انقطاع يؤول لخلو ذاكرة أطفال وشباب من أسماء الأقارب بالأسر الممتدة.. وخبراء يوضحون
(MENAFN- Alghad Newspaper)
تغريد السعايدة
عمان- يقف الطفل غيث (14 عاما) في إحدى المناسبات الخاصة بأقارب والده من دون أن يبادر بالسلام والمصافحة على الحضور، كونه لا يعرف أياً منهم سوى أعمامه المقربين، على الرغم من أنه ينتمي لعائلة ممتدة كبيرة، ولكن لأسباب عدة بات غيث بعيداً "اجتماعياً" عن منظومة "صلة الرحم".
تقول والدة غيث إن ما قد يعتبره البعض بأنه "قطع للأرحام أو الأقارب"، لا يكون عادةً بطريقة مقصودة، ولكن قد تكون الظروف التي تمر بها العائلات من انشغال وانخراط في سوق العمل للوالدين، ألقت بظلالها على طبيعة العلاقات الممتدة للأقارب، والتي تأثر بها الأبناء أكثر من غيرهم، كونهم من عمر مبكر في حياتهم يبتعدون عن أقاربهم وتكون اللقاءات في مناسبات محدودة.
كثيرة هي الحالات التي يتحدث بها الشباب والأطفال بأنهم يجهلون أسماء عدد كبير من أقاربهم، خاصة من يعيشون في أماكن بعيدة عن "مسقط رأس والديهم"، بسبب انتقال الأهل للعمل في المدينة، على سبيل المثال، والابتعاد عن الأقارب في القرية، أو سفرهم للخارج والعمل لسنوات طويلة، واقتصار الزيارات على عائلاتهم الكبيرة في أوقات محدودة جداً.
وهنا، تتحدث مجد العمري عن تجربتها في الغربة مع عائلتها، وتقول إنها ولدت في إحدى الدول الخليجية وعاشت لسنوات طويلة هناك، ومن تعرفهم من أقاربها عدد قليل، فقط ممن تزورهم مع والدتها خلال زيارتها للأردن خلال فترة الصيف، ولكنها لم تكن تتعمق في العلاقات بسبب المدة القصيرة التي تقيمها في الأردن.
هذا الأمر لم يساعد مجد على بناء علاقة رحم قوية مع أقاربها من "أعمام وأخوال وأبنائهم"، سواء أكانوا كباراً في السن أو في مثل سنها، وكانت تعاني من أنها لا تعرف أسماء الكثير منهم، ما يسبب لها الإحراج في بعض الأحيان، خاصة وأن عائلتها تنوي العودة للاستقرار في الأردن، ما قد يكون بداية مرحلة جديدة في حياتها العائلية والاجتماعية.
الكثير من أولياء الأمور قد يلومون أبناءهم على عدم معرفتهم بأقاربهم، ولكن يرى مختصون أن دور الأهل يكمن هنا في توطيد العلاقات الاجتماعية فيما بينهم، وبناء أسرة ممتدة متماسكة تعد درعاً منيعاً للأبناء، إضافة إلى كونها جزءا من صلة الرحم.
اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي، يتحدث عن هذه المنظومة الاجتماعية، ويقول إن الأفراد الآن يعيشون وسط ما يسمى بـ"الأسر النواة"، التي تعني انحصار العيش ضمن الأسر الممتدة وتلاشيها في المجتمع، ويبين أن ما يقارب 3 % فقط من العائلات الأردنية الآن تعيش وسط الأسر الممتدة، وهذا يعني غياب التقارب المجتمعي فيما بينهم.
بينما يرى خزاعي، أن النسبة الكبرى تعيش ضمن الأسرة النواة الصغيرة التي تقتصر على الأب والأم والأبناء، وعادةً ما يعيشون في داخل المدينة التي في المقابل تتطلب المزيد من الأعباء المادية على الوالدين، وتغيير نمط الحياة الاقتصادية ومن ثم الاجتماعية على حد سواء، حيث تتطلب حياة المدينة اللجوء إلى الراحة بعد يوم عمل شاق وطويل للوالدين، إضافة إلى أعباء الدراسة للأبناء على الأم التي زادت من انشغالها عن حياتها الاجتماعية.
جميع هذه التفاصيل، يرى فيها خزاعي أنها من الأسباب التي أدت إلى انشغال العائلات عن التواصل مع الآخرين خارج المنزل، عدا عن أن "الأجيال الجديدة" باتت بعيدة عن جميع هذه التفاصيل، بالتالي ضعف العلاقة مع الأقارب، والابتعاد لفترات طويلة، وعادةً ما يفضلون ذلك خوفاً من الوقوع في المشاكل والخلافات العائلية التي قد تمتد لسنوات.
ووفق خزاعي، "اعتدنا في عائلاتنا الممتدة أن يتدخل الأجداد أو الأعمام بشؤون الأحفاد من باب الخوف على حياتهم، وبسبب عدم تقبل الأحفاد الآن للتدخل في شؤونهم، باتوا يفضلون البعد عن الأقارب، كونهم يعتقدون ذلك من أشكال التدخل في حياتهم الخاصة ونمط معيشتهم".
وقد تكمن أهمية العلاقات الاجتماعية، من كونها جزئية مهمة حث عليها ديننا الحنيف، وارتبطت بالأجر والثواب الكبير لمن حرص على أواصر هذه العلاقة.
أستاذ الفقه والدراسات الإسلامية الدكتور منذر زيتون، يقول أيضاً "إن بعد المسافات بين مساكن الأقارب قد يكون سبباً في هذا الانقطاع، عدا عن المشاغل الحياتية الأخرى لتحصيل الرزق، وأولوية الاهتمام بالذات ومتطلباتها باتت أكثر من الآخرين".
ويذهب إلى أن لدينا العديد من القيم، التي تحث على هذا الترابط، هذه القيم "تضاءلت" ولم يعد يهتم بها الآخرون كما يجب، لذلك، لا بد من أن يكون هناك دور توعوي أخلاقي مجتمعي للمؤسسات التربوية والتعليمية كذلك.
ويعتقد زيتون أن ما يسمى الآن بـ"عصر الاستهلاك"، جعل الكثيرين ينسحبون من علاقاتهم الموسعة، وطريق السفر والغربة التي اتخذها كثيرون كانت سببا كذلك في هذا التباعد، عدا عن الضغوط "النفسية"، والتوتر الذي يعيش فيه الناس في العالم.
ويتفق زيتون مع خزاعي، بأن التطور التكنولجي وطغيان مواقع التواصل الإجتماعي من أبرز الأسباب التي باعدت بين العائلات وظهور جيل جديد لا يعرف أقاربه وانعدام الصلة بينهم، حيث أتاحت لهم علاقات جديدة وعالما جديدا.
لذلك، طغت العلاقات الرسمية المحدودة الآن على تواصل الأقارب، وبات الأمر شبه طبيعي ومعتاد في المجتمع، ولكن تبقى كل المبررات "غير منطقية"، وفق الخزاعي، بل إن هذا الانعزال وصل أيضا إلى علاقات الجيران ببعضهم بعضا، وأصبحوا يحرصون على الاستقلالية والاستقرار والبعد عن التدخل في الأهل والمشاكل العائلية، والتفرغ لإدارة أسرهم بشكل جيد لكثرة متطلبات الحياة، عدا عن تأثير مواقع التواصل التي حلت محل العلاقات الاجتماعية المتقاربة.
"كيف نوثق هذا الرباط؟"، يقول زيتون إنه لا بد من تعزيز تلك القيم الإنسانية، على مختلف المستويات، وهذا مطلوب من أولياء الأمور، والمؤسسات التربوية والدينية والإعلام، ومن الأمور الجميلة المتبعة في مجتعنا وجود ديوان العشيرة، وهو ملتقى للأقارب في مختلف المناسبات، مع صندوق تكافلي فيما بينهم يدعمون به بعضهم بعضا عند الحاجة.
كما ينصح زيتون بضرورة عمل برنامج زيارات، ويكون فيه كبار العائلة وصغارها مجتمعين بين الحين والآخر، فهذا من شأنه أن يساعد الجيل الجديد على معرفة الأقارب واستمرار هذا العلاقة لسنوات لاحقة، وتنتقل تلك العادة والعلاقة جيلاً بعد جيل.
MENAFN02082023000072011014ID1106766497
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.
Comments
No comment