» (1986)، والذي ناقش بذكاء التباينات السلوكية بين شقيقتين بعد ورثهما ثروة، ومسلسل «على الدنيا السلام» (1987)، الذي قدم كوميديا درامية مؤثرة عن شخصيتين بسيطتين تعيشان في عالم مغاير.

أعمال فانتازيا
ولم تنس هذه الفترة الإبهار البصري، حيث شهدت إنتاج أعمال فانتازيا وضخمة مثل «الجوهرة والصياد» (1985) و«مدينة الرياح» (1988)، التي اعتمدت على التقنيات البصرية آنذاك لتقديم قصص مستوحاة من ألف ليلة وليلة، مخاطبة شريحة واسعة من الجمهور، خاصة الأطفال والشباب في شهر الصوم.

«قاصد خير» (1993)
تزامنت بداية التسعينيات مع ظروف استثنائية عصفت بالمنطقة، مما أثر على وتيرة الإنتاج. ومع عودة الحياة الفنية بعد التحرير، عادت الدراما بقوة لتعالج القضايا الوطنية والاجتماعية المستجدة، وتميزت هذه المرحلة بالعودة المظفرة لكبار النجوم، حيث قدم الراحل عبدالحسين عبدالرضا عمله «قاصد خير» (1993)، الذي جمع بين الڤنتازيا الساخرة والكوميديا ليقدم رؤية نقدية للحالة المجتمعية في تلك الفترة.
كما كان التركيز على الدراما الاجتماعية المعاصرة أكثر وضوحا وتمثل ذلك في مسلسل «القرار الأخير» (1997) لحياة الفهد الذي كان نموذجا للعمل الذي يعالج الصراعات الأسرية والخيانة والقرارات المصيرية المعقدة في زمن التغيير. وفي نهاية العقد، استمرت الأعمال في تناول القضايا الأسرية بعمق مع مسلسلات مثل «دروب الشك» (1999)، مما أكد أن الدراما الكويتية تستخدم شهر رمضان منصة لإثارة النقاش المجتمعي الهادف.

«جرح الزمن» (2001)
مع دخول الألفية، اتجه الإنتاج نحو مزيد من الاحترافية والتقنيات الحديثة، مع زيادة ملحوظة في جرأة الطرح للقضايا الاجتماعية والشبابية انصب الاهتمام على قضايا المرأة والأسرة في مواجهة التحديات الحديثة.
كانت حياة الفهد في طليعة هذه المرحلة بمسلسلها «جرح الزمن» (2001) الذي شكل حالة درامية مؤثرة، ناقش بأسلوب قوي ومباشر التفكك الأسري وتأثير تربية الأبناء على المدى الطويل، والظواهر السلبية التي بدأت تظهر في المجتمع.

«أم البنات» (2009)
وفي أواخر العقد، أحدثت سعاد عبدالله ضجة كبيرة بمسلسل «أم البنات» (2009) هذا المسلسل، الذي شارك فيه جيل جديد من النجوم، ناقش قضية التعليم وحقوق الفتاة في مواجهة الأب المتسلط الذي يرفض خروج بناته للحياة أو استكمال تعليمهن، مما أثار جدلا واسعا في المنطقة وأكد دور الدراما كأداة تغيير وتوعية.

«ساهر الليل» (2010)
كما ظهرت محاولات لتجديد الدراما التراثية بصبغة عصرية، وهو ما نجح فيه مسلسل «ساهر الليل» الذي بدأ عرضه في عام 2010. ورغم أنه بعد نهاية العقد المحدد، إلا أنه يمثل تتويجا لجهود الألفية في إعادة تقديم أجواء الكويت الجميلة في الستينيات والسبعينيات بأسلوب درامي مؤثر، ليحصد إشادة كبيرة بفضل اهتمامه بالتفاصيل البصرية والموسيقية لتلك الحقبة.

إرث لا يزول
يمكن القول ان الأعمال الرمضانية الكويتية مدرسة فنية متكاملة، حيث نجحت في تقديم النقد والترفيه والتعليم في آن واحد، من البساطة التراثية في السبعينيات إلى العمق الاجتماعي في الألفية، وحافظت الدراما الكويتية على ريادتها، وظلت النجومية المطلقة لعمالقتها جزءا لا يتجزأ من طقوس شهر رمضان المبارك في العالم العربي.

MENAFN26022026000130011022ID1110792919

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

آخر الأخبار

البحث