المنافسة مع الصين لا تعني نهاية الصناعة الأوروبية

(MENAFN- Al-Bayan) تيج باريخ
يواصل تدفق الصادرات الصينية المنافسة إلى الأسواق الأوروبية تغذية المخاوف بشأن المستقبل الاقتصادي للقارة، بعدما قفز العجز في الميزان التجاري السلعي للاتحاد الأوروبي مع الصين إلى نحو مليار يورو يومياً.
ورداً على هذا الاختلال سارع التكتل الأوروبي إلى تطوير ترسانة من الإجراءات الحماية، تراوحت بين فرض الرسوم الجمركية واشتراط نسب المكون المحلي. وفي الأسبوع الماضي ضغطت فرنسا وألمانيا على المفوضية الأوروبية في بروكسل لاعتماد صلاحيات جديدة، قد تقيد بعض الدول من الوصول إلى السوق الأوروبية الموحدة، لكن الرواية السائدة التي تصور المنتجات الصينية رخيصة التكلفة وكأنها تجرف الصناعة الأوروبية، وتؤدي إلى انهيارها الشامل، تتطلب تدقيقاً وقراءة أكثر عمقاً، فالتشخيص الدقيق للواقع سيساعد الاتحاد الأوروبي على شحذ استراتيجيته الهجومية، وعدم الاكتفاء بالبقاء في موقع الدفاع.
أولاً، تأثير ((الصدمة الصينية)) على القارة الأوروبية يتركز في قطاعات محددة خلافاً لما هو شائع، ففي عام 2025، تركزت نحو ثلثي الواردات السلعية القادمة إلى الاتحاد الأوروبي من الصين في خمس فئات فقط، تتصدرها الآلات والمعدات، والمواد الكيميائية، والسيارات، وصحيح أن إنتاج منطقة اليورو في هذه القطاعات شهد انكماشاً منذ عام 2015، وهو العام الذي أطلقت فيه بكين استراتيجيتها الصناعية ((صنع في الصين 2025))، إلا أن النشاط الاقتصادي ارتفع في المقابل داخل الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، وفي مقدمتها القطاعات الدوائية والإلكترونيات المتخصصة. بناء على ذلك سجل كل من الإنتاج الصناعي، وإجمالي القيمة المضافة الحقيقية، ومستويات التوظيف في منطقة اليورو ارتفاعاً تدريجياً على مدار العقد الماضي.
ثانياً، تستفيد شريحة واسعة من الشركات الأوروبية من الواردات الصينية، فبينما تنافس المكونات الصينية رخيصة التكلفة مثيلاتها المصنوعة داخل أوروبا فإنها تسهم في الوقت نفسه في خفض تكاليف الإنتاج لدى الشركات الأوروبية الناشطة في التصنيع المتقدم. وفي هذا السياق كشفت دراسة صادرة عن البنك المركزي الأوروبي أن القطاعات الأوروبية الأكثر اعتماداً على استيراد السلع السلعية الوسيطة من الصين بين عامي 2000 و2022 حققت دفعة إيجابية في نمو إنتاجها الصناعي السنوي بنسبة 0.6 نقطة مئوية.
وأخيراً، رغم تحول بكين السريع نحو تصنيع سلع نهائية أكثر تعقيداً وتطوراً،حافظت القارة الأوروبية على قدرتها التنافسية، إذ يظهر تحليل أعده سايمون إيفينيت، الأستاذ في المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD)، أن التوسع الصناعي العالمي للصين منذ عام 2015 لم يؤدِ إلى اشتداد المنافسة ضد المنتجات الأوروبية في أسواق الدول الأخرى إلا لعدد محدود فقط من أصل أعلى 500 منتج صناعي يصدره الاتحاد الأوروبي.
وخلال السنوات الأخيرة شهدت الخبرات الأوروبية في التصنيع عالي الدقة طلباً متزايداً؛ بدءاً من أجهزة الطباعة الضوئية التي تنتجها شركة ((أسمول)) (ASML) الهولندية، وتستخدم في طباعة الدوائر الإلكترونية داخل الشرائح المتقدمة، وصولاً إلى العدسات والمرايا المتخصصة من شركة ((تسايس)) (Zeiss) الألمانية، والمستخدمة في تركيز الأشعة الضوئية داخل تلك الأجهزة.
وعلى نطاق أوسع حددت دراسة حديثة أجراها ((فريق العمل الأوروبي للاستراتيجية الجيوسياسية)) 41 سلسلة توريد حيوية، تعتمد فيها الصين على الاتحاد الأوروبي لتأمين أكثر من 80 % من وارداتها، وتشمل هذه السلاسل مستلزمات طبية وآلات، ومعدات متخصصة.
ويتضح من ذلك أن المشهد الاقتصادي لا يعبر عن تراجع صناعي محتوم؛ فالصناعة الأوروبية لا تزال تحافظ على موقعها في مجالات حيوية، وتواصل قطاعاتها التكيف مع المتغيرات، كما أنها لا تزال تتمتع بنقاط قوة كبيرة.
ولا شك في أن تدفق السلع الصينية الرخيصة، المدعومة جزئياً بإعانات حكومية سخية، وبتقويم بأقل من القيمة الحقيقية للعملة الصينية يحمل مخاطر حقيقية، ما يتطلب تدابير متوازنة لمواجهة المنافسة غير العادلة، وتعزيز مرونة سلاسل التوريد، والحفاظ على القدرات التصنيعية في القطاعات الاستراتيجية، إلا أن النظر إلى ((الصدمة الصينية)) باعتبارها تهديداً يحد طموحات أوروبا.
ويؤكد نمو الصناعات الأوروبية ذات القيمة المضافة العالية أن المنافسة الصينية قادرة على تحفيز عملية ((التدمير الخلاق))؛ فعندما تتسبب الواردات الرخيصة في الضغط على المنتجين التقليديين، وتوفر في الوقت نفسه مدخلات إنتاج منخفضة التكلفة، تنتقل العمالة ورؤوس الأموال نحو قطاعات أخرى أكثر إنتاجية.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان ما شهدته سبعينيات القرن الماضي، عندما أدى تفوق المصنعين اليابانيين إلى الضغط على شركات الكاميرات الألمانية، لتتحول الشركات الناجية نحو صناعة البصريات المتقدمة، التي أصبحت اليوم مكوناً رئيسياً في طفرة الذكاء الاصطناعي. بالمثل تعيد شركات مصنعة للسيارات مثل ((بي إم دبليو)) التركيز على الفئات الفاخرة عالية الربحية، وعلى مستوى الاقتصاد الألماني بوجه عام يفسح تراجع المصانع التقليدية المجال أمام موجة متنامية من الشركات الناشئة المتركزة في القطاعات التكنولوجية.
وبإمكان الاتحاد الأوروبي تحويل هذا الاضطراب إلى ميزة دائمة، لكنه لا يبذل جهوداً كافية لمساعدة الشركات على التكيف والتوسع، ما يجعله أكثر عرضة للمخاطر الناجمة عن صعود الصين في سلم القيمة المضافة.
وتتطلب هذه المرحلة تعميق أسواق رأس المال الأوروبية، وإزالة العوائق الداخلية ضمن السوق الموحدة، وتأمين إمدادات الطاقة، والتركيز على حماية العمالة لا الوظائف نفسها، عبر برامج إعادة التأهيل وزيادة مرونة سوق العمل. وقد وردت معظم هذه التوصيات في التقرير الشامل عن التنافسية الأوروبية، الذي أعده ماريودراجي، رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق، غير أن 15.7 % فقط من توصياته البالغ عددها 383 توصية تم تنفيذها بالكامل حتى يوليو من هذا العام.
ومن شأن تطبيق هذه الإصلاحات تعزيز التخصصات الصناعية القائمة في أوروبا، بما في ذلك الصادرات التي تعتمد عليها الصين نفسها، وبإقران ذلك مع إبرام اتفاقيات تجارية جديدة مع شركاء دوليين يتقاسمون الرؤى ذاتها، ستتمكن بروكسل من تحويل نقاط قوتها التجارية إلى أوراق نفوذ جيوسياسي متزايدة في مواجهة بكين.
واختتم إيفينيت تحليله بالإشارة إلى أن ((البندول في أوروبا تحول من إغفال مكامن القوة الصينية إلى الهوس بها))، وتكمن الخطورة الحقيقية في أن ينشغل الأوربيون بالقلق من الميزة التنافسية للصين، على نحو يلهيهم عن تطوير وشحذ ميزاتهم التنافسية الخاصة.

MENAFN12102026000110011019ID1111796889

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث