أمريكا تنتخب مصالحها لا هوياتها بقلم رامي مهداوي

(MENAFN- Palestine News Network ) ثمة قراءة تختزل صعود المرشحين المسلمين في الانتخابات الأمريكية باعتباره مؤشراً على تنامي الحضور الإسلامي في المجتمع الأمريكي، أو انعكاساً لتزايد التعاطف مع القضية الفلسطينية، وكأن صناديق الاقتراع تحولت إلى استفتاء على الدين أو السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. غير أن هذه القراءة، على وجاهة بعض جوانبها، لا تفسر جوهر التحول الانتخابي الذي تشهده الولايات المتحدة، بل ربما تحجب العامل الأكثر أهمية فيه: تغير أولويات الناخب الأمريكي، وتراجع قدرة الهويات التقليدية والشعارات السياسية على حسم خياراته أمام ضغوط الحياة اليومية.

إن ما يستحق التوقف عنده ليس فقط أن زهران ممداني أصبح أول مسلم يتولى منصب عمدة نيويورك، أو أن عبد الرحمن محمد السيد أصبح أول مسلم يفوز بعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي في انتخابات 2026، وإنما السؤال الأعمق: لماذا صوّت لهما أمريكيون لا تجمعهم بهما بالضرورة هوية دينية أو خلفية ثقافية مشتركة؟ وما الذي جعل ناخباً أمريكياً يمنح صوته لمرشح مسلم في مجتمع ما زالت فيه مظاهر الإسلاموفوبيا حاضرة في الخطاب السياسي والإعلامي.

الإجابة تبدأ من الاقتصاد، لا من الدين. فالمواطن الأمريكي، مثل مواطن أي مجتمع آخر، يواجه أسئلة أكثر إلحاحاً من هوية المرشح: هل يستطيع دفع إيجار منزله؟ هل يكفي دخله لتغطية نفقات أسرته؟ هل يستطيع توفير الرعاية الصحية والتعليم لأطفاله؟ وهل يشعر أن المؤسسات السياسية تعمل لمصلحته أم لمصلحة أصحاب الثروة والنفوذ؟

في انتخابات نيويورك عام 2025، قدم ممداني نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة. لم يجعل هويته الإسلامية مركز برنامجه الانتخابي، بل جعل أزمة تكاليف المعيشة مركز خطابه. تحدث عن تجميد الإيجارات، والنقل العام المجاني، ورعاية الأطفال، والمتاجر الغذائية البلدية، وفرض ضرائب أعلى على أصحاب الدخول والثروات الكبيرة. لقد خاطب المواطن من موقع حاجته الاقتصادية، وليس من موقع انتمائه الديني.

والأهم أن الأرقام الانتخابية تؤيد هذه القراءة. فقد أظهر تحليل أجراه معهد Searchlight بعد الانتخابات أن 51% من الناخبين وضعوا الأسعار المعقولة ضمن أهم ثلاث قضايا مرتبطة بدعمهم لممداني، بينما لم تتجاوز نسبة من وضعوا قضية إسرائيل وغزة ضمن أولوياتهم الثلاث 4%. كما أشار التحليل إلى أن 78% من محتوى حملته الإعلانية والرقمية تضمن مفردات تتعلق بالأسعار والقدرة على تحمل تكاليف الحياة. هذه ليست تفاصيل هامشية، بل مؤشرات على أن الرسالة التي وصلت إلى الناخب كانت اقتصادية واجتماعية بالدرجة الأولى.

ولا يعني ذلك أن القضية الفلسطينية لم تكن حاضرة أو أن موقف ممداني منها لم يكسبه تأييداً. فقد أظهر استطلاع Data for Progress أن 62% من مؤيديه اعتبروا دعمه للحقوق الفلسطينية عاملاً مهماً في قرارهم، لكن 89% أشاروا إلى خططه لخفض تكاليف المعيشة، و86% إلى خططه لفرض الضرائب على الأثرياء ومواجهة نفوذ الشركات. وهنا يجب التمييز بين قضية تؤثر في موقف الناخب، وقضية تتصدر أولوياته عند اتخاذ القرار الانتخابي. فالتضامن مع فلسطين يمكن أن يكون عاملاً مهماً، دون أن يكون التفسير الرئيسي للانتصار.

ثمة عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في أزمة الثقة بالمؤسسات والنخب السياسية. فالناخب الأمريكي لم يعد يمنح ثقته تلقائياً للسياسي الأكثر خبرة أو صاحب العلاقات الأقوى، بل بات أكثر استعداداً لمعاقبة المنظومة التي يعتقد أنها فقدت نزاهتها أو أصبحت أسيرة المصالح الخاصة. وقد أظهر تحليل Searchlight أن النزاهة والتعاطف والجدارة بالثقة جاءت في المرتبة الثانية بين الأسباب التي ربطها الناخبون بممداني، فيما كانت اتهامات سوء السلوك والبيئة المهنية السامة المحيطة بمنافسه أندرو كومو من أبرز أسباب رفض التصويت له.

ويتجلى هذا التحول بصورة أخرى في تجربة عبد الرحمن السيد، الفائز بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان عام 2026. فقد خاض حملته بخطاب يركز على الرعاية الصحية الشاملة، وإخراج الأموال والمصالح الخاصة من السياسة، ومواجهة نفوذ جماعات الضغط. ولم يكن انتصاره مجرد احتفال بهوية دينية، بل اختباراً لقدرة مرشح خارج المؤسسة السياسية التقليدية على بناء تحالف انتخابي حول قضايا العدالة الاقتصادية وإصلاح النظام السياسي. وقد لخّص عمدة ديربورن عبد الله حمود هذه الفكرة في حديثه لوكالة أسوشيتد برس، حين أكد أن الناخبين أيدوا السيد بسبب سياساته وبنائه تحالفاً مع المجتمع، وليس لمجرد عرقه أو دينه.

ومن المهم هنا ألا نخلط بين دلالة الهوية وسبب التصويت. فكون المرشح مسلماً قد يمنحه قيمة رمزية لدى جماعته، ويعزز شعوراً بالتمثيل والمواطنة، لكنه لا يفسر وحده قدرته على الحصول على أصوات خارج جماعته. فالانتخابات لا تُحسم بالانتماء وحده، وإنما بقدرة المرشح على تحويل مطالبه وبرنامجه إلى مصالح مشتركة تتجاوز حدود الدين والعرق والخلفية الثقافية.

لقد تغير المجتمع الأمريكي، أو على الأقل تغيرت قطاعات مؤثرة فيه، وأصبح أكثر حساسية تجاه قضايا عدم المساواة، وارتفاع الأسعار، والفساد، واحتكار الثروة، والتمييز، والحقوق الإنسانية. ولم يعد مقبولاً لدى شرائح متزايدة أن تنفق المؤسسات السياسية وقتها في الصراعات الأيديولوجية بينما تتراجع القدرة الشرائية وتتآكل الثقة العامة. وهذا لا يعني أن المجتمع الأمريكي تجاوز انقساماته أو تحرر من العنصرية، وإنما يعني أن أولويات قطاعات من ناخبيه أصبحت أكثر ارتباطاً بجودة الحياة ومحاسبة السلطة.

المفارقة أن نجاح المرشحين المسلمين قد يكون دليلاً على اتساع المجال الديمقراطي الأمريكي أكثر مما هو دليل على تحول ديني في المجتمع. لقد استطاع هؤلاء الوصول إلى الناخب الأمريكي لأنهم تحدثوا بلغة يفهمها الجميع: العدالة، والعمل، والسكن، والصحة، والكرامة، ومحاسبة أصحاب النفوذ. ولم يطلبوا من الناخب أن يتبنى هويتهم كي يمنحهم صوته، بل قدموا أنفسهم باعتبارهم قادرين على تمثيله والدفاع عن مصالحه.

إن الدرس الأهم هنا أن الديمقراطية لا تكافئ الهويات بقدر ما تكافئ، حين تكون فاعلة، القدرة على بناء مشروع مشترك. وربما تكون القيمة الحقيقية لهذه النجاحات أن الأمريكيين بدأوا، في قطاعات واسعة منهم، ينظرون إلى المرشح من زاوية ما يستطيع أن يفعله في حياتهم، لا من زاوية الاسم أو الدين أو الأصل.

في النهاية، لم ينتصر المسلمون في الانتخابات الأمريكية لأن أمريكا أصبحت مجتمعاً إسلامياً، ولم ينتصروا فقط لأن فلسطين حضرت في وجدان بعض الناخبين؛ لقد انتصر مرشحون مسلمون لأنهم استطاعوا مخاطبة مجتمع يبحث عن حياة أقل كلفة، وسياسة أكثر نزاهة، وعدالة اجتماعية أوسع، وحقوق إنسان لا تتجزأ. وهذه، في جوهرها، ليست قضية المسلمين وحدهم، بل قضية الديمقراطية الأمريكية نفسها.

MENAFN07112026000205011050ID1111928614

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

آخر الأخبار

البحث