مع اقتراب استفتاء ألبرتا غدا.. كندا تواجه شبح الانقسام من ألبرتا إلى كيبك
وتضع هذه التطورات رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أمام معادلة معقدة، إذ يسعى إلى تعزيز الوحدة الوطنية في مواجهة التوترات مع الولايات المتحدة، بينما تتصاعد داخل الاتحاد الكندي مطالب بإعادة النظر في العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والمقاطعات، وصولًا إلى الدعوة لتأسيس دول مستقلة.
لكن هل يمكن أن تتغير خريطة كندا بالفعل، أم أن الحركات الانفصالية تستخدم التلويح بالاستقلال للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية أوسع؟
ألبرتا.. النفط يشعل مطالب الانفصالتستعد مقاطعة ألبرتا، الواقعة غربي كندا، لإجراء استفتاء يوم الاثنين 19 أكتوبر، يتضمن سؤالًا بشأن استمرارها ضمن الاتحاد الكندي أو بدء الإجراءات القانونية اللازمة لتنظيم استفتاء ملزم على الانفصال مستقبلًا، في خطوة غير مسبوقة بالنسبة إلى المقاطعة التي تعد من أهم مراكز إنتاج النفط والغاز في البلاد.
وتعود جذور الحركة الانفصالية في ألبرتا إلى عقود سابقة، لكنها اكتسبت زخمًا جديدًا خلال الفترة الأخيرة، في ظل اعتراضات على السياسات الاقتصادية والبيئية للحكومة الفيدرالية، وشعور لدى بعض سكان المقاطعة بأن ثرواتها من الطاقة تسهم في دعم مناطق أخرى من البلاد، دون حصولها على عائد سياسي واقتصادي يتناسب مع حجم مساهمتها.
ويعتبر مؤيدو الانفصال أن القيود الفيدرالية المفروضة على قطاع الطاقة تحد من قدرة ألبرتا على استغلال مواردها، بينما يرى معارضو المشروع أن الانفصال قد يهدد الاستقرار الاقتصادي ويعقّد العلاقات التجارية ويثير نزاعات بشأن الموارد والحدود والالتزامات المالية.
وجاء طرح الاستفتاء بعد نجاح حملة شعبية في جمع العدد المطلوب من التوقيعات للمطالبة بالتصويت على مستقبل المقاطعة، رغم استمرار خلافات قانونية بشأن المبادرة، فضلًا عن اعتراضات من مجموعات السكان الأصليين التي تؤكد أن حقوقها ومعاهداتها التاريخية لا يمكن تجاهلها عند مناقشة الانفصال.
ورغم أن رئيسة حكومة ألبرتا دانييل سميث أعلنت تأييدها بقاء المقاطعة داخل كندا، فإنها دافعت عن إجراء الاستفتاء باعتباره وسيلة لحسم الجدل حول مستقبل العلاقة مع الاتحاد الفيدرالي.
وتشير استطلاعات الرأي التي أوردتها وكالة رويترز إلى أن نحو 70% من سكان ألبرتا يفضلون استمرار المقاطعة ضمن كندا، مقابل تأييد يقارب الربع لفكرة الاستقلال، وهو ما يجعل نتيجة الاستفتاء غير محسومة مسبقًا، لكنه يكشف أيضًا أن الحملة الانفصالية لا تمثل موقف غالبية السكان وفق القياسات المتاحة.
كيبك.. الانفصاليون يعودون إلى السلطةوعلى الجانب الآخر من كندا، أعادت انتخابات مقاطعة كيبك في الخامس من أكتوبر الجاري ملف الاستقلال إلى صدارة المشهد السياسي، بعدما فاز حزب كيبك، الذي يتبنى انفصال المقاطعة الناطقة بالفرنسية عن الاتحاد الكندي، بأكبر عدد من مقاعد البرلمان المحلي، ليعود إلى السلطة بعد نحو 12 عامًا من وجوده في المعارضة.
وحصل الحزب، بقيادة بول سان بيير بلاموندون، على 59 مقعدًا من أصل 127 مقعدًا، دون أن يحقق الأغلبية المطلقة اللازمة للحكم منفردًا، ما يفرض عليه الاعتماد على دعم أحزاب أخرى لتمرير التشريعات والحفاظ على حكومته.
ولا يمثل الفوز تفويضًا شعبيًا مباشرًا بالاستقلال، إذ حصل الحزب على نحو 28% من الأصوات، كما أن الانتخابات شملت ملفات اقتصادية واجتماعية وسياسية متعددة، لكن النتيجة أعادت طرح سؤال طالما شغل الحياة السياسية الكندية: هل تستطيع كيبك أن تصبح دولة مستقلة؟
وسبق للمقاطعة أن أجرت استفتاءين على الاستقلال، عامي 1980 و1995، انتهيا برفض الانفصال، لكن الاستفتاء الثاني شهد منافسة شديدة، بعدما صوت نحو 49.4% لصالح الاستقلال مقابل 50.6% للبقاء ضمن كندا، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الاتحاد الكندي الحديث.
ووعد بلاموندون بإعادة طرح الاستقلال على الناخبين في استفتاء جديد، لكنه ربط الخطوة بظروف سياسية لاحقة، بينها انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فضلًا عن التحديات التي يفرضها غياب الأغلبية البرلمانية لحزبه.
ترامب حاضر في معركة الوحدة الكنديةوتكتسب المطالب الانفصالية الجديدة أهمية إضافية في ظل التوترات بين كندا والولايات المتحدة، بعدما أثارت تصريحات ترامب بشأن إمكانية تحول كندا إلى الولاية الأمريكية الحادية والخمسين، إلى جانب الخلافات التجارية والرسوم الجمركية، ردود فعل واسعة داخل البلاد.
فبينما يستخدم كارني خطاب الوحدة الوطنية لمواجهة الضغوط الخارجية، يجد نفسه أمام حركات داخلية تشكك في جدوى استمرار بعض المقاطعات ضمن الاتحاد، وإن كانت دوافعها مختلفة بصورة واضحة.
ففي ألبرتا، تتصدر الخلافات المتعلقة بالنفط والموارد والسياسات الاقتصادية النقاش حول الاستقلال، بينما ترتبط الحركة الانفصالية في كيبك بتاريخ طويل من الدفاع عن الهوية الفرنسية والخصوصية الثقافية واللغوية.
ويكشف هذا التباين أن المطالبة بالانفصال لا تنطلق بالضرورة من أسباب واحدة، حتى داخل الدولة نفسها، كما أن نجاح الأحزاب الانفصالية في الانتخابات لا يعني تلقائيًا أن غالبية السكان تؤيد إقامة دولة مستقلة.
هل يمكن أن تختفي مقاطعات من خريطة كندا؟رغم تصاعد الجدل، فإن تغيير حدود كندا يواجه عقبات دستورية وسياسية معقدة، إذ لا تملك أي مقاطعة حق الانفصال من جانب واحد بموجب النظام الدستوري الكندي.
فبعد أزمة استفتاء كيبك عام 1995، أصدرت المحكمة العليا الكندية رأيًا عام 1998 أكد أن تأييد الانفصال بأغلبية واضحة، استنادًا إلى سؤال واضح، يفرض التفاوض بشأن التغييرات الدستورية، لكنه لا يؤدي إلى الاستقلال بصورة تلقائية.
وأقر البرلمان الكندي لاحقًا قانون الوضوح عام 2000، الذي ينظم شروط التعامل مع أي استفتاء على الانفصال، ويؤكد ضرورة التفاوض والتوصل إلى ترتيبات دستورية قبل تنفيذ مثل هذه الخطوة.
وبالتالي، حتى إذا صوت سكان ألبرتا لصالح بدء إجراءات الانفصال، فلن يعني ذلك خروج المقاطعة من الاتحاد، وإنما الانتقال إلى مرحلة جديدة من الإجراءات القانونية والسياسية، قد تتضمن استفتاء آخر ومفاوضات طويلة مع الحكومة الفيدرالية وأطراف أخرى.
ومع اقتراب استفتاء ألبرتا، وعودة الانفصاليين إلى الحكم في كيبك، لا تبدو حدود كندا على وشك التغير بصورة فورية، لكن الجدل حول مستقبل الاتحاد أصبح حاضرًا بقوة على جدول أعماله السياسي.
فالسؤال الذي تواجهه كندا لم يعد مقتصرًا على كيفية حماية حدودها من الضغوط الخارجية، بل امتد إلى كيفية إقناع سكان مقاطعاتها بأن مستقبلهم داخل تلك الحدود أفضل من الخروج منها.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment