”111: أصداء من هاليفاكس“... ما تبقّى من رحلة انتهت ولم تُنسَ

(MENAFN- Swissinfo) يستعرض الناقد الثقافي ألان ماتلي فيلم”111: أصداء من هاليفاكس“، الذي يعود إلى كارثة رحلة سويس إير 111 عام 1998، من خلال حكايات أشخاص فقدوا أحباءهم. فهل تنجح هذه الدراما السويسرية الكندية في تجسيد مأساة لا تزال جراحها حاضرة في الذاكرة الجماعية؟ تم نشر هذا المحتوى على 03 نوفمبر 2026 - 09:00 14دقائق ألان ماتلي

على الساحل الأطلسي لكندا، تقع هاليفاكس، بمينائها العريق وواجهتها البحرية الخلابة. مدينة قد يستحضر اسمها صور السفن والرحلات البحرية، لكنه يوقظ في ذاكرة السويسريين والسويسريات ذكرى مختلفة تمامًا. فإن سألت أيّ شخص سويسري ثلاثيني عمّا يتبادر إلى ذهنه عند سماع اسم”هاليفاكس“، ستكون الإجابة، على الأرجح، واحدة:”تحطّم طائرة“.

ففي ليلة 2 سبتمبر 1998، اندلع حريق في قمرة قيادة طائرة تابعة لشركة سويس إير، كانت في رحلتها رقم 111 من نيويورك إلى جنيف. حاول الطياران الهبوط اضطراريًا في مطار هاليفاكس شرقي كندا، لكن تحطّمت الطائرة في مياه خليج سانت مارغريت القريب.

لقي جميع الركّاب وأفراد الطاقم، وعددهم 229 شخصًا، حتفهم. وكان معظم الضحايا من الولايات المتحدة وفرنسا وسويسرا.

وفي مطلع أكتوبر، بدأت دور السينما السويسرية بعرض فيلم سويسري كندي جديد يستند إلى تلك الكارثة. ويحمل الفيلم عنوان”111: أصداء من هاليفاكس“ (111: Echoes from Halifax). وهو من إخراج ماورو مولر، السويسري المكسيكي المشارك في كتابة السيناريو أيضًا. ويتناول العمل الجراح النفسية التي خلّفتها الكارثة في الوجدان السويسري.

محتويات خارجية صدمة حفرت عميقًا في الذاكرة السويسرية

تصعب المبالغة في وصف الأثر النفسي الذي تركته كارثة الرحلة 111 في سويسرا. فمن يعود إلى التقارير الصحفية والتلفزيونية المنشورة آنذاك، يلمس حجم الصدمة والذهول اللذين خيّما على البلاد.

وسط حيرة وعجز، كان الصحفيون والصحفيات ينقلون الأخبار عن تفسير أسباب سقوط الطائرة. وتردّدت تساؤلات عن احتمال وقوع عمل إرهابي، أو وجود عيوب في هيكل الطائرة من طراز MD-11.

أما مقدمو نشرات الأخبار ومقدّماتها، فكانوا أحيانًا يتلعثمون وهم يحاولون وصف المأساة واستيعاب أبعادها. في المقابل، اكتفت قيادات سويس إير بإجابات مقتضبة وعبارات معدّة سلفًا.

واجتمع أعضاء الحكومة الفدرالية في لقاءات لم تتجاوز أهميتها الطابع الرمزي، فيما نُكّست الأعلام حدادًا على الضحايا.

وفي الأيام التي أعقبت الكارثة، تناقلت شاشات التلفزيون السويسري صور حقائب الركاب وأمتعتهم الشخصية وهي تطفو على مياه خليج سانت مارغريت، في مشاهد مؤلمة انطبعت في الذاكرة الجماعية للبلاد.

ووسط الذهول والأسى، تكرّر الحديث عن سمعة سويس إير بوصفها إحدى أكثر شركات الطيران أمانًا وموثوقية في العالم. وخلف مشاهد الحزن التي طغت على التغطية الإعلامية، كان يتسلل شعور لم يُفصح عنه أحد:”كوارث كهذه لا تصيبنا، فنحن أهل الدقة والأمان“.

لكن ما بدا آنذاك مجرد تعبير عن الصدمة، يبدو اليوم، في ضوء ما حدث لاحقًا، نذيرًا بأيام عصيبة كانت تنتظر قطاع الطيران السويسري.

فبعد ثلاث سنوات فقط من تحطم الرحلة 111، كانت سويس إير على موعد مع انهيارها المالي. فتوقفت طائراتها عن التحليق، قبل أن تتوقف الشركة نهائيًا عن العمل في ربيع عام 2002. ومن مفارقات القدر أن سويس إير كانت حددت عام 2002 موعدًا لسحب طائراتها من طراز MD-11 من الخدمة، فإذا بالشركة نفسها تتوقف عن العمل في العام ذاته.

وإذا كان لانهيار سويس إير بداية، فلن يكون اعتبار يوم 2 سبتمبر 1998 نقطة انطلاقها مستغربًا.

المزيد المزيد ذكريات“سويس اير”.. الناقل الجوي الأسطوري

تم نشر هذا المحتوى على 27 أكتوبر 2012 في أعقاب عملية إيقاف رحلات الناقل الجوي الوطني، عُـهـد بأرشيف الصور الفوتوغرافية لشركة“سويس اير” إلى المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ، وهو عبارة عن كنز حقيقي يشتمل على 290 ألف صورة. ويعتبر كتاب“ذكريات سويس اير” الصادر في عام 2012 عن دار النشر“شايدغر و شبيس” في زيورخ، تكريما لأسطورة شركة طيران عريقة وإسهاما...

طالع المزيدذكريات“سويس اير”.. الناقل الجوي الأ ما بعد الكارثة... حكايات عن الفقد والذنب

ظاهريًا، لا يخوض فيلم”111: أصداء من هاليفاكس“ في هذه العلاقة بين الكارثة ومصير سويس إير.

إذ يختار الفيلم الاقتراب من المأساة عبر حكايات متخيّلة لأشخاص تغيّرت حياتهم إلى الأبد إثر تحطّم الطائرة. وشاركت هيئة الإذاعة والتلفزيون العمومية السويسرية الناطقة بالألمانية (SRF) في إنتاجه، وحظي بحملة ترويجية واسعة في سويسرا بوصفه عملًا سينمائيًا بارزًا.

ومن هؤلاء كارين (أورسينا لاردي)، الموظفة في سويس إير، التي يلازمها شعور بالذنب لحجزها مقعدًا على الرحلة المنكوبة لزميلتها. وتسافر كارين لاحقًا إلى هاليفاكس، ضمن فريق اوفدته الشركة لمساندة أهالي الضحايا.

وهناك، تتعرّف إلى سول (كريس هولدن ريد)، جرّاحٍ أمريكي فقد ابنه في الكارثة. وفي وقت يتصدّع فيه زواج سول تحت وطأة الحزن؛ إذ يعجز هو وزوجته عن التفاهم بعدما سلك كلّ منهما طريقًا مختلفًا في التعامل مع فقدان ابنهما، تنشأ بينهما صداقة.

أما الشخصية الثالثة، فهي لو (فاثيا يوسف)، مراهقة تعيش في جنيف وتفقد والدتها في الحادث. وتزيد هذه الخسارة من توتّر علاقتها، المتأزمة أصلًا، بزوج أمّها (جبريل زونغا).

وتتشابك حكايات الشخصيات الثلاث، التي جمعتها الكارثة، وإن تركت في حياة كلّ منها أثرًا مختلفًا.

حين تتوارى الكارثة... وتبقى الحكايات

لا يمنح الفيلم حادث التحطم نفسه مساحة كبيرة على الشاشة. وربما يعود ذلك إلى اعتبارات سردية وإنتاجية، فضلًا عن الرغبة في التعامل باحترام مع مأساة حقيقية أودت بحياة المئات.

لذلك، يكتفي الفيلم بالتلميح إلى الكارثة في مشاهد افتتاحية قصيرة، حافلة بالرموز والإيحاءات البصرية. ثم يعود إليها في خاتمة لا تخلو من غرابة. وفي المشاهد الافتتاحية والختامية، يطلّ الممثل السويسري المخضرم، أناتول تاوبمان، مجسّدًا شخصية أورس تسيمرمان، قائد الرحلة 111.

لا يراهن فيلم”111: أصداء من هاليفاكس“ على الإثارة التي تبعثها مشاهد التحطّم، بل يخوض تحدّيًا دراميًا دقيقًا، محاولًا الموازنة بين هول الكارثة وحكايات من تبدّلت حياتهم بسببها.

ومع انكشاف آثار الكارثة، نتعرّف شيئًا فشيئًا إلى الشخصيات. ونكتشف أن لكلّ منها همومًا وصراعات تتجاوز حدود المأساة. ففي حكاية كارين، لا يقف الأمر عند شعورها بالذنب تجاه زميلتها، بل يمتد إلى مشاعر معقدة تحاول التصالح معها، وهي تواجه اقتراب وفاة زوجها المصاب بالخرف، رغم ما عانته من سوء معاملته.

أما سول، فتدفعه الفاجعة إلى مواجهة خيبة الأمل من خيارات اتخذها ابنه الراحل في حياته. وبدورها، تجد لو في هذه المحنة فرصة للتصالح مع نفسها وتقبّل زوج أمها.

ويبلغ الفيلم ذروة تأثيره في ثلثه الأول. ففيه ينجح المخرج، ماورو مولر، وشريكته في كتابة السيناريو، جيني ألين، في تجسيد هول الفاجعة. وينقلان وقع اللحظة التي يستيقظ فيها المرء على نبأ وفاة شخص عزيز في حادث مروّع. ومن وقع تلك الصدمة، ينسجان مشاهد مأساوية مشحونة بالعاطفة. مشاهد تستمد قوّتها من الميلودراما، وتترك أثرًا عميقًا في النفس.

لكن مع تقدّم الأحداث، يبدأ هذا التأثير بالتلاشي. إذ تفقد التحوّلات العاطفية للشخصيات، وبعض الخيارات الإخراجية، قدرتها على الإقناع. ويتجلّى ذلك في مشهد رقص يتوسّط الفيلم ويبدو غريبًا عن أجوائه، ثم في انعطافة نحو قصّة حبّ تقليدية خلال الفصل الأخير.

ويبدو أن هذا المسار الرومانسي استُلهم من الفيلم التلفزيوني Blessed Stranger: After Flight 111، الذي عرضته قناة CTV الكندية في أكتوبر 2000، بعد عامين فقط من وقوع الكارثة.

محتويات خارجية ”غراوندينغ“: الفصل الأخير في حكاية سويس إير

وهنا تبرز مفارقة أخرى. فالفيلم الذي يتحاشى أي إشارة إلى المصير الذي كان ينتظر سويس إير، ربما ما كان ليرى النور لولا النهاية المأساوية التي آلت إليها الشركة.

فمن خلال حكايات إنسانية بسيطة ومعبّرة، لأشخاص عاديين وجدوا أنفسهم في مواجهة أحداث لا يد لهم فيها، يستعيد فيلم”111: أصداء من هاليفاكس“ مأساة هزّت سويسرا وأغرقتها في الحداد. وبهذه المعالجة الدرامية، يبدو اقتفاؤه أثر أحد أنجح الأفلام في تاريخ السينما السويسرية الحديثة واضحًا. وهو”غراوندينغ: الأيام الأخيرة لسويس إير“ (Grounding: The Last Days of Swissair)، الصادر عام 2006.

وقد أخرج فيلم”غراوندينغ“ توبياس فويتر بالاشتراك مع مايكل شتاينر، أحد أبرز المخرجين السويسريين في السينما الجماهيرية. ومن أعماله”مشاغبون على الطريق“ (Rascals on the Road)، و”صحوة موتي فولكنبروخ“ (The Awakening of Motti Wolkenbruch). واعتمد الفيلم النهج السردي نفسه، فجمع بين تتبّع وقائع انهيار سويس إير، وما جرى خلف الكواليس، وحكايات درامية متخيّلة تُبرز أثر تلك الأحداث في حياة أشخاص عاديين.

وقد أحسن الفيلم تقديم نفسه للجمهور بوصفه دراما مشوّقة على الطريقة الهوليوودية، تتتبّع تفاصيل انهيار سويس إير وتكشف خفاياه خطوة بخطوة. وذلك في معالجة سينمائية تليق بسقوط مؤسسة وطنية عريقة طالما اعتزّ بها السويسريون والسويسريات.

وزاد من جاذبية الفيلم حضور كوكبة من أشهر نجوم الشاشة السويسرية، من بينهم هانزبيتر مولر دروسارت، وجيل تشودي، وباسكوالي ألياردي، وشتيفان غوبسر، وهانز هاينتس موزر.

محتويات خارجية

وقد لاقت هذه المعالجة إقبالًا واسعًا من الجمهور، إذ بيع أكثر من 377 ألف تذكرة للفيلم داخل سويسرا، ليحتل المرتبة الثامنة بين أنجح الإنتاجات السينمائية السويسرية منذ عام 1976.

ومع ذلك، لم يكن”غراوندينغ“ أول فيلم سويسري حديث يحقق نجاحًا جماهيريًا واسعًا، ولا أول عمل سويسري يستلهم أساليب هوليوود ويستعين بأدواتها في صناعة التشويق.

لكن ما ميّز”غراوندينغ“ هو مزجه اللافت بين الحكايات الدرامية المتخيّلة والتاريخ الوطني، واستعانته بنجوم معروفين ومعروفات لتجسيد شخصيات عامّة بارزة. فقد أثار أداء مولر دروسارت في دور ماريو كورتي، الرئيس التنفيذي لمجموعة SAirGroup، وجيل تشودي في دور مارسيل أوسبيل، أحد أبرز الشخصيات النافذة في مصرف يو بي إس (UBS)، اهتمامًا واسعًا في الصحافة السينمائية. وبفضل هذه المعالجة، شكّل الفيلم محطّة مهمّة في تطوّر ما يمكن تسميته”طابعًا عالميًا“ في السينما السويسرية.

وبعد عشرين عامًا، يسير فيلم”111: أصداء من هاليفاكس“ على النهج نفسه، إلى حدّ بعيد. لكنّ الحكم على قدرته على تحقيق نجاح جماهيريّ يضاهي نجاح”غراوندينغ“مبكّرًا، ولا سيما أنّه يفتقر إلى أحد أبرز عناصر الجذب في الفيلم السابق، وهو تجسيد ممثّلات وممثلين مشهورين لشخصيات عامة معروفة.

وحتى الآن، لا يعدو الفيلم أن يكون شاهدًا آخر على أن سويس إير، رغم نهايتها المأساوية، ما زالت حاضرة في الذاكرة الثقافية السويسرية.

المزيد المزيد خمسة عشر عاما مرت على انهيار شركة“سويس إير”

تم نشر هذا المحتوى على 02 أكتوبر 2016 “أسطورة وطنية مرّغ أنفها في التراب”: هكذا تفاعلت وسائل الإعلام مع انهيار أحد رموز الإعتزاز الوطني في سويسرا قبل 15 عاما، ومع“وضع حد نهائي لحقبة“سويس إير”. فالإنهيار المفاجئ لأسطول الطيران السويسري الذي كان يحظى بشعبية كبيرة قد ترك أثرا عميقا في البلاد. وتتذكّر كاترين كراوس، إحدى المضيفات السابقات في شركة“سويس إير” عندما...

طالع المزيدخمسة عشر عاما مرت على انهيار شركة“سويس

تحرير: فرجيني مانجان

ترجمة عن الإنجليزية. مراجعة ومعالجة: ريم حسونة

التدقيق اللغوي: لمياء الواد

MENAFN03112026000210011054ID1111907893

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث