"Carrie".. حين يتحول التنمر إلى رعب جماعي
ثمة شيء مخيف في قصة كاري وايت، لا يتعلق بقدرتها على تحريك الأشياء بقوة عقلها، ولا بما يحدث في ليلة الحفلة المدرسية. المخيف أكثر هو أن الفتاة التي تنتهي قصتها بالدمار كانت، قبل ذلك، تحاول أن تجد مكاناً عادياً في عالم لا يمنحها فرصة حقيقية للعيش بسلام.
في نسخته التلفزيونية الجديدة، يفتح المخرج والكاتب مايك فلاناغان باباً آخر لحكاية ((Carrie))، المقتبسة من رواية ستيفن كينغ الصادرة عام 1974. المسلسل، المؤلف من ثماني حلقات والمتاح على منصة Prime Video، يعيد الحكاية إلى زمن الهواتف الذكية وحسابات التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد التنمر محصوراً في ساحة المدرسة، بل أصبح قادراً على ملاحقة الضحية إلى منزلها، وتوسيع دائرة المتفرجين، وتحويل الإذلال الشخصي إلى مادة يتداولها الآخرون بلا اكتراث.
كاري، التي تؤدي دورها سمر إتش. هاول، فتاة عاشت في عزلة طويلة تحت سلطة أم متدينة ومفرطة في الحماية. وحين تنتقل إلى المدرسة، تجد نفسها أمام عالم اجتماعي لا تعرف قواعده جيداً، ولا تمتلك الأدوات التي تساعدها على مواجهة قسوته. ما يبدو للآخرين مزاحاً عابراً أو فرصة للضحك يصبح بالنسبة إليها تجربة متراكمة من الخوف والإهانة.
هنا تكمن إحدى نقاط قوة المسلسل. فهو لا يتعامل مع التنمر باعتباره مشاجرات بين مراهقين، بل يلاحق الطريقة التي تتراكم بها الأفعال الصغيرة حتى تتحول إلى أزمة كبيرة. كلمة جارحة، صورة تُنشر بقصد السخرية، مجموعة تتواطأ على إقصاء فتاة، وإدارة مدرسية تحاول احتواء المشكلة من دون أن تفهم حجم الضرر الذي وقع بالفعل.
لقد تغيرت أدوات الإيذاء منذ رواية كينغ، لكن منطقها لم يتغير كثيراً. في السابق، كان يمكن للضحية أن تغادر المدرسة وتعود إلى بيتها بحثاً عن بعض الهدوء. اليوم، تستطيع مجموعة من الطلاب نقل الإهانة إلى فضاء رقمي مفتوح، حيث تتضاعف المشاهدات، ويصبح حذف المنشور غير كافٍ لمحو أثره. الصورة قد تبقى، والتعليقات قد تستمر، والضحك الذي بدأ في غرفة الدراسة يتحول إلى عبء يرافق صاحبه طوال اليوم.
الرعب الحقيقي يحدث قبل ظهور القوى الخارقة.
هذه الفكرة تمنح المسلسل صلة مباشرة بالحياة اليومية، وتجعل المشاهد يتساءل عن مسؤولية المحيطين بكاري. فالمتنمر الأساسي لا يعمل وحده دائماً، والطلاب الذين يراقبون ما يحدث من دون تدخل يساهمون، بدرجات مختلفة، في استمرار الأذى. أما الكبار، فغالباً ما يتحركون بعد أن تتفاقم الأزمة، حين يصبح الضرر مرئياً ويصعب تجاهله.
لكن العمل لا يقدم جميع شخصياته بالطريقة نفسها التي عرفناها في النسخ السابقة. الأم مارغريت، التي تؤدي دورها سامانثا سلويان، تظهر بشخصية أكثر تعقيداً من صورة الأم المتعصبة التي تختصر علاقتها بابنتها في القمع والعقاب. هناك خوف حقيقي على كاري، وحب تختلط به السيطرة، وماضٍ يؤثر في الطريقة التي تفهم بها الأم العالم. لا يلغي ذلك مسؤوليتها عن الأذى الذي تتسبب فيه، لكنه يجعل العلاقة بينهما أكثر إنسانية وأشد التباساً.
وهذه واحدة من المسائل التي ينجح المسلسل في الاقتراب منها: قد يأتي الأذى من أشخاص يعتقدون أنهم يحمون من يحبون، وقد تتحول الرعاية إلى شكل من أشكال العزل عندما تقوم على الخوف ورفض استقلال الابن أو الابنة. كاري لا تواجه المدرسة وحدها، بل تحاول أيضاً اكتشاف ذاتها بعيداً عن صورة رسمتها لها أمها قبل أن تتاح لها فرصة التعرف إلى نفسها.
في المقابل، يمنح المسلسل بعض الشخصيات التي تمارس التنمر مساحة لفهم دوافعها. وهذه خطوة مفيدة ما دامت تفسر السلوك ولا تبرره. معرفة الأسباب التي تدفع شخصاً إلى القسوة لا تعفيه من المسؤولية، كما أن فهم الضغوط التي يعيشها المراهق لا يعني التساهل مع ما يفعله بالآخرين.
المشكلة أن التعاطف، حين يصبح الوسيلة الأساسية لفهم كل شخصية، قد يخفف أحياناً من وضوح المسؤولية الأخلاقية. يستطيع المشاهد أن يفهم ماضي المتنمر، وأن يرى هشاشته أو مشكلاته العائلية، لكنه يحتاج أيضاً إلى أن يرى بوضوح اختياراته والضرر الذي أحدثه. ليس كل من يعاني ضحية في علاقته بالآخرين، وليس كل من تعرض للأذى معفياً من المسؤولية عن ردود أفعاله.
وهنا يواجه ((Carrie)) تحدياً أساسياً في إعادة صياغة الرواية. فالقصة الأصلية لا تقوم فقط على فتاة مظلومة تكتشف امتلاكها قدرات استثنائية، بل على لحظة ينقلب فيها موقع الضحية إلى قوة مدمرة. التعاطف مع كاري لا يقتضي تجاهل ما يحدث عندما يتحول الغضب إلى عنف، ولا يجعل الانتقام نهاية عادلة لما تعرضت له.
العمل الجديد يوسع الحكاية بإضافة شخصيات ومسارات تتجاوز النص الأصلي، وهو ما يمنحه مساحة لاستكشاف عالم كاري بتفاصيل أكثر، لكنه يشتت التركيز أحياناً عن جوهر المأساة. فكلما توسعت الحكاية في تفسير القوى الخارقة وبناء عالم أوسع حولها، ازدادت الحاجة إلى حماية السؤال الإنساني الذي جعل قصة كاري مؤثرة منذ البداية: ماذا يحدث للإنسان عندما يُحاصر طويلاً في موقع الضعف، ثم يحصل فجأة على القوة التي لم يمتلكها من قبل؟
الإجابة ليست بسيطة. فالقوة لا تعالج بالضرورة الجرح الذي سبقها، وقد تمنح صاحبها وسيلة للانتقام من دون أن تمنحه القدرة على استعادة ما فقده. كاري تستطيع تغيير ما حولها، لكنها لا تستطيع بسهولة العودة إلى الفتاة التي كانتها قبل الإذلال، ولا محو التجربة التي صنعت علاقتها بنفسها وبالآخرين.
لهذا السبب، تبدو المدرسة في المسلسل أكثر من مجرد مكان تدور فيه الأحداث. إنها نموذج مصغر لمجتمع يتسامح مع الإهانة ما دامت لا تعطل حياته اليومية، ثم يفاجأ عندما تنفجر الأزمة. الجميع يريد أن يصدق أن ما حدث كان مفاجئاً، لأن الاعتراف بتراكم الأسباب يعني الاعتراف بأن بعض الإشارات كانت واضحة، وأن التدخل المبكر كان ممكناً.
تكتسب هذه القراءة أهمية إضافية في زمن أصبحت فيه حياة المراهقين مرتبطة بحضور رقمي دائم. فالمكانة الاجتماعية تُقاس أحياناً بعدد المتابعين والتفاعلات، والقبول يتحول إلى منافسة علنية، والخصوصية تصبح قابلة للانتهاك بضغطة زر. لم يعد السؤال متعلقاً فقط بما يقوله الطلاب لبعضهم داخل المدرسة، بل بما يستطيعون نشره، ومن يشارك في نشره، وكيف يتعامل المحيطون بهم مع الإهانة عندما تتحول إلى محتوى.
ومع ذلك، لا ينبغي تحميل التكنولوجيا وحدها مسؤولية ما يحدث. فالمنصات توفر أدوات جديدة للتنمر، لكنها لا تخلق من العدم الرغبة في السيطرة أو الإذلال أو استعراض القوة أمام الآخرين. المشكلة أقدم من الهواتف، وإن كانت الهواتف قد جعلتها أسرع انتشاراً وأطول عمراً. وما يحتاج إلى التغيير هو أيضاً ثقافة اجتماعية تعتبر السخرية القاسية دليلاً على القوة، وتتعامل مع حساسية الضحية باعتبارها ضعفاً يستحق المزيد من الاستهداف.
قد لا يكون ((Carrie)) خالياً من المبالغة، وقد تبدو بعض الإضافات أقل إقناعاً من الخط الدرامي الذي يربط العزلة بالتنمر والانفجار النفسي. لكن أهميته لا تتوقف على نجاحه في تقديم مشاهد الرعب، بل على قدرته على إعادة توجيه النظر إلى ما يسبقها.
فالدمار الذي نراه في النهاية لا يبدأ في تلك اللحظة. إنه يبدأ حين يقرر شخص أن إذلال الآخر أمر مسلٍّ، وحين يكتشف أن المحيطين به مستعدون للمشاركة أو الصمت، وحين يصبح الضرر أقل أهمية من الضحك الذي يثيره.
كاري شخصية خيالية تمتلك قوى لا نملكها في حياتنا اليومية، لكن العالم الذي يؤذيها مألوف إلى حد مزعج. وهذا ما يجعل الحكاية قابلة للعودة بعد أكثر من نصف قرن. قد تتغير المدرسة، وتتغير أدوات التواصل، وتتغير طريقة عرض الرعب على الشاشة، لكن السؤال يبقى نفسه: كم من الأذى يمكن أن يتحمله إنسان قبل أن يتحول كل ما حوله إلى عدو؟
لا يقدم المسلسل جواباً مريحاً. وهو محق في ذلك. لأن فهم المأساة يبدأ قبل أن نبحث عن الوحش، وقبل أن نكتفي بإدانة اللحظة التي انفجر فيها كل شيء. يبدأ حين ننظر إلى ما فعلناه، أو سمحنا بحدوثه، في الأيام التي سبقت
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment