المقالب..حين يتحول المزاح إلى خطر

(MENAFN- Al-Bayan) حذّر مختصون وأفراد من المجتمع من تنامي ظاهرة المقالب المؤذية والمزاح الثقيل، التي تحصد ملايين المشاهدات عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدين أن السعي وراء الشهرة والتفاعل لا يبرر تعريض الآخرين للأذى أو انتهاك كرامتهم وخصوصيتهم.

ورصدت ((البيان)) آراء عدد من أفراد المجتمع، إلى جانب مختصين في جراحة العظام وطب الأسرة والطب النفسي، ومستشارة قانونية، للوقوف على المخاطر المترتبة على بعض المقالب التي تُقدّم في صورة محتوى ترفيهي، بينما قد تتحول في لحظات إلى حوادث تتسبب في إصابات جسدية واضطرابات نفسية، فضلاً عن تبعات قانونية قد تترتب على مرتكبيها.

تشير هذه الآراء إلى أن ما يبدأ بضحكة عابرة قد ينتهي بإصابة خطيرة أو معاناة نفسية طويلة الأمد، وربما بمساءلة قانونية، ما يعيد التأكيد أن للمزاح حدوداً ينبغي ألا تتجاوز سلامة الإنسان وكرامته.

إصابات مفاجئة

أفاد الدكتور حسن بيضون، استشاري جراحة العظام، بأن عنصر المفاجأة يمثل أحد أبرز مصادر الخطورة في المقالب، إذ لا يكون لدى الشخص الوقت الكافي لاتخاذ رد الفعل الطبيعي الذي يمكّنه من حماية نفسه عند التعرض للسقوط أو الدفع أو الصدمة غير المتوقعة، ما قد يؤدي إلى إصابات خطيرة.

وأوضح أن المقالب التي تتضمن التسبب في انزلاق شخص أو دفعه أو تقييد حركته قد تؤدي إلى كدمات والتواءات وكسور وخلع في المفاصل وإصابات عضلية، فضلاً عن إصابات في الرأس والرقبة والعمود الفقري.

وأشار إلى أن الأطفال وكبار السن من أكثر الفئات عرضة لهذه المخاطر، لافتاً إلى أن بعض الأعراض قد لا تظهر مباشرة بعد الحادث.

وشدد على ضرورة إخضاع من يتعرض لضربة أو سقوط لتقييم طبي سريع، وعدم تحريك المصاب عند الاشتباه بإصابة في الرقبة أو العمود الفقري، مع طلب المساعدة الطبية فوراً.

مخاطر صحية

من جانبها، قالت الدكتورة رينوكا راماسامي، أخصائية طب الأسرة، إن المقالب التي تبدو بسيطة أو غير مؤذية قد تتسبب في إصابات متنوعة، تشمل الكدمات والالتواءات والكسور والخلع وإصابات الرأس والرقبة، خصوصاً عندما يفقد الشخص توازنه بصورة مفاجئة أو يتعرض للدفع أو تقييد الحركة.

وأضافت أن بعض الممارسات المتداولة خلال المناسبات تنطوي على مخاطر صحية كبيرة، مشيرة إلى أن دفع وجه شخص داخل قالب كعكة عيد الميلاد قد يؤدي إلى إصابات في الوجه والعينين، أو يسبب صعوبات في التنفس والاختناق، خاصة إذا كانت الكعكة تحتوي على دعامات أو أدوات تثبيت حادة مخفية بداخلها.

وحذرت كذلك من رش المواد القابلة للاشتعال بالقرب من مصادر النار، لما قد يسببه ذلك من حروق شديدة وأضرار ناجمة عن استنشاق الدخان السام.

وأوضحت أن المقالب التي تنطوي على صدمات أو سقوط أو إصابات مباشرة قد تؤدي إلى إصابات دماغية رضّية وتلف في الحبل الشوكي وإعاقات عصبية دائمة، فضلاً عن اضطرابات طويلة الأمد في الحركة والذاكرة والتركيز والقدرات الإدراكية.

ودعت الأسر والشباب إلى الابتعاد عن الممارسات التي تعرض الآخرين للأذى، مؤكدة أن المزاح ينبغي أن يقوم على احترام سلامة الآخرين وكرامتهم الجسدية والنفسية، وألا يكون إدخال الفرح إلى نفوس الناس على حساب صحتهم أو حياتهم.

آثار نفسية

وفي الجانب النفسي، قال الدكتور شاجو جورج، أخصائي الطب النفسي، إن المزاح البريء يقوم على التفاهم المتبادل وقبول جميع الأطراف للموقف والاستمتاع المشترك به، من دون أن يترك شعوراً بالإهانة أو الإذلال أو آثاراً نفسية سلبية.

وأوضح أن المقالب قد تتحول إلى شكل من أشكال التنمر عندما تتضمن التخويف أو الإذلال أو استهداف نقاط الضعف الشخصية، مشيراً إلى اختلاف آثارها باختلاف الفئات العمرية.

وأضاف أن الأطفال قد يفقدون شعورهم بالأمان نتيجة هذه الممارسات، فيما قد يعاني المراهقون القلق الاجتماعي والخجل والعزلة، نظراً لحساسية هذه المرحلة العمرية، أما البالغون فقد يتعرضون لمشاعر حادة من الإذلال والغضب والقلق.

شهرة ومشاهدات

وأشار إلى أن الرغبة في الحصول على الإعجابات والمشاهدات وتحقيق الشهرة تمثل أحد أبرز دوافع انتشار المقالب الخطيرة على منصات التواصل الاجتماعي، إذ تحظى المقاطع التي تتضمن الصدمة أو الخوف أو الإحراج بمعدلات تفاعل مرتفعة، ما يدفع بعض صناع المحتوى إلى تصعيد مستوى المخاطرة سعياً وراء الانتشار.

وأكد أن تصوير المقالب ونشرها عبر الإنترنت يضاعف حجم الأذى النفسي، إذ تتحول التجربة إلى موقف من الإذلال العلني قد يشاهده آلاف أو ملايين الأشخاص، ويظل متاحاً للتداول لفترات طويلة، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على ثقة الشخص بنفسه وشعوره بالقبول الاجتماعي وسمعته الرقمية.

مسؤولية قانونية

من الناحية القانونية، أكدت المحامية والمستشارة القانونية فاطمة آل علي، أن المزاح لا يُعد فعلاً مجرّماً في حد ذاته، لكنه يتحول إلى فعل يعاقب عليه القانون عندما يتجاوز حدود السلوك المشروع، ويتضمن اعتداءً على سلامة الإنسان الجسدية أو النفسية، أو تهديداً له، أو مساساً بكرامته أو خصوصيته.

وأوضحت أن المسؤولية القانونية لا تتحدد بناءً على نية الشخص في المزاح فحسب، وإنما بالنظر إلى طبيعة الفعل والنتائج المترتبة عليه.

وأشارت إلى أن المقالب التي تسفر عن إصابات أو عاهات قد تترتب عليها مسؤولية جنائية ومدنية، موضحة أن التسبب في إصابة نتيجة الإهمال أو الرعونة قد يشكل جريمة إصابة خطأ وفق قانون الجرائم والعقوبات الإماراتي، فيما تتشدد المسؤولية إذا ترتبت على الفعل إصابة جسيمة أو عاهة مستديمة.

وأضافت أن العاهة المستديمة ليست إصابة عابرة، بل حالة تستوجب تقييماً طبياً وقانونياً لتحديد طبيعتها ومدى استدامتها.

ولفتت إلى أن تصوير المقلب ونشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد يؤدي إلى مسؤولية قانونية مستقلة عن الفعل الأصلي، إذا تضمن انتهاكاً للخصوصية أو إساءة أو تشهيراً.

وأكدت أهمية التمييز بين موافقة الشخص على المشاركة في المقلب وموافقته على التصوير والنشر، مشددة على أن قبوله بالمزاح لا يعني بالضرورة رضاه بنشر صورته أو ردود أفعاله أمام الجمهور.

سجن وغرامة

وأضافت أن المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية تناول صوراً من الاعتداء على خصوصية الأفراد باستخدام وسائل تقنية المعلومات، حيث نصت المادة (44)، في الحالات التي تنطبق عليها، على الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، والغرامة التي لا تقل عن 150 ألف درهم ولا تزيد على 500 ألف درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين.

وأكدت أن للمضرور الحق في المطالبة بالتعويض عن الأضرار الجسدية والنفسية والمادية متى ثبت الضرر وعلاقته بالفعل، مشددة على أن الشهرة أو زيادة المشاهدات لا يمكن أن تكون مبرراً لتعريض حياة الناس أو سلامتهم أو كرامتهم للخطر، وأن عبارة ((كنت أمزح)) لا تعفي من المسؤولية القانونية إذا ترتب على المقلب أذى أو ضرر للآخرين.

المجتمع يرفض الإيذاء

وعلى الصعيد المجتمعي، حذّر مواطنون من تنامي المقالب المؤذية، مؤكدين أنها تجاوزت حدود المزاح والترفيه، وأصبحت تشكل خطراً على سلامة الأفراد وكرامتهم، خصوصاً مع انتشار تصوير هذه الممارسات وتداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وأكد المواطن علي الطنيجي، أن بعض المقالب المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي باتت تشكل خطراً حقيقياً على الأفراد والمجتمع، خاصة تلك التي تعتمد على إثارة الذعر أو تصوير الأشخاص دون علمهم، مشيراً إلى تعارضها مع قيم المجتمع الإماراتي القائمة على الاحترام وصون الكرامة.

وأرجع انتشار هذه الظاهرة إلى السعي وراء الشهرة وتحقيق المشاهدات والعوائد المادية، إلى جانب الاستهانة بالعواقب والمنافسة بين صناع المحتوى لتقديم مواد أكثر إثارة وجذباً للمتابعين. وأضاف أن بعض الأشخاص باتوا يضعون أعداد الإعجابات والمشاهدات فوق سلامة الآخرين ومشاعرهم.

وأبدى تأييده لفرض عقوبات على من يتسبب في إصابة أو عاهة نتيجة المقالب المؤذية، مؤكداً أن عبارة ((كنت أمزح)) لا تبرر الأذى الواقع على الضحية.

ورأى أن العقوبات تسهم في إنصاف المتضررين وردع المخالفين وحماية الأطفال والمراهقين من تقليد هذه السلوكيات، مشدداً على أهمية التوعية الأسرية والمدرسية، ودور منصات التواصل في الحد من انتشار المحتوى القائم على التخويف والإيذاء سعياً وراء المشاهدات.

ضحك عابر وأذى مستمر

من جانبها، أكدت المواطنة زينب البلوشي، أن بعض المقالب المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي باتت تشكل خطراً على السلامة النفسية والجسدية للأفراد، خاصة عندما تتحول إلى وسائل للتخويف أو الترويع أو الإحراج، مشيرة إلى أن آثارها قد تكون أشد على الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.

ورأت أن السعي وراء الشهرة وزيادة المشاهدات والإعجابات يعد من أبرز أسباب انتشار هذه الظاهرة، إلى جانب ضعف الوعي بمخاطرها وعدم مراعاة مشاعر الآخرين، مؤكدة أن لحظة من الضحك قد تترك آثاراً نفسية أو جسدية تستمر لفترات طويلة.

وأعربت عن تأييدها لفرض عقوبات على المتسببين في إصابات أو عاهات نتيجة المقالب المؤذية، مشددة على أن سلامة الإنسان ليست مجالاً للتسلية أو البحث عن الشهرة، وأن العقوبات الرادعة تسهم في حماية المجتمع وتعزيز الوعي بأن للمزاح حدوداً.

حادث مفبرك

ورأى المواطن خميس الكندي، أن المقالب والمزاح الثقيل قد تكون لهما انعكاسات سلبية على صحة الإنسان وسلامته، فضلاً عن الآثار النفسية التي قد تتمثل في الخوف والقلق لدى من يتعرضون لها.

واستشهد بمقلب إضافة كميات كبيرة من الفلفل الحار إلى الطعام، وما قد يترتب عليه من أضرار صحية، مشيراً إلى أن من أخطر المقالب افتعال مشاهد توحي بوقوع جريمة أو حادث، من خلال استخدام مواد تشبه الدم وترك أحد الأشخاص ملقى على الأرض، بهدف إثارة ذعر المارة وتصوير ردود أفعالهم.

وأضاف أن البحث عن الشهرة وزيادة أعداد المشاهدات والمتابعين على منصات التواصل الاجتماعي يعد من أبرز أسباب انتشار هذه الظاهرة، إلى جانب تقليد الأطفال وصغار السن لهذه التصرفات دون إدراك كامل لمخاطرها وعواقبها.

ودعا إلى وضع ضوابط وقوانين رادعة تحد من المقالب المؤذية، وتسهم في تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية احترام سلامة الآخرين وعدم تعريضهم للخطر تحت ستار المزاح أو الترفيه.

وتؤكد آراء المختصين وأفراد المجتمع أن المقالب المؤذية لم تعد مجرد ممارسات ترفيهية عابرة، بل قد تتحول إلى سلوكيات تخلّف إصابات جسدية واضطرابات نفسية وتبعات قانونية.

  • المقالب
  • المزاح
  • المؤذية
  • العمود الفقري
  • الكعكة
  • صناع المحتوى
  • منصات التواصل

MENAFN04112026000110011019ID1111917572

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث