هل تستطيع بريطانيا إصلاح نظام الرفاه الاجتماعي؟

(MENAFN- Al-Bayan) كاميلا كافنديش
وكأن سداً قد انهار، ولا تزال العناوين تتوالى. فأسطول المستفيدين من إعانات الإعاقة في بريطانيا يضم أطفالاً في سن السابعة يفوق عددهم أفراد الفئة العمرية البالغة 50 عاماً. وهناك مليون شاب خارج نطاق العمل أو التعليم أو التدريب. والإنفاق على إعانة واحدة فقط، وهي مدفوعات الاستقلالية الشخصية لذوي الإعاقة (Pip)، سينمو بأكثر من الضعف خلال هذا العقد إلى 40 مليار استرليني. لقد تحولت بريطانيا إلى حالة استثنائية؛ إذ لم تقترب أي دولة من معدل ارتفاع طلبات الإعانات المرتبطة بالصحة لدينا منذ الجائحة سوى الدنمارك، وبنسبة زيادة لم تتجاوز نصف النسبة البريطانية، وفقاً لتقرير ((مركز العدالة الاجتماعية)).
وتؤكد مراكز الفكر والمؤسسات البحثية عبر مختلف الأطياف السياسية أن فاتورة الرفاه الاجتماعي أصبحت غير مستدامة، وأن النظام الحالي يستبعد أعداداً هائلة من القوى العاملة. وكشفت ((مؤسسة ريزوليوشن)) (Resolution Foundation) عن صرف مدفوعات نقدية لأفراد يقرون بأن إعاقاتهم لا تتطلب تكاليف إضافية، داعية إلى إرساء معايير تقييم أكثر دقة وحصافة.
قد تبدو هذه التحديات مستعصية، غير أن العقد الذي سبق الجائحة يثبت أن التغيير ممكن. فقد بني نظام أفضل بكثير بشق الأنفس سابقاً، ونجح في توفير المال وإعادة أعداد غفيرة إلى سوق العمل. ومع ذلك، ورغم دراسة وزير الخزانة ورئيس الوزراء لخيارات ميزانية صعبة للغاية، يستبعد أن يحتل إصلاح نظام الرفاه مكاناً بارزاً في جدول الأعمال. فقد واجه السير كيرستارمر رفضاً من نواب حزبه في محاولته لإبطاء معدل نمو مدفوعات إعانة الإعاقة (Pip) فقط. وستكون الأيام المقبلة اختباراً حقيقياً لرئاسة أندي برنهام للوزارة، ومدى قدرته على إقناع حزب العمال بإجراء تعديلات، ولو طفيفة، على حجم إنفاق خرج عن السيطرة.
إن ثقافة الاعتماد طويل الأجل على الإعانات الاجتماعية اليوم تبتعد كثيراً عما تصوره السير ويليام بيفريدج عام 1942. فقد قام نظام الرفاه الاجتماعي بعد الحرب العالمية الثانية على رؤيته المتمثلة في سداد المواطنين لاشتراكات التأمين الوطني تحسباً لأي اعتلال صحي مستقبلي أو بطالة أو بلوغ سن التقاعد، في بناء بسيط وواضح. لكن نظام اليوم تحول إلى غول من التعقيدات تراكمت فوقه طبقات من الإعانات المشروطة وشروط متداخلة. ويرجع ذلك جزئياً لارتفاع معدلات البطالة بين الرجال وزيادة أسر العائل الوحيد، ما يعني عجز الجميع عن ((الدفع المسبق)). إضافة إلى ابتكار الحكومات المتعاقبة برامج جديدة إما لحل مشكلات مباشرة أو استرضاءً لفئات مستفيدة. وفي النهاية أصبح التأهل لإعانة ما يمنح استحقاقاً آلياً لإعانات أخرى، حتى أصبح تسيير هذا النظام وحده يكلف نحو 10 مليارات استرليني سنوياً.
بدأت المحاولات الجادة لاستعادة الضبط عام 2006، عندما كلفت حكومة توني بلير اللورد فرود بوضع مقترحات جذرية لتشجيع 2.7 مليون شخص يستفيدون من إعانات العجز عن العمل على إيجاد وظائف. وعندما تولى ديفيد كاميرون السلطة عام 2010، كان وزير الرفاه الاجتماعي إيان دونكان سميث يعمل منذ سنوات على خطة إصلاح طموحة تجعل العمل مجدياً مالياً وتقلل تعقيد النظام عبر دمج 6 إعانات في برنامج ((الائتمان الشامل)). وكان طلب هذا الائتمان يتطلب إثبات البحث الجاد عن عمل.
وأثبتت النتائج حينها ما يمكن تحقيقه. إذ انخفضت بطالة الشباب إلى النصف خلال الفترة من 2010 إلى 2018. وانخفض عدد الأسر المتعطل كل أفرادها عن العمل، إلى أدنى مستوياته التاريخية عام 2019 بنسبة 13.5 %، مقارنة بـ 20.9 % عام 1996. مع تراجع عدد الأطفال الذين ينشؤون في منازل بلا معيل بنحو ثلاثة أرباع المليون. وبين عامي 2013 و2019، ارتفع عدد الأشخاص ذوي الإعاقة المنخرطين في سوق العمل بأكثر من 1.3 مليون شخص. ورغم أن العديد من الإصلاحات لم تكتمل، مثل تطوير نظام الإجازات المرضية الذي واجه مقاومة شرسة من الأطباء. إلا أن معدل التوظيف في المملكة المتحدة شهد نمواً ملحوظاً وحقق مستويات متقدمة مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى.
ثم جاءت الجائحة لتشهد ارتفاعاً حاداً في طلبات الإعانات، خصوصاً المرتبطة بالحالات النفسية. وكان التراجع عن إجراء التقييمات بشكل مباشر بمثابة تقصير صريح في أداء الواجب من حكومة بوريس جونسون، حين تم السماح لمن يقيّمون الحالات الصحية بالعمل من المنازل.
ثم جاء بات ماكفادين، وزير العمل والمعاشات الحالي، وتعهد برفع نسبة التقييمات المباشرة لإعانة الإعاقة (Pip) من 6 % عام 2024 إلى 30 %. وهو إجراء كان ينبغي ألا نصل إلى مرحلة الحاجة للالتزام به أساساً. ويواجه ماكفادين جداراً من المشكلات، يقع جزء منها داخل حزبه نفسه المعارض لتشديد معايير الحصول على إعانة الإعاقة.
وعقد ماكفادين وآلان ميلبورن، وزير الصحة البريطاني الأسبق، الذي كشف تقريره المرحلي أن نحو 7 من كل 10 شباب يستفيدون من إعانات الصحة والإعاقة يستمرون في الحصول عليها بعد مرور عقد من الزمن، اجتماعات متكررة مع نواب. وأرجأت رئاسة الوزراء التقرير النهائي لميلبورن إلى ما بعد إقرار الميزانية، لعلمها بحاجته لإنفاق أولي لتأهيل الشباب ودمجهم في الوظائف، وتجنباً لإجراء ما وصفه رئيس الوزراء بـ ((التقليصات العشوائية)).
وكان الراحل فرانك فيلد، النائب العمالي السابق عن بيركنهيد، أول من أشار لي منذ فترة طويلة إلى أن اختبارات الدخل قد تخلق حوافز عكسية ضارة. وبحكم عمله مديراً لجمعية ((مكافحة فقر الأطفال))، كان مناضلاً طويلاً ضد الفقر ومؤمناً بدقة العمل وغايته. كما كان يدرك حجم استياء أبناء الدوائر العمالية من الأفراد الذين يدعون المرض للاستفادة من الإعانات، بينما يصارعون هم للاستمرار في أعمالهم الشاقة. لقد انحرفت حوافزنا عن مسارها الصحيح.
إن العقد الاجتماعي الصادر بعد الحرب العالمية الثانية يتداعى اليوم، وهذه القضايا أعلى وأهم من أن تهدرها المناكفات الحزبية الضيقة. ولم يعلن برنهام بعد ما إذا كان سيحاول حث حزبه على مواجهة تحدي الرفاه الاجتماعي، لكنه إن لم يفعل ذلك، فسيبقى أسيراً له.

MENAFN18102026000110011019ID1111827720

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث