جنينٌ في جنين... أو حين يصير الطفلُ مدينةً وتصير المدينةُ طفلاً بقلم نسيم قبها
بين الطفل والمدينة، تتشكّل معادلة الوجود الفلسطيني كاملةً: أن تكونَ جنيناً في بطن أمك، ثم تصيرَ جنيناً في بطن التاريخ، فلا تكبر إلا لتحملَ مدينةً بأكملها في صدرك. وكأن الفلسطينيَّ محكومٌ عليه أن يولد طفلاً، ثم يكتشفَ أنه وُلد مدينةً، وأن مدينته وُلدت طفلاً يحتاجُ من يحميه. هنا يتكشّفُ البعدُ الفلسفيُّ الأعمق: أن الوجودَ الفلسطينيَّ ليس وجوداً في المكان، بل وجودٌ بالمكان؛ لا يسكنُ المدينةَ كما يسكنُ الإنسانُ بيته، بل يحملُها كما تحملُ الأمُّ جنينها. فالمدينةُ ليست خارجَ الذات، بل هي الذاتُ نفسها وقد اتخذت شكلَ حجرٍ وزيتونةٍ وطفل.
وقد كان دوري كما أعتقد ، أن أُدهشَ الحضورَ لا بالحكاية، بل بالكشف عن هذه المفارقة: أن الطفلَ والمدينةَ ليسا كيانين منفصلين، بل هما وجهان لحقيقة واحدة، حقيقةُ شعبٍ يُصرُّ على أن يبقى جنيناً في ذاكرة الأرض، وأرضاً في ذاكرة الجنين. حين قرأتُ مقاطعَ من الرواية، لم أكن أروي قصةً، بل كنتُ أفتحُ نافذةً على سؤالٍ أنطولوجي: كيف يمكنُ لكائنٍ أن يكونَ وطناً وهو مُحاطٌ بمحاولات محوه؟ والإجابةُ كانت في العنوان نفسه: ((جنين في جنين)) - الطفلُ يحملُ المدينة، والمدينةُ تحملُ الطفل، في حلقةٍ وجوديةٍ لا تنكسر.
قال لي الأستاذ المرعبي إن الرسالة التي وصلت للحضور كانت ((فلسطين كلَّ فلسطين)). وهنا تكشّف المعنى: أن تكتبَ عن طفلٍ في جنين يعني أن تكتبَ عن كل طفلٍ في كل قرية ومدينة، عن كل حجرٍ يحملُ اسماً، وكل زيتونةٍ تحفظُ نسبها. فليس البقاءُ عدداً ولا خريطةً ولا اتفاقاً؛ البقاءُ أن يظلّ الطفلُ يُولد، وأن تظلّ المدينةُ تُكتب، وأن يبقى الحرفُ واقفاً حين تنحني السيوف. ما أدهشني في ذلك اللقاء أن الحضور لم يصفّقوا للرواية بقدر ما صفّقوا للحقيقة التي حملتها: أن فلسطين تُكتب لتُبقى، وأن جنينَ ليست مدينةً على الخريطة فقط، بل حالةُ وعيٍ تُفتح بالجيم في كل مرة يقرر فيها إنسانٌ أن يقول: أنا هنا، ولن أذهب.
وهكذا، بين طفلٍ يُفتح بالجيم ومدينةٍ تُكسر، تعلّمُنا جنين أن الوجود ليس ما يمنحه الآخرون، بل ما نكتبه نحن بمداد الروح، ونصمّد به الجرح بالحكاية.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment