المسيحيُّ الفلسطينيُّ... أوَّلُ مَن أذَّنَ للثورة بقلم عيسى قراقع

(MENAFN- Palestine News Network ) هؤلاء الإرهابيون المجرمون المتوحِّشون، الذين ارتكبوا مجزرة كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود، في محافظة الكرك بالأردن، يوم 23/10/2026، لا يختلفون عن فرق الإبادة الصهيونية التي دمَّرت غزة، وهدمت الكنائس والمساجد وأحرقتها، وارتكبت أفظع المذابح الإنسانية بحق أهلنا في القطاع. فلا فرق بين مَن دمَّر كنيسة القديس بروفيريوس في غزة وكنيسة جاورجيوس في الأردن، ولا فرق بين مَن يعتدي على المقدسات في القدس وبين هؤلاء القادمين من الظلام.

إنَّ التكفير والاستحلال وإقصاء الآخر ومحوَه من الوجود، تحت شعارات دينية سلفية مشبوهة لا علاقة لها بالدين والإيمان، هي الشعارات اللاهوتية نفسها التي تتبنَّاها الأيديولوجيا الصهيونية لتبرير استعمارها لفلسطين وتشريع الاحتلال. فهذه الرصاصات التي قتلت المصلِّين في الأردن، وحوَّلت دور العبادة إلى أماكن للخوف والحداد، هي الرصاصات نفسها الموجَّهة إلى المصلِّين في المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي، وإلى إنسانية الإنسان، وإلى الملكوت الأعلى في السماء.

إنَّ الداعشيين الذين سفكوا الدماء على بلاط الكنيسة في الأردن لم يقرأوا التاريخ الفلسطيني والعربي والقومي، ولم يعرفوا الثائر والكاتب المسيحي خليل بيدس، الذي كان أوَّل مَن أذَّن للثورة الفلسطينية خلال انتفاضة النبي موسى عام 1920.

إنَّ أصحاب خطاب الفتنة لا يعرفون أنَّ الجمعيات المسيحية الإسلامية كانت من أوائل مَن أرسى دعائم الوطنية الفلسطينية والعروبة، وأسهم في تأسيس الحركة الوطنية الفلسطينية التي قادت الثورات منذ عهد الانتداب البريطاني حتى حرب النكبة عام 1948. ومن خلالها برزت أهمُّ قيادات الشعب الفلسطيني ومفكِّريه، الذين أصبحوا قادةً في منظمة التحرير الفلسطينية، الكيان السياسي والمعنوي للشعب الفلسطيني، بمختلف فئاته وفصائله وطوائفه.

الكاتب والأديب والصحفي الفلسطيني المسيحي الراحل خليل بيدس، صاحب مجلة ((النفائس))، الذي وحَّد الحاضر والماضي والمستقبل، قاد أوائل التحركات الثورية الفلسطينية ضد الانتداب البريطاني ووعد بلفور المشؤوم، خلال احتفالات النبي موسى في مدينة القدس سنة 1920. وكان على رأس مظاهرة ضخمة، ألقى فيها خطابًا هيَّج الجماهير، وأذَّن خلاله للثورة العارمة الضارية ضد سياسة الانتداب، وضد الصهيونية والهجرة اليهودية والاستيلاء على أراضي فلسطين، محذِّرًا من المخاطر الجسيمة التي تهدِّد فلسطين وشعبها وأرضها.

أُلقي القبض على خليل بيدس، وحُكم عليه بالإعدام، وزُجَّ به في سجن عكّا، ثم خُفِّض الحكم إلى خمس عشرة سنة. ولكن، بسبب الاحتجاجات والتظاهرات الرافضة لاعتقاله، أُطلق سراحه بعد أربعة أشهر. وأخذ ينشر في مجلة ((النفائس)) عدة مقالات بعنوان ((حديث السجون))، روى خلالها قصة مشاركته في الانتفاضة الشعبية ضد وعد بلفور وسوقه إلى السجن، وكشف عن الأساليب القمعية التي استخدمها الإنجليز ضد المناضلين العرب السجناء، وعن سياسة التعذيب والإعدامات والمحاكمات الشكلية، وسياسة التمييز في المحاكمات بين العرب واليهود، وغيرها من الممارسات اللاإنسانية.

إنَّ ما كتبه بيدس في ((حديث السجون)) يعطينا صورةً عن واقع الأسرى الفلسطينيين في الوقت الحاضر؛ حيث ورث الاحتلال الإسرائيلي القوانين البريطانية الجائرة، وفي مقدمتها قانون الاعتقال الإداري، كما ورث عنها أساليب المعاملة المذلَّة والتعسفية تجاه الأسرى، وسياسة التمييز العنصري في المحاكمات.

شعرتُ بأنَّ بيدس لا يزال يعيش في السجن، يصرخ ويدقُّ على الجدران. هناك تحالف وتكامل بين الأحياء والأموات، وبين الماضي والحاضر، منذ بداية النضال الوطني الفلسطيني من أجل الكرامة والحرية. فلا يزال الفلسطينيون يقبعون في السجون ويرسفون في القيود؛ يموتون كثيرًا، ويجوعون كثيرًا، ويتعطَّشون إلى الحرية.

المفكِّر المسيحي الأرثوذكسي الفلسطيني خليل بيدس، كان رأسه دائمًا يتأرجح على حبل المشنقة بسبب مواقفه الرافضة للذل والاستعمار. فعند انطلاق الثورة العربية الكبرى في 10 حزيران 1916 ضد الحكم التركي، حُكم عليه بالإعدام، لكنه لجأ إلى البطريركية الأرثوذكسية في القدس، فحماه البطريرك وأنقذه من المشنقة.

اعتُبر خليل بيدس أوَّل سفير للأدب الروسي في الثقافة العربية، ورائد القصة الحديثة بلا منازع في فلسطين. وقد تصدَّى في مقالاته ومواقفه لسياسة الإنجليز، وللمخاطر المترتبة على التغلغل الصهيوني في فلسطين. ولعب دورًا نشطًا في تأسيس الروابط والجمعيات الإسلامية المسيحية وقيادتها. ورفض العمل في المؤسسات التي تشرف عليها سلطات الانتداب البريطاني، قائلًا: ((أنا لا أُباع، كما لا تُباع نفسي وقلبي)).

ولا يزال بيدس يؤذِّن في القدس للثورة ضد المستوطنين وسياسة الاستيطان والتهويد والاعتداءات المستمرة على الأماكن المقدسة.

لقد تحوَّلت الفكرة الصهيونية، في زمن بيدس، إلى دولة صهيونية، وورث الاحتلال الإسرائيلي السجن البريطاني؛ فالزنزانة هي الزنزانة نفسها، والسجَّان هو السجَّان نفسه. وخليل بيدس لا يزال في السجن مع آلاف الأسرى. فمَن يحاول اليوم تجسير المسافة بين الماضي والحاضر؟ مَن ينعش الذاكرة والفكرة، ويترجم أحلام بيدس وصوته الثائر؟ مَن يطلق سراحه ويفكُّ قيوده، ليتمكَّن من جديد من قرع الأجراس وطرد ثقافة الفتنة والإقصاء؟

إنَّ الفلسطيني لا يتحدَّد بدينه وطائفته، بل بالقيم الكفاحية والنضالية التي مارسها الفلسطينيون منذ وعيهم بالمشروع الصهيوني حتى اليوم. فلم يُسجن بيدس ويقاوم الانتداب البريطاني والاستعمار الصهيوني دفاعًا عن كنيسته، كما أنَّ مروان البرغوثي، الذي يقضي أكثر من ربع قرن من عمره داخل السجن، لا يفعل ذلك دفاعًا عن مسجده. لقد ناضل الاثنان دفاعًا عن فلسطين، الوطن والحرية والكرامة والتعايش المشترك.

وانتفض شيخ الصحفيين وأبو فلسطين، نجيب نصّار، في مجلته ((الكرمل))، لا لأنه مسيحي، بل لأنه أدرك الخطر المحدق بفلسطين، فصرخ بصوته النبوي في رسالته المشهورة إلى البابا بيوس الحادي عشر، محذِّرًا من الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، قائلًا: ((إذا كان العرش البابوي قائمًا في روما، فدعائمه في فلسطين. فلسطين النصرانية تتحوَّل بسرعة إلى يهودية خالية من النصارى والمسلمين)). ودعا إلى الصمود والبقاء، لأنَّ كنيسة فلسطين ستبقى كنيسة بشر لا حجر.

وكما قال الشاعر إسكندر الخوري:
ليس فينا عيسويٌّ أو مسلمُ
واحدٌ نحن، ألا فليعلموا
دينُنا أوطانُنا، فليفهموا
أننا عربٌ تحاشينا الفتنَ

المسيحيون ملح الأرض، وإن كان هذا الملح قليلًا، فإنَّ الوطن لن يكون وطنًا من دون هذا الملح القليل، كما قال الدكتور شارلي أبو سعدى. ولهذا، التقى بيدس في السجن الإنجليزي بالأسير المطران كبوتشي في السجن الإسرائيلي، وقرأ على حائط زنزانته: ((سيدي المسيح، من بعدك أعبد فلسطين)).

والتقى بيدس أيضًا بالأسيرة المحررة تريزا هلسة، ابنة مدينة الكرك، ولينا طنوس، وعطا الله أبو غطاس، ومهيب عواد، وحنان مسيح، والمئات من الأسرى المسيحيين. جميعهم حملوا الصليب الثقيل ولاهوت الثورة، وساروا على طريق الجلجلة.

خليل بيدس شاهدٌ على المشاركة الفلسطينية المسيحية العميقة في النضال التحرري والوطني والثقافي، من أجل استعادة الكرامة المسلوبة. ولا يزال يسمع صوت المطران يوسف ريا وهو يقول: ((شعبي يُضطهد، وشعبي يحمل صليب المسيح ويمشي)). ويرى بيدس علم فلسطين يرفرف فوق مبنى الفاتيكان في روما، التي اعترفت بدولة فلسطين.

وقد رأى الجميع بيدس يتوجَّه مع الناس، في أعياد الميلاد، لزيارة قبر المجاهد المسيحي الفلسطيني أنطون داود التلحمي، الذي قام بعدة عمليات عسكرية ضد الوجود الصهيوني عام 1948، منها تفجير دار الوكالة الصهيونية في القدس. كما يرسل السلام والتحية إلى أرواح المناضلين الأب إبراهيم عياد، والفدائي الشهيد كمال ناصر، وجبرا إبراهيم جبرا. ويطول السلام، لأنَّ الأسماء كثيرة، وتطول الصلاة.

صوت الكنيسة عالٍ، ويُسمع ليس في الصلاة فحسب، بل في جميع المجالات. فالكنيسة تكبِّر للثورة والحرية، والراهبات والرهبان يواجهون البطش الإسرائيلي.

وفي كنيسة المهد، التي حوصرت أربعين يومًا، كان هناك الموت والصمود والصلاة المقدسة؛ سقط شهداء، وقُتل كهنة، وسُجن مطارنة ومفكرون وأُبعدوا. وكان الأب إبراهيم فلتس ينقل جثث الشهداء من داخل الكنيسة تارةً، وينقل الخبز إلى المحاصرين تارةً أخرى.

وكانت أسمى طوبي، رئيسة جمعية الشابات الأرثوذكسيات في عكّا، تشارك سميحة خليل، رئيسة جمعية إنعاش الأسرة في رام الله، في دعم الفقراء وأهالي الأسرى والجرحى والمنكوبين وأسر الشهداء ومساندتهم.

في فلسطين، الإنجيل يقاتل؛ هذا الإنجيل الذي ظلَّ، عبر تاريخ البشرية، يحمل خميرة الحرية والتقدم، ويجسِّد الخلاص الذي تحدَّث عنه الأب ميشيل صباح: الخلاص من الاحتلال، مصدر الشرور كلها، وجرثومة الموت المصنوع بما يحمله من ظلم وانتهاك للحرمات.

هواءُ مئذنةِ الجامعِ يُحرِّكُهُ صنوبرُ الكنيسةِ...

مسيحيونَ، مسلمونَ، فلسطينيونَ...

الصلواتُ، والصمودُ، والوحدةُ، والحقيقةُ.

MENAFN28102026000205011050ID1111877477

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث