أغنيتين في أغنية حين يصبح الطرب حاصل ضرب في اثنين!

(MENAFN- Al-Anbaa)
    «سينك» تراهن على التجديد.. والعود قاد توليفة جمعت الألحان والكلمات في انسجام لافت


ياسر العيلة
في تجربة فنية غير مألوفة، حملت الكثير من الذكاء الموسيقي والدهشة الطربية، شهدت قاعة الشيخ جابر العلي الصباح الموسيقية بمركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، مساء أمس الأول، حفل «أغنيتين في أغنية»، الذي قدم تصورا مبتكرا لإعادة اكتشاف الأغنيات المحبوبة، عبر دمج مقاطع من عملين غنائيين في صياغة واحدة، تلتقي فيها الألحان وتتداخل الكلمات، وكأن الأغنيتين كتبتا ولحنتا لتشكلا عملا واحدا. ولم تكن الفكرة مجرد انتقال من أغنية إلى أخرى، أو جمع لحنين في قالب واحد، بل قامت على اختيار مدروس لأعمال تتقارب في موضوعاتها وقوافيها، وتنسجم في ألحانها وإيقاعاتها، بما يجعل الانتقال بينها سلسا ومقنعا للأذن، ويمنح المستمع متعة اكتشاف علاقة جديدة بين أغنيات يعرفها ويحفظ تفاصيلها.
الحفل، من إنتاج شركة «سينك» للإنتاج الفني، جاء على جزأين تخللتهما استراحة، وضم 18 أغنية بواقع تسع في كل جزء، قدمها أربعة من الأصوات الكويتية الشابة، هم عبدالله طارق وفهد السالم وجاسم بن ثاني وخميس الخميس، بمصاحبة فرقة موسيقية مميزة بقيادة المايسترو د.أحمد العود، أحد الأسماء البارزة في قيادة الفرق الموسيقية على مستوى الخليج والعالم العربي، وسط حضور جماهيري كبير رفع لافتة «كامل العدد».
كانت البداية مع الكورال الذي قدم أغنيتي «قلبي عشقها» و«ياريت فيا أخبيها»، في اختيار بدا أشبه ببطاقة تعريف موسيقية بفكرة الحفل، وسرعان ما تفاعل الجمهور مع هذا المزج الذي وضعه منذ اللحظات الأولى أمام تجربة مختلفة عن المعتاد.
بعدها صعد المطرب خميس الخميس إلى المسرح، مقدما توليفة جمعت بين «أحبك» و«أسهر أيام وليالي»، ثم انتقل إلى «تحدوه البشر»، التي حظيت بتفاعل لافت، قبل أن يواصل التجربة بمزج أغنيتي «ما عليه» و«اللي نساك».
وجاء الدور على المطرب فهد السالم، الذي قدم توليفة جمعت بين «أنتي ملاك» و«رهيب»، ثم أخرى بين «حلم عمري» و«اللي لقى أحبابه»، مستفيدا من التنوع اللحني والتعبيري الذي أتاحته الفكرة، قبل أن يطل المطرب جاسم بن ثاني بتوليفتين، الأولى بين «الله يا خوفي» و«وين رايح»، والثانية بين «خير إن شاء الله» و«جيتك هوى»، لينال أداؤه استحسان الجمهور وتصفيقه.
وقبل نهاية الجزء الأول، جاء دور المطرب عبدالله طارق، الذي قدم ثلاثة أعمال، جمعت الأولى بين «معقولة» و«كل شيء معقول»، والثانية بين «أنا لغيرك» و«رجاوي»، فيما جمعت الثالثة بين «أحبك» و«تذكرني»، لتشعل حماس الحضور وتختتم الجزء الأول بجرعة مكثفة من الطرب والحنين.
من وجهة نظري، تكمن جاذبية «أغنيتين في أغنية» في قدرته على مخاطبة الذاكرة العاطفية للجمهور بطريقة مبتكرة، إذ يتعرف المستمع إلى لحن مألوف ارتبط بمرحلة من حياته أو ذكرى خاصة، قبل أن تفاجئه كلمات أغنية أخرى تتداخل معه في سياق لم يعتده، فيكتشف أن عملين مختلفين يمكن أن يلتقيا في المعنى والإحساس، رغم اختلاف زمن إنتاجهما أو أسلوب تقديمهما.
وهنا تحديدا تكمن متعة التجربة، فهي لا تكتفي باستدعاء الأغنيات المحبوبة، وإنما تعيد تقديمها من زاوية جديدة، تجعل الجمهور ينصت إليها مجددا، وكأنه يكتشف بعض تفاصيلها للمرة الأولى. إنها لعبة موسيقية ذكية تستثمر الألفة من دون أن تقع في فخ التكرار، وتمنح الذاكرة الغنائية مساحة رحبة للتجديد.
وعقب الاستراحة، عاد الجمهور إلى أجواء الحفل بجرعة إضافية من الطرب، فقدم خميس الخميس توليفة جمعت بين «يا خوي» و«يا طيب القلب»، فيما جمع عبدالله طارق بين «معقول» و«بتمون»، ثم بين «قلب خواف» و«لماح»، وواصل جاسم بن ثاني تقديم اختياراته من خلال «للصبر آخر» و«آخر كلام»، قبل أن يجمع بين «تعال» و«لمني بشوق»، فيما تولى فهد السالم مهمة ختام الأمسية، مقدما توليفة بين «صدقيني» و«وينك»، وأخرى بين «قلت رجعت ليه» و«أشوف فيك يوم»، قبل أن يختتم الحفل بمزج «ياما حاولت» و«ولهان»، وسط تصفيق وإعجاب كبيرين من جمهور متنوع الأعمار، جمعه عشق الطرب الجميل.
ويحسب للقائمين على الحفل، وفي مقدمتهم شركة «سينك» المنتجة، حسن اختيار الأغنيات ومدى قابليتها للاندماج في صياغة واحدة، مع مراعاة الانسجام بين الجمل اللحنية والإيقاعات، وصولا إلى انتقالات لا تشعر معها الأذن بوجود فاصل حاد بين العملين.
وفي تقديري، كان التحدي الأكبر يكمن في التوافق بين المقامات الموسيقية التي تقوم عليها الألحان، فلكل مقام خصوصيته التعبيرية وطابعه السمعي، وقد يختلف مقام الأغنية الأولى عن الثانية، ما يتطلب إما اختيار أعمال متقاربة مقاميا، أو إعداد جملة موسيقية انتقالية تمهد للمستمع الانتقال من أجواء لحنية إلى أخرى بسلاسة وتناغم.
أما المطربون الأربعة، فلم يقتصر نجاحهم على جودة أصواتهم أو قدرتهم على أداء الأغنيات منفردة، بل امتد إلى مهارتهم في التعامل مع الانتقالات، وضبط مواضع الدخول والخروج، والمحافظة على التعبير العاطفي للأغنية رغم اختصار مقاطعها، وهي مهمة تحتاج إلى وعي موسيقي وحضور أدائي، حتى لا يتحول الدمج إلى مجرد استعراض للألحان، على حساب روح الأغنية ومعناها.
ما قدمه «أغنيتين في أغنية» يؤكد أن الأغنيات المحبوبة ليست مجرد أعمال ارتبطت بزمنها، بل تمتلك قابلية للتجدد متى وجدت الرؤية الفنية القادرة على إعادة قراءتها وتقديمها بصورة تحترم أصلها وتضيف إليها في الوقت نفسه.
في المحصلة، لم يكن حفل «أغنيتين في أغنية» مجرد أمسية لاستعادة الأغنيات الجميلة، بل تجربة أعادت ترتيب علاقتنا بها، وأثبتت أن التجديد الحقيقي لا يعني التخلي عن الذاكرة، وإنما منحها حياة أخرى.
وعندما تتصافح الألحان بهذا القدر من الذكاء، ويجتمع حسن الاختيار مع الأداء المتقن، يصبح الطرب أكثر من مجرد استعادة للماضي، يصبح اكتشافا جديدا له، وكأننا بالفعل أمام «أغنيتين في أغنية»، وطرب حاصل ضرب في اثنين!

MENAFN29102026000130011022ID1111887552

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث