ذهب ومخدرات وأسلحة.. تفاصيل قصة منقّبين أشعلوا أزمة بين مصر والسودان
خبرني - شغلت قضية "الذهّابة" أو المنقبين غير الشرعيين عن خامات الذهب في الصحراء الشرقية الأوساط السياسية والإعلامية في مصر والسودان خلال الآونة الأخيرة، وذلك عقب بروز شائعات وحملات إلكترونية حاولت استغلال تحركات الدولة المصرية لفرض الانضباط الأمني، واختلاق أزمة وهمية بين مصر والسودان.
وزاد من تفاقم الأزمة إعلان منظمات حقوقية سودانية مقتل 72 سودانياً من الذين يعملون في التنقيب عن الذهب بغارة على الحدود المصرية السودانية، ومطالبتها الحكومة السودانية بالتحقيق، وتزامن ذلك مع حادث مقتل مصريين اثنين وإصابة ثالث في حادث إطلاق نار بسوق شعبي في العاصمة السودانية الخرطوم، واعترافات القاتل، وهو شاب سوداني الجنسية، بارتكاب الحادث انتقاماً لمقتل شقيقه في الغارة على الحدود بين البلدين.
القصة بدأت قبل شهور وبسبب الحرب الدائرة في السودان بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع، وتسلل بعض السودانيين لمصر، حيث استغلت شبكات وتنظيمات إجرامية المشهد المرتبك في الداخل السوداني للتسلل عبر الصحراء النائية وتشكيل بؤر للتنقيب العشوائي عن الذهب، والتهريب، والاتجار غير المشروع بالسلاح والمخدرات، مما فرض على الدولة المصرية التدخل لحماية أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي.
وامتد نشاط تلك التنظيمات لمساحات كبيرة على الحدود بين البلدين، تقع أغلبها داخل الأراضي المصرية، وتحديداً داخل منطقة جبل إيقات، الواقعة داخل حدود محافظة البحر الأحمر المصرية، أي في منطقة تحت السيادة والأراضي المصرية.
وتزامن كل ذلك مع عمليات واسعة لنقل الذهب المستخرج بطرق غير شرعية خارج البلاد، فضلاً عن وقوع انتهاكات كبيرة شملت عمليات قتل وتهريب واسعة.
إزاء ذلك، وفي يونيو (حزيران) الماضي، نفذ الجيش المصري، بالتعاون مع عناصر وزارة الداخلية، حملة مكبرة استهدفت تلك البؤر الإجرامية والتنظيمات المسلحة.
وأسفرت عن ضبط 87 فرداً مصرياً و136 فرداً أجنبياً تورطوا في هذه الأنشطة، ومصادرة 14 سيارة بمختلف الأنواع، وأجهزة اتصال لاسلكية، وكميات من الأسلحة والذخائر غير المرخصة، ومبالغ مالية بالجنيه المصري والعملات الأجنبية، وأعداد كبيرة من معدات التنقيب العشوائي.
وعلى الفور تم إحالة المتهمين والمضبوطات للجهات القضائية المختصة، كما بادر عدد من المتسللين بطرق غير شرعية بتسليم أنفسهم للنقاط الأمنية مع بدء العملية، حيث جرى تقديم الرعاية الإنسانية اللازمة لهم وترحيلهم إلى بلادهم.
وأدلى المتهمون المقبوض عليهم بشهادات تفصيلية أمام جهات التحقيق كشفت عن أبعاد ظاهرة التنقيب العشوائي وآلية استدراجهم.
وأقر عدد من العناصر المقبوض عليهم، وغالبيتهم سودانيون، بدخول الأراضي المصرية عن طريق التهريب، بينما أوضح آخرون أنه تم استدراجهم بوعود كاذبة حول توفر فرص ثراء سريع واستخراج الذهب.
وأظهرت التحقيقات أن العمل كان يتم بنظام "الورديات" التي تمتد من 10 إلى 15 يوماً مقابل مبالغ تتراوح بين 8 إلى 10 آلاف جنيه، دون ضمان حقيقي لتحقيق أي عائد.
واعتمد المتهمون على أدوات بسيطة لتكسير الأحجار وطحنها وغسلها داخل أوانٍ مخصصة، وأفاد أحد المتهمين بأن الكميات المستخرجة كانت متفاوتة، ففي بعض الأحيان لا تتجاوز 5 أو 6 غرامات، بينما تنجح مجموعات أخرى في استخراج عشرات الغرامات.
وخلال حملة أخرى للجيش المصري مؤخراً، فوجئ المتهمون بالحملة الأمنية وتلقي منشورات تحذيرية تطالبهم بالابتعاد عن تلك المناطق والعودة لبلادهم، لكن لم تكن هناك استجابة، ما دفع القوات إلى القبض عليهم.
وقال أحد المقبوض عليهم إنه فوجئ بالقوات فور خروجه من منطقة جبلية لا تتوافر بها شبكات للاتصالات، بينما أشار آخر إلى أنه حاول مغادرة المنطقة بعدما انتشرت أنباء عن وصول الجيش، إلا أنه تم ضبطه عند أحد الأكمنة.
ووجّه المتهمون رسائل تحذيرية إلى كل من يفكر في دخول مصر أو العمل في التنقيب عن الذهب بصورة غير قانونية، مؤكدين أن ما قاموا به كان خطأً جسيماً، وأن الحملات الأمنية أنهت هذه الأنشطة داخل المنطقة.
وتعليقاً على ذلك، يقول اللواء أركان حرب ياسين طاهر، مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، في تصريحات خاصة لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت": "إن ظاهرة التنقيب العشوائي عن الذهب في مصر ليست جديدة، ولكن زادت حدتها في الآونة الأخيرة بسبب المشهد المرتبك في السودان"، موضحاً أن هؤلاء المنقبين غير الشرعيين كثفوا تواجدهم في جنوب مصر وبأسلوب غير قانوني، ما يعتبر خطراً حقيقياً على الأمن القومي المصري.
وتابع أنه بالإضافة إلى ذلك، فقد تزامن تنقيب هؤلاء غير المشروع عن الذهب مع ظهور أطراف خارجية تتعمد إحداث حالة من الصراع الشديد بين القبائل والعائلات في السودان حول مناطق التنقيب، خاصة مع المعلومات التي توافرت حول وجود أكثر من مائة موقع للذهب في الصحراء الشرقية، ما زاد من تدفق هؤلاء.
وأوضح أنه وبناء على ذلك قررت مصر اتخاذ موقف حازم حيال تلك الظاهرة من خلال حملات أمنية مكثفة ومتتالية في إطار خطة شاملة للسيطرة على الموقف.
وأشار اللواء ياسين طاهر إلى أن الإجراءات الأمنية للمواجهة تدرجت من التحذير العلني وبكافة الوسائل، ومنح المخالفين فرصة للتراجع وتسليم أنفسهم حفاظاً على أرواحهم، مع معاقبة من يتم القبض عليه بالحبس والغرامات المتدرجة طبقاً للقانون المصري، وصولاً إلى حملات أكثر تشدداً لفرض سيادة الدولة.
وأكد المتخصص العسكري أنه، وترتيباً على ما تقدم، فإن تلك العمليات التي قامت بها السلطات المصرية لا تمس بأي شكل العلاقة المتميزة بين الشعبين الشقيقين المصري والسوداني، مطالباً بعدم الانسياق وراء الحملات المشبوهة التي تهدف إلى إحداث فتنة ووقيعة بين الأشقاء.
ويقول اللواء أركان حرب الدكتور وائل ربيع، المتخصص في الشأن الإقليمي والاستراتيجي، لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت": "إن السودان يشهد خلال الفترة الحالية حالة من عدم الاستقرار والسيولة الأمنية الناتجة عن الحرب، الأمر الذي نتج عنه قيام بعض الجماعات المسلحة، والتي يطلقون على أنفسهم الذهّابة أو المعدنيين، بالتنقيب عن الذهب، وهي في الحقيقة تبحث عن مصادر تمويل سريعة مثل الذهب، ولا يستبعد أن تكون هذه العناصر داعمة لعناصر الدعم السريع التي تم التضييق على مصادر تمويلها من مناطق أخرى".
وتابع: "تم التنبيه على هذه المجموعات من خلال إلقاء منشورات عليهم بالابتعاد عن الحدود المصرية وليس الحدود السودانية، لكنهم لم يمتثلوا إلى التنبيهات"، موضحاً أنه "في ضوء قناعة الدولة المصرية بأن التنقيب العشوائي يهدر مليارات الدولارات ويهدد جهود التوسع في أعمال التعدين القانونية والاستثمارات الرسمية في الجنوب، لذا كان لا بد من اتخاذ إجراء وقائي عاجل وسريع حتى لا تستشري هذه الظاهرة".
وأوضح اللواء وائل ربيع أن بعضاً من هذه العناصر تورطت في الاعتداء على قوات الجيش والشرطة واستهدفت شركات التعدين العاملة بصورة قانونية، الأمر الذي فرض تنفيذ حملة أمنية واسعة استندت إلى معلومات استخباراتية دقيقة لتفكيك هذه البؤر وتجفيف مصادر التهديد.
واختتم قائلاً: "قد يكون من المناسب عدم إعطاء الموضوع بعداً سياسياً"، مطالباً بتفادي أي فتنة بين الشعبين الجارين المصري والسوداني، وأن مصر تركز فقط على مكافحة الجريمة المنظمة والتهريب واختراق الحدود ومحاربة العصابات الإجرامية لحماية استقرار المنطقة.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment