سرّ حيّر العلماء.. ماذا كشف جسد معمّرة عاشت 117 عاماً؟
وُلدت برانياس في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية عام 1907، وتوفيت في إقليم كتالونيا الإسباني في أغسطس 2024، عن عمر بلغ 117 عاما و168 يوما، بعدما أصبحت أكبر شخص على قيد الحياة في العالم وفقا للسجلات الموثقة آنذاك.
وقبل وفاتها، وافقت على إتاحة عينات بيولوجية للباحثين بهدف إجراء تحليل شامل لمجموعة واسعة من المؤشرات الجينية والجزيئية والمناعية، في محاولة لفهم ما قد يميز أجساد الأشخاص الذين يبلغون أعمارا استثنائية.
وأشرف مانييل إستيلر، من معهد جوزيب كاريراس لأبحاث سرطان الدم، على الفريق البحثي، فيما تولى إلوي سانتوس دور الباحث الرئيسي.
وشملت التحليلات دراسة الجينات والتغيرات فوق الجينية والبروتينات والمستقلبات والحمض النووي الريبي والميكروبات المعوية، في واحدة من أكثر الدراسات البيولوجية شمولا التي أُجريت على معمّرة تجاوزت 110 أعوام.
جسد يحمل علامات الشيخوخة والشباب معا
لم تكشف النتائج عن جسد قاوم الشيخوخة بصورة متجانسة، كما قد يتوقع البعض، بل أظهرت صورة أكثر تعقيدا.
فمن جهة، رصد الباحثون علامات واضحة للتقدم الشديد في العمر، أبرزها قِصر التيلوميرات، وهي تراكيب واقية تقع عند نهايات الكروموسومات، وتتناقص أطوالها عادةً مع انقسام الخلايا والتقدم في السن.
كما أظهرت المؤشرات المناعية سمات مرتبطة بالشيخوخة والالتهاب، إلى جانب وجود ظاهرة تُعرف باسم "تكوّن الدم النسيلي"، تحدث عندما تتراكم طفرات جينية في الخلايا الجذعية المكوّنة للدم، ما يمنح بعض مجموعات الخلايا أفضلية في التكاثر، وترتبط هذه الظاهرة بارتفاع مخاطر الإصابة بسرطان الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية.
لكن الصورة لم تكن قاتمة بالكامل، إذ أظهرت مؤشرات أخرى نتائج مفاجئة.
فقد أشارت الساعات فوق الجينية، وهي أدوات تعتمد على أنماط مثيلة الحمض النووي لتقدير العمر البيولوجي، إلى أن بعض خلايا برانياس بدت أصغر بيولوجياً بنحو 23 عاما من عمرها الزمني، كما احتفظت مناطق متكررة من حمضها النووي بأنماط تنظيمية ترتبط عادةً بأعمار أصغر.
وتشير هذه النتائج إلى أن الشيخوخة قد لا تسير بالوتيرة نفسها في جميع الأنظمة البيولوجية داخل الجسم، فقد تتقدم بعض الوظائف في العمر بصورة واضحة، بينما تحتفظ وظائف أخرى بسمات أقرب إلى الشباب.
ويرى إستيلر أن هذه الحالة تعكس ازدواجية لافتة، تتمثل في اجتماع مؤشرات الشيخوخة المتقدمة مع مؤشرات ترتبط بطول العمر الصحي، وقد يعني ذلك أن العيش لعمر استثنائي والحفاظ على الصحة ليسا بالضرورة نتيجتين لآلية بيولوجية واحدة.
هل يحمل ميكروبيوم الأمعاء مفتاح طول العمر؟
لم تتوقف النتائج عند الجينات والخلايا، بل امتدت إلى ميكروبيوم الأمعاء، أي مجتمع الكائنات الدقيقة التي تعيش داخل الجهاز الهضمي وتؤدي أدوارا مهمة في الصحة والتمثيل الغذائي والمناعة.
وأظهرت العينات مستويات مرتفعة من بكتيريا "بيفيدوباكتيريوم" (Bifidobacterium)، وهي مجموعة بكتيرية توجد بمعدلات مرتفعة نسبيا لدى صغار السن، وتميل إلى التراجع مع التقدم في العمر، وقد يحتفظ بعض المعمّرين بها، لكنها أقل شيوعا لدى من تجاوزوا 110 أعوام.
وكانت برانياس تتناول ثلاثة أنواع أو حصص من الزبادي يوميا، الأمر الذي دفع الباحثين إلى طرح احتمال وجود علاقة بين نظامها الغذائي وتركيبة الميكروبات المعوية لديها.
وأشار إستيلر، في حديث إلى مجلة "نيو ساينتست"، إلى أن التدخلات الغذائية قد تؤثر في طول العمر من خلال ميكروبيوم الأمعاء.
ولا تزال هذه الفكرة فرضية تحتاج إلى اختبار، فالدراسة لم تثبت أن تناول الزبادي هو السبب المباشر وراء ارتفاع مستويات هذه البكتيريا، كما لم تتتبع التغيرات التي طرأت على ميكروبيوم برانياس على مدار حياتها.
ويتطلب التحقق من هذه العلاقة إجراء دراسات طويلة الأمد ومضبوطة، تقارن بين مجموعات مختلفة وتفحص أثر النظام الغذائي في الميكروبات المعوية والصحة مع مرور الوقت.
نتائج واعدة.. لكن التعميم لا يزال مبكرا
رغم أهمية النتائج، فإن الباحثين يقرّون بوجود قيود أساسية، أبرزها أن الدراسة أُجريت على شخص واحد، وهو ما لا يسمح بتعميم النتائج على جميع المعمّرين أو اعتبار المؤشرات المكتشفة تفسيرا مؤكدا لطول العمر.
وفي هذا السياق، أشار ريتشارد فاراغر، المتخصص في بيولوجيا الشيخوخة بجامعة برايتون، إلى أن تعزيز فرضية وجود أساس وراثي أو عائلي لطول عمر برانياس يتطلب فحص أعمار أفراد آخرين من عائلتها، لمعرفة ما إذا كانوا قد عاشوا بدورهم أعمارا استثنائية.
وكانت برانياس نفسها تعزو طول عمرها إلى الحظ والجينات الجيدة.
كما اعتمدت الدراسة على تحليل العينات بصورة إجمالية، بدلا من فحص كل خلية على حدة، ولم تشمل جميع السمات المعروفة للشيخوخة، ولذلك، يرى الباحثون أن الخطوة التالية تتمثل في إجراء دراسات مماثلة على مجموعات أكبر من المعمّرين، مع استخدام تقنيات أكثر دقة لفهم الاختلافات بين الخلايا والأنظمة البيولوجية.
الشيخوخة ليست مسارا واحدا
تسلط حالة ماريا برانياس موريرا الضوء على حقيقة علمية مهمة وهي أن جميع أنظمة الجسم لا تتغير بالسرعة نفسها مع التقدم في العمر، وقد تتعايش علامات التدهور البيولوجي مع مؤشرات على الاحتفاظ ببعض الخصائص المرتبطة بالشباب.
ولا تعني هذه النتائج أن العلماء اكتشفوا وصفة لإطالة العمر، أو أن الزبادي وحده قادر على تحقيق ذلك، لكنها تقدم فرصة لفهم أفضل للعوامل الجينية والمناعية والغذائية التي قد ترتبط بالعيش سنوات طويلة مع الحفاظ على الصحة.
ويبقى التحدي أمام الباحثين هو تحديد أي من هذه المؤشرات يرتبط فعلا بطول العمر الصحي، وأيها مجرد سمة مصاحبة له، وهي خطوة قد تسهم مستقبلا في تطوير استراتيجيات أكثر دقة للوقاية من الأمراض المرتبطة بالشيخوخة وتحسين جودة الحياة في مراحل العمر المتقدمة.
- ماريا برانياس معمّرة معمرين العمر الطويل الصحة الصحة الأيضية الصحة النفسية
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment