مكفوفون .. مطالبات بإزالة عوائق الطريق وضمان التنقل باستقلالية
ويصف منينة العصا البيضاء بأنها اليد الثالثة أو اليد الأطول، لما تؤديه من دور في التعرف إلى بعض العوائق المحيطة وتغيرات المسار، مؤكدًا أنها ليست مجرد وسيلة مساعدة، بل جزء أساسي من استقلالية الشخص الكفيف وقدرته على ممارسة حياته اليومية دون الاعتماد الدائم على الآخرين.
لكن هذه الاستقلالية تصطدم بعوائق لا ترتبط بالإعاقة البصرية وحدها، بقدر ما تتصل بمدى تهيئة البيئة المحيطة، وتصميم الأرصفة والشوارع، وتوافر وسائل النقل الميسرة، فضلا عن سلوكيات بعض مستخدمي الطريق ومستوى الوعي المجتمعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.
وتتجدد هذه التحديات مع حلول اليوم العالمي للعصا البيضاء، الذي يصادف الخامس عشر من تشرين الأول من كل عام، ويشكل مناسبة للتوعية بدورها في تعزيز الاستقلالية، والتأكيد على ضرورة توفير بيئة آمنة وميسرة تضمن للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية حقهم في التنقل والمشاركة في الحياة العامة.
عوائق الطريق واختبار الاستقلالية
يستحضر منينة تفاصيل من تجربته اليومية، مشيرا إلى أن بعض الأرصفة لا توفر الظروف الملائمة للتنقل الآمن، بسبب الأشجار والأغصان غير المقلمة، والأرضيات غير المناسبة للحركة، والعوائق التي قد تمتد إلى مستويات أعلى من سطح الأرض، فلا تستطيع العصا البيضاء كشفها بالضرورة.
ويوضح أن العصا تساعد مستخدمها على استكشاف سطح الطريق وتحديد بعض العوائق والحواف والتغيرات في مستوى الأرض، لكنها لا تكشف جميع المخاطر، ولا سيما الأجسام المرتفعة أو الممتدة على مستوى الرأس والجسم، لذلك فإن ضمان التنقل الآمن لا يعتمد على قدرة الشخص على استخدام العصا فحسب، بل يتطلب أيضا تهيئة الفضاءات العامة وإزالة العوائق التي يمكن معالجتها مسبقًا.
ولا تقتصر الصعوبات على الأرصفة، بل تمتد إلى المواصلات العامة والمرافق المختلفة، حيث يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة البصرية تحديات في الوصول والحركة، إلى جانب مواقف لا يراعي فيها بعض السائقين وجود العصا البيضاء، وقد يصل الأمر إلى دهسها بالمركبات، وفق منينة.
وتتفق رئيسة الملتقى الثقافي للمكفوفين سهير عبد القادر مع أهمية معالجة هذه العوائق، مشيرة إلى أن بعض الشوارع والحدائق والمرافق العامة لا تزال بحاجة إلى تهيئة مناسبة تضمن للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية الحركة بأمان واستقلالية، بعيدًا عن الحلول الجزئية التي لا تلبي احتياجاتهم بصورة شاملة.
وتؤكد عبد القادر أن العصا البيضاء تمثل رمزا للاستقلالية والحرية والثقة بالنفس، وتساعد مستخدمها على التعرف إلى طبيعة الطريق والعوائق التي قد تعترضه، إلا أن فاعليتها تظل مرتبطة بمدى ملاءمة البيئة المحيطة وقدرتها على توفير مسارات آمنة وميسرة.
ولا تقف التحديات عند البنية التحتية، إذ تمتد إلى بعض التصرفات الاجتماعية التي قد ينظر إليها أصحابها باعتبارها مزاحا عابرا، لكنها قد تعرض مستخدمي العصا البيضاء للارتباك أو الخطر، بحسب منية الذي يستذكر تعرضه لموقف سحب فيه أحد الأشخاص العصا من يده على سبيل المزاح، مما أدى إلى انفصال أجزائها نتيجة تضرر الوصلة الداخلية.
ويشدد على أن لمس العصا البيضاء أو سحبها أو تحريكها دون إذن صاحبها قد يربكه ويهدد سلامته، داعيا إلى احترام خصوصية مستخدميها والتعامل معها باعتبارها أداة أساسية لاستقلاليتهم، لا غرضا عاديا يمكن العبث به.
ومن جانبها، توضح عبد القادر أن بعض الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية قد يترددون في استخدام العصا البيضاء بسبب الشعور بالخجل أو نتيجة المواقف السلبية التي يتعرضون لها في الشوارع والأماكن العامة، بما في ذلك عدم إفساح المجال أمامهم أو عدم المبادرة إلى مساعدتهم عند الحاجة.
وترى أن تعزيز الوعي المجتمعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية لا يقل أهمية عن تحسين البنية التحتية، إذ يتطلب احترام حقهم في التنقل المستقل، وإدراك احتياجاتهم، وتقديم المساعدة عند الحاجة دون المساس باستقلاليتهم.
من الوعي المجتمعي إلى تهيئة البيئة
تشير بيانات تقرير واقع الإعاقة والصعوبات الوظيفية في الأردن، المستندة إلى بيانات دائرة الإحصاءات العامة لعام 2021، إلى أن صعوبات الرؤية كانت الأكثر شيوعًا بين الأردنيين ممن تبلغ أعمارهم خمس سنوات فأكثر، بنسبة بلغت 6%، تلتها صعوبات الحركة بنسبة 4.8%، ثم صعوبات السمع بنسبة 3.1%.
تبين عبد القادر إلى أن الملتقى الثقافي للمكفوفين يعمل على بناء شراكات مع المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني والمبادرات المختلفة، بهدف تعزيز المشاركة المجتمعية وجعل البيئة المحيطة أكثر ملاءمة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، انطلاقا من مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات.
وتضيف أن الملتقى ينظم منذ عام 2017 فعاليات توعوية بالتعاون مع مؤسسات وطنية في قطاعات متعددة، لتوسيع المشاركة المجتمعية وإيصال رسائل إنسانية وصحية ووطنية.
وتستذكر في هذا الإطار التعاون مع وزارة السياحة عام 2017 في قلعة عمان، للتأكيد على أهمية تهيئة المواقع السياحية للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، والمشاركة عام 2018، بالتعاون مع مركز الحسين للسرطان، في مسيرة توعوية بسرطان الثدي، كما تعاون الملتقى عام 2019 مع مديرية الدفاع المدني في محافظة البلقاء، وواصل خلال جائحة كورونا نشر الرسائل التوعوية المتعلقة بالإجراءات الصحية والوقائية.
كما استأنف الملتقى أنشطته في المحافظات، ومنها مادبا عام 2021 والعقبة عام 2022، ضمن جهوده للوصول إلى الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في مختلف مناطق المملكة، وتعزيز مشاركتهم في البرامج والأنشطة المجتمعية.
وتشير عبد القادر إلى أن بعض المؤسسات المعنية بالأشخاص ذوي الإعاقة البصرية تواجه صعوبات في تأمين وسائل النقل للمستفيدين، الأمر الذي يضطر بعضهم إلى الاعتماد على أسرهم للوصول إلى الأنشطة والبرامج المختلفة، داعية إلى دعم هذه المؤسسات وتوفير حافلات ووسائل نقل مناسبة من خلال المبادرات الوطنية والتبرعات وأوجه الدعم المختلفة، بما يسهل مشاركة الأطفال والشباب والفتيات ويحد من العقبات التي تواجههم.
وفي إطار أنشطته التوعوية، توضح أن فعالية اليوم العالمي للعصا البيضاء لعام 2026 تتجه إلى محافظة الكرك، برعاية محافظ الكرك، وتتضمن زيارة مركز الحسن الثقافي بالتعاون مع وزارة الثقافة والجهات الداعمة والمتعاونة، مضيفة أن الفعالية تتضمن رسالة تقدير للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية الذين تركوا بصمات إيجابية وأسهموا في خدمة مجتمعاتهم المحلية في محافظة الكرك، تأكيدا على أن الإعاقة البصرية لا تحول دون الإنجاز والعطاء والمشاركة الفاعلة في بناء المجتمع.
دور المجلس الأعلى
من جانبه، يؤكد الناطق الإعلامي باسم المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رأفت الزيتاوي في تصريحات له أن حق الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في التنقل الآمن والمستقل حق أساسي من حقوق الإنسان، وركيزة لدمجهم في المجتمع وتمكينهم من الوصول إلى الخدمات والفرص على أساس المساواة.
ويشدد الزيتاوي على أهمية توفير بيئة مهيأة من خلال التطبيق الفعلي لكودة متطلبات البناء الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة، وتوفير المسارات الأرضية اللمسية المتصلة والإرشادات المناسبة في المباني والمرافق العامة، إلى جانب تطوير وسائل النقل العام وتزويدها بأنظمة الإشعار الصوتي وتعزيز استخدام التطبيقات والتقنيات المساندة.
ويشير إلى أن بعض الشوارع والمباني الحكومية الحديثة شهدت تجارب في مجال التهيئة، إلا أن المباني القديمة لا تزال بحاجة إلى تحديث الترتيبات التيسيرية بما يضمن إمكانية الوصول إليها واستخدام مرافقها.
ويوضح أن المجلس يتابع متطلبات إمكانية الوصول من خلال الزيارات الميدانية والتدقيق الفني للمباني والمنشآت والمرافق العامة، وتقديم التوصيات الفنية للجهات المعنية، إلى جانب توفير الدعم الاستشاري والتدريب للكوادر الهندسية، والتنسيق مع المؤسسات الرسمية لمتابعة تهيئة المباني الحكومية ومراعاة معايير إمكانية الوصول في مشاريع البنية التحتية.
ويشكل قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 لسنة 2017 إطارا وطنيا لحماية حقوق هذه الفئة، إذ يأخذ في الاعتبار التفاعل بين القصور طويل الأمد والعوائق المادية والحواجز السلوكية التي قد تحول دون ممارسة الحقوق والحريات على أساس المساواة مع الآخرين.
وتشمل هذه العوائق، وفق المادة الثالثة من القانون، نقص الترتيبات التيسيرية المعقولة أو غيابها، وعدم توافر إمكانية الوصول، فضلًا عن السلوكيات والممارسات التمييزية على أساس الإعاقة.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment