"عمالقة النفط" في معركة حاسمة أمام "العليا الأمريكية"

(MENAFN- Al-Bayan) كينزا برايان، و إيلا لي، و مارثا موير

تخوض المحكمة العليا الأمريكية مواجهة قانونية واقتصادية حاسمة تشكل نقطة تحول مفصلية في تاريخ التقاضي البيئي؛ إذ تنظر المحكمة في دعوى قضائية رفيعة المستوى أقامتها مقاطعة ومدينة بولدر بولاية كولورادو ضد شركتين من كبار منتجي الطاقة، هما ((إكسون موبيل)) و((سنكور إنرجي)).

وتتجاوز أبعاد هذه القضية حدود النزاع المحلي المحض لتطرح سؤالاً جوهرياً ومصيرياً أمام الاقتصاد العالمي: من الذي ينبغي أن يتحمل الفاتورة الباهظة والآخذة في الارتفاع لمواجهة التبعات الكارثية للتغير المناخي؟ هل تقع المسؤولية المالية والتعويضية على عاتق عمالقة صناعة الوقود الأحفوري، أم تترك المجتمعات المحلية والبلديات لتتحمل وحدها كلفة إصلاح الأضرار؟

تستند القضية الأساسية المرفوعة من قبل ((بولدر)) إلى أن كبريات شركات النفط أسهمت عن علم وبشكل منهجي في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري منذ ستينيات القرن الماضي، بالتزامن مع ممارسة أدوار شككت وعرقلت الفهم العام والوعي المجتمعي بالآثار الناجمة عن نشاط هذه الشركات على البيئة.

في المقابل، يبني محامو شركات الطاقة دفاعهم على أن دعاوى التلوث والتغير المناخي العابرة للولايات تتجاوز اختصاص محاكم الولايات وتخضع حصراً للقانون الفيدرالي.

مشددين على أن الدستور الأمريكي يمنع الولايات من استخدام قوانينها المحلية لتنظيم سلوك اقتصادي وصناعي ذي طابع عالمي. وحذروا في الوقت نفسه من تحويل المحاكم القومية إلى ساحات لتصفية نزاعات سياسية قد تكبد قطاع الطاقة مطالب تعويضية تصل إلى مليارات الدولارات.

لكن المثير في هذه المعركة يكمن في الحيرة القانونية والأيديولوجية التي انعكست على مداخلات قضاة المحكمة العليا أنفسهم خلال جلسات الاستماع، حيث كشفت أسئلتهم الحادة عن أبعاد معقدة تتجاوز الانقسام السياسي التقليدي بين محافظين وليبراليين.

فقد أشار رئيس المحكمة العليا، جون روبرتس، إلى أن محاكم الولايات سبق أن تم التصريح لها بالنظر في قضايا ذات آثار واسعة النطاق وعابرة للحدود كالمعارك القانونية المتعلقة بشبكة الإنترنت، مؤكداً صعوبة التمييز الفعلي بين تلك الحالات والدعوى الحالية.

إلا أن روبرتس أبدى في الوقت نفسه تخوفاً من احتمال قيام ((كل بلدية في كل الولايات وبلا استثناء)) برفع دعاوى مماثلة في حال فوز بولدر، متسائلاً عن الشلل التنظيمي الذي قد ينجم عن ذلك على أرض الواقع.

من جانبها، رسمت القاضية الليبرالية إيلينا كاجان ملامح تاريخية للمواجهة، عندما شبهت الحجج التي يرتكز عليها النزاع بدعاوى قضائية كبرى تأسست دعائمها سابقاً خلال مواجهات القطاع العام مع صناعتي التبغ والأفيون في تسعينيات القرن الماضي.

وترى كاجان أن الاتهامات الموجهة لشركات النفط بتضليل الرأي العام وإخفاء المخاطر العلمية للانبعاثات تعيد إنتاج الاستراتيجية القانونية نفسها التي أرغمت قطاعات كبرى سابقة على الخضوع والمساءلة. ورغم دفاع شركات النفط بأن قضيتها تستند إلى مرجعيات قانونية مختلفة كلياً، إلا أن المشهد القضائي يبدو مدفوعاً بالآليات المتكررة للعدالة التعويضية.

وما يزيد المشهد تعقيداً على الصعيد الإجرائي تنحي القاضي المحافظ صامويل أليتو عن النظر في القضية كلياً بسبب ملكيته لأسهم في شركات طاقة معنية بالنزاع، ما يرفع احتمالية حدوث انقسام وتعادل في الأصوات بين قضاة المحكمة الثمانية المتبقين.

وإن حدث هذا التعادل، فإنه حكم المحكمة العليا لولاية كولورادو سيظل قائماً، ما يتيح استمرار التقاضي أمام محاكم الولاية ويعزز موقف المدافعين عن البيئة. أما إذا صدر حكم قطعي لصالح ((عمالقة النفط))، فإن ذلك لن يقتصر على إغلاق الباب أمام أكثر من 20 دعوى مناخية جارية في ولايات مثل كاليفورنيا وماساتشوستس وهاواي فحسب، بل قد يمتد ليزعزع المبادئ القانونية المستقرة والمتعلقة بالسيادة المحلية للولايات، ما يشكل معضلة قانونية حقيقية للتيار المحافظ نفسه داخل المحكمة.

وتتضح أهمية هذا النزاع أيضاً في السياق السياسي والتشريعي داخل الولايات المتحدة؛ إذ تتصاعد جهود الجمهوريين لمنح شركات الوقود الأحفوري حصانة شاملة من القوانين والمساءلات القضائية المتعلقة بالمناخ، مقابل تحركات متسارعة من ولايات ديمقراطية مثل فيرمونت ونيويورك لتشريع قوانين تجبر شركات الفحم والنفط والغاز على دفع تعويضات مادية عن الأضرار الناجمة عن التلوث.

وقد بلغت حدة الاستقطاب أوجها مع اندفاع منظمات ضغط ممولة من قطاع الطاقة وشبكات إنكار التغير المناخي لتقديم مذكرات قانونية تدعم شركتي إكسون وسنكور، بينما حشدت المنظمات البيئية ومسؤولون سابقون في وكالة حماية البيئة أدلة قانونية تؤكد أن أحكاماً سابقة مثل ((قانون الهواء النظيف)) لا تمنع الولايات من معاقبة الملوثين.

وسيمتد صدى هذه القضية ليتجاوز الحدود الأمريكية نحو الساحة الدولية، وخاصة بعد الحكم التاريخي الذي أصدرته محكمة ألمانية العام الماضي الذي أقر بإمكانية محاسبة الشركات المحلية عن الأضرار البيئية والمناخية التي تتسبب فيها خارج حدودها.

ورغم أن قضية ((بولدر)) لا تفرض على الشركتين خفض إنتاجهما أو تقليل انبعاثاتهما كلياً، خلافاً للقضايا المرفوعة ضد شركة ((شل)) في هولندا و((توتال إنرجيز)) في فرنسا، إلا أنها ترسل إشارة عالمية صريحة مفادها أن وضع شركات الوقود الأحفوري أمام هذا النوع من المسؤولية القانونية ليس إلا مسألة وقت.

MENAFN12102026000110011019ID1111796891

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث