رمضان بلا شاشات هل نستعيد روح الشهر أم نستسلم للإدمان الرقمي؟

(MENAFN- Al-Anbaa)
  • وليد العنزي: التكنولوجيا أداة نفعية وليست غاية ترفيهية مطلقة ترتبط بالاعتدال وعدم الإسراف
  • أحمد الفيلكاوي: قراءة الكتب ورياضة المشي والتواصل مع الأسرة بدائل نافعة عوضاً عن الأجهزة الذكية
  • أحمد بكري: شهر رمضان فرصة لأداء العبادات من صلاة وصيام وقراءة قرآن وقيام الليل بعيداً عن الشاشات
  • مشري المرشود: شهر رمضان وقت روحاني من أهم المحطات السنوية لغسل الذات والعقل والروح

مع أذان المغرب تتبدل الملامح وترفع موائد الإفطار، لكن شيئا واحدا يبقى حاضرا بقوة على الطاولة هو الهواتف الذكية، وشاشات مضيئة تخطف الأبصار قبل أن تمتد الأيدي إلى الطعام ورسائل وتنبيهات لا تنقطع حتى في أكثر لحظات الشهر قدسية، في شهر خصص للسكينة والتأمل وتقوية الروابط الأسرية، فقد تحولت الأجهزة الذكية عند كثيرين من وسيلة للتواصل إلى حاجز صامت يفصل الأفراد عن بعضهم البعض.
ارتأت «الأنباء» استطلاع آراء مختصين وتربويين حول تلك الظاهرة وكيفية الحد منها لتسليط الضوء على الإفراط في استخدام الهواتف والأجهزة الذكية خلال شهر رمضان، والبحث في آثارها الاجتماعية والنفسية، وكيفية استعادة روح الشهر الكريم عبر ترشيد الاستخدام الرقمي دون أن نقطع صلتنا بالعالم بل نعيد ضبطها بما يليق بزمان استثنائي. وإلى التفاصيل:

التكنولوجيا أداة نفعية
بداية، قال أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية في جامعة الكويت د.وليد العنزي لـ«الأنباء» إن شهر رمضان يعد فرصة ذهبية لإعادة ضبط أنماط السلوك والروتين اليومي لدى الأبناء والطلبة، مبينا أن من أبرز القضايا التربوية المعاصرة التي تتطلب معالجة واعية هي قضية الإفراط في استخدام الأجهزة الذكية.
وقال العنزي إن الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية والألعاب الإلكترونية تؤثر سلبا على النوم والتحصيل الدراسي والعلاقات الأسرية، إذا لم يتم تنظيمها بشكل تربوي متوازن، مؤكدا أهمية الإطار التربوي والفكري لاستخدام التقنية في رمضان من خلال ترسيخ مفهوم الاعتدال، وذلك من خلال رؤية أكاديمية عملية قدمها لترشيد الاستخدام وتحويل التكنولوجيا من عامل تشتيت إلى وسيلة بناء وتعلم.
وأضاف أنه يجب غرس مفهوم «الاستخدام المعتدل» لدى الأبناء، بحيث يفهم الطالب أن التكنولوجيا أداة نفعية وليست غاية ترفيهية مطلقة، ويربط هذا المفهوم بالقيم الإسلامية مثل الاعتدال وعدم الإسراف، والتربية بالقدوة، موضحا أن سلوك الوالدين والمعلمين يمثل النموذج الأول، فإذا كان الكبار منضبطين في استخدامهم للأجهزة، فإن الأبناء يقلدونهم تلقائيا، لذلك ينصح بأن يكون الكبار قدوة عملية لا تنظيرا فقط.
وشدد العنزي على ضرورة تعزيز الوعي القيمي وربط استخدام التقنية بالقيم التربوية مثل احترام الوقت، وتحمل المسؤولية، وتجنب المحتوى غير الأخلاقي، وهنا يأتي دور الحوار والنقاش مع الأبناء بدل الأوامر المباشرة، مؤكدا ضرورة تنمية الضبط الذاتي، إذ إن رمضان مدرسة تربوية للسيطرة على الرغبات، ومنها الرغبة في الاستخدام المفرط للأجهزة حيث يتم تدريب الأبناء على التحكم الذاتي ووضع حدود لأنفسهم دون فرض قسري دائم.
من ناحية أخرى، أشار العنزي إلى الآثار السلبية للإفراط في استخدام الأجهزة الذكية ومنها ضعف التركيز والتحصيل الدراسي، حيث إن السهر الطويل أمام الشاشات يؤدي إلى إرهاق ذهني وضعف الانتباه في الدراسة خاصة مع الصيام، واضطراب النوم، موضحا أن الضوء الأزرق وتأخر النوم يؤثران على الصحة الجسدية والنفسية ويقللان من النشاط اليومي، فضلا عن العزلة الاجتماعية، حيث يسهم الاستخدام المفرط في تقليل المشاركة الأسرية والاجتماعية خلال رمضان، وهو شهر التواصل.
وأشار العنزي إلى الإدمان الرقمي حيث قد تتحول الأجهزة إلى عادة قهرية إذا لم يتم ضبطها مبكرا ما يؤثر على شخصية الأبناء مستقبلا، فضلا عن إمكانية التعرض لمحتوى غير تربوي، حيث يكثر المحتوى الترفيهي السطحي في رمضان، ما قد يوجه الأبناء إلى عادات غير إيجابية إذا لم تتم المتابعة الواعية.
من جانب آخر، شدد العنزي على ضرورة التوظيف الإيجابي للتكنولوجيا عن طريق المنصات التعليمية، حيث يمكن استثمار رمضان لتنظيم الدراسة والمراجعة باستخدام تطبيقات تعليمية مفيدة، واستخدام التطبيقات الدينية، ومنها تطبيقات القرآن والأذكار وبرامج المتابعة العبادية التي تعزز الجانب الروحي بطريقة حديثة تناسب الأبناء.
وأضاف: كما يمكن للأبناء استثمار الوقت في تعلم مهارات جديدة مثل اللغات أو البرمجة أو مهارات التفكير وتشجيع متابعة البرامج الهادفة الوثائقية والدينية بدلا من المحتوى الترفيهي غير المفيد وتعزيز التواصل الإيجابي من خلال استخدام التقنية للتواصل مع الأقارب والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية. وتحدث العنزي عن أهمية دور الأسرة في وضع سياسة استخدام واضحة تشمل تحديد نوعية المحتوى والأوقات المسموح بها للأجهزة، وتحديد ساعات خالية من الأجهزة، خصوصا أثناء الإفطار والسحور والتجمعات الأسرية لتعزيز الترابط والمراقبة الإيجابية من خلال المتابعة دون تجسس أو قسوة، مع النقاش والحوار والتوجيه المستمر.

ترشيد استخدام الأجهزة الذكية
بدوره، قال أستاذ تكنولوجيا التعليم في كلية التربية الأساسية بالهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب د.أحمد الفيلكاوي لـ «الأنباء» إن شهر رمضان لا يختزل في شاشة، مشددا على أهمية ترشيد استخدام الأجهزة الذكية في شهر رمضان المبارك ليربح الإنسان الوقت والسكينة معا.
وأضاف الفيلكاوي «إن شهر رمضان يأتي كل عام كفرصة نادرة لإعادة ترتيب الحياة من الداخل منها العبادة أولا ثم العائلة ثم النفس، ثم ما تبقى، لكن كثيرا من الناس يكتشفون بعد أيام قليلة ان الشهر الذي أرادوه موسم صفاء أصبح موسم تشتت، دقائق هنا، ونظرة هناك، وتمرير لا ينتهي.. حتى يصبح اليوم كله مجزأ وتصبح الروح كأنها تحاول الصلاة وسط ضجيج رقمي لا يهدأ».
وأفاد الفيلكاوي «بأن المشكلة ليست في التقنية ذاتها، فالتقنية تخدم رمضان خدمة عظيمة من خلال المصاحف الرقمية والدروس العلمية والتذكير بالصدقة والاتصال بصلة الرحم، ولكن المشكلة تبدأ حين تتحول الأجهزة من أداة إلى بيئة ومن وسيلة إلى موطن، فنعيش داخل الشاشة أكثر مما نعيش داخل يومنا الحقيقي».
وذكر الفيلكاوي «أن هناك تحليلا إقليميا لبيانات استخدام التطبيقات في رمضان أشار التحليل إلى أن جلسات استخدام التطبيقات عبر الفئات المختلفة في الشرق الأوسط ارتفعت بنحو 15% سنويا خلال رمضان، مع نشاط ملحوظ في الألعاب والتسوق والمالية»، مستدركا «هذه ليست تهمة للتطبيقات بل إنها إشارة إلى أن شهر رمضان يغير سلوكنا الرقمي إما لمصلحتنا إن ضبطناه أو ضدنا إن تركناه يقودنا».
وأوضح الفيلكاوي أن استخدام الهاتف لساعات طويلة يضيع الوقت ويؤثر على النوم حيث تقل عدد ساعات النوم والراحة، مشيرا إلى أنه في رمضان، حيث النوم أصلا أقل عند كثير من الناس يصبح أي عامل يؤخر النوم «مضاعف الأثر»، فضلا عن تأثير استخدام الأجهزة الالكترونية على صحة العين والجسد والإصابة بإجهاد العين الرقمي والصداع وآلام الرقبة والكتف وجفاف العين.
وذكر الفيلكاوي أنه في شهر رمضان تحديدا نحتاج حضورا ذهنيا، ووقتا متصلا للعبادة، ومجالس لا تخترق بإشعاع، ونوما كافيا قدر المستطاع حتى لا تتآكل الطاقة.
وقدم الفيلكاوي نصائح لاستخدم الأجهزة في شهر رمضان بأن تكون فقط للعمل وإرسال الرسائل المهمة لمدة نصف ساعة، ومن نصف ساعة إلى ساعة كترفيه وتواصل بعد التراويح أو بعد الإفطار، وتحديد ساعة قبل النوم بلا شاشات، مؤكدا الآثار السلبية لاستخدام الأجهزة قبل النوم.
وأفاد الفيلكاوي بأن الناس تدمن الشاشة لأنها تؤدي وظائف نفسية فهي تقتل الملل، وتخفف القلق، وتملأ الانتظار، وتمنح جرعة متعة سريعة، لذا البدائل يجب أن تكون سريعة الوصول مثلها ومنها قراءة الكتب الخفيفة لقتل الملل وممارسة رياضة المشي لقتل التوتر والحرص على التواصل مع الأسرة من خلال الأسئلة الرمضانية والمسابقات الثقافية والقصص القصيرة وكذلك الحرص على الاستماع للقرآن الكريم والمحاضرات الصوتية أثناء القيادة أو الأعمال المنزلية.
وأكد الفيلكاوي أن الشائعة التي تقول إن نظارات الضوء الأزرق ستحل المشكلة هي مجرد خرافة، موضحا أن الأكاديمية الأميركية لطب العيون (AAO) تذكر أنها لا توصي بنظارات حجب الضوء الأزرق للاستخدام مع الشاشات بسبب نقص الأدلة العلمية على فائدتها لأعراض إجهاد العين الرقمي، مضيفا «ما يفيد غالبا تنظيم الوقت، تخفيف السطوع، فواصل، ومسافة صحيحة ثم نوم أفضل».

ميثاق العائلة الرقمي
من جانبه، ذكر المدير العام وشريك مؤسس في أكاديمية الكويت الرقمية KDA وباحث دكتوراه في كلية الذكاء الاصطناعي م.أحمد بكري لـ«الأنباء» أن شهر رمضان المبارك فرصة ليتفرغ العبد لأداء العبادات من صلاة وصيام وقراءة قرآن وقيام الليل، فيتوجب على الناس عدم الانشغال بهواتفهم وأجهزتهم الذكية في هذا الشهر العظيم.
واقترح بكري أن تقوم الأسر بعمل «ميثاق العائلة الرقمي» وهو ميثاق يكون بين الفرد وأسرته بعدم استخدام الهاتف لفترات طويلة، وأن يحرصوا على مشاهدة المحتوى المفيد المناسب للعادات والتقاليد والقيم.
وتحدث بكري عن الأدوات المتاحة التي تساعد الشخص على تحقيق ذلك من خلال استخدام تطبيقات معينة توقف استخدام الهاتف أثناء أداء الصلوات وتجعله في وضع «صامت»، وكذلك تفعيل خاصية إرسال إشعارات للهاتف بأنه قد مر وقت معين على استخدام تطبيق ما وسيتم غلقه بعد قليل، ناصحا الأشخاص الذين تعودوا على قراءة القرآن الكريم من الهواتف أن يتعودوا على قراءته من المصحف ابتعادا عن الشاشات وأضرارها.
وأفاد بكري بأن هناك قيمة تربوية إسلامية لشهر رمضان، حيث يعتبر ديتوكس نفسي وجسدي، مشددا على ضرورة ترشيد استخدم الأجهزة الذكية والملهيات عموما في شهر رمضان المبارك والتفرغ لأداء العبادات.
من جانبه، قال الأستاذ المساعد في علوم الكمبيوتر والأمن السيبراني بالجامعة الدولية د.مشري المرشود لـ«الأنباء»: «بحكم تخصصي ودراستي الأكاديمية والبحوث أعرف دهاء الذكاء الاصطناعي حق المعرفة، فهي مبارزة شرسة بين الذكاءين، قد استدركت المحطات والإنجازات البشرية حول العالم وعبر تلك السنين أيضا، وأعلم تماما نقطة يتفوق فيها الذكاء الاصطناعي بوضوح وهي أنه لا يتعب.. لا يقف.. لا ينام».
وأضاف «تلك التفاصيل أجبرتني على أن أعود للعقل البشري وأسأله سؤالا واحدا فقط، الذكاء الاصطناعي يتلقى الدعوم فكيف لي يا عقل أن أدعمك؟» فرده كان «الرياضة خير مثال على الدعم المناسب لي، المدربون يبذلون قصارى جهدهم للاعبيهم، تدريب ولياقة صحية واعتناء خاص بهم، ان كنت ستتركني للضياع، فسأكون كذلك الولد الثقيل جسما وروحا وذهنا على الدكة، وان كنت تعتني بي، أعطيتني النوم والطعام والتمارين الذهنية.. أعدك سوف أتفوق على الذكاء الاصطناعي الذي هو من صنعي أنا».
وتذكر المرشود مباراة كاسباروف وديب بلو (أحد أهم مراحل الذكاء الاصطناعي) في الشطرنج سنة 1996 حيث فاز كاسباروف، وانتبه لما أراد ديب بلو الفوز لاحقا، فبدأ في تقليد أفكار كاسباروف، خرجت من عنده وأقدامي فقدت الاتصال مع حواسي، فكنت أمشي باتجاه وذهني مشغول بما قاله لي العقل البشري.
واستدرك قائلا «بدأت أعترف أننا لا ننام جيدا، وابتعدنا عن الأكل الطبيعي مائة بالمائة، ولم نعد ندرب عقولنا كما فعلت البشرية حينما أرادت التطور، عدت لذاتي، قد كانت لدي نقطة مفصلية في حياتي، من مدمن للألعاب الإلكترونية إلى دكتور أكاديمي، كان سؤالا لنفسي هل المغامر بتلك اللعبة الإلكترونية هو حقا أنا؟ هل الخوف الذي ينتابني في تلك المدينة المهجورة داخل اللعبة هو خوف حقيقي؟ لماذا أسعد عندما أنجز بتلك اللعبة وهل عندما أنتهي منها أحصد شيئا؟ اكتشفت أنه لا علاقة لي بكل هذا، فتركت الأجهزة الإلكترونية بلا عودة، وكان قرارا باتجاه إنجازي الأكبر وهو الحصول على الدكتوراه».

MENAFN26022026000130011022ID1110792917

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

آخر الأخبار

البحث