اختفاء آخر جليد إستوائي في بابوا الإندونيسية.. الاحتباس الحراري يهدد العالم
فبعد أن كانت الثلوج والأنهار الجليدية تغطي القمم الرئيسية لسلسلة جبال سوديرمان، لم يتبقَّ اليوم سوى بقع صغيرة من الجليد حول قمة بونتشاك جايا، المعروفة أيضًا باسم «هرم كارستنز». وتشير التوقعات إلى احتمال اختفاء ما تبقى منها بالكامل خلال عام أو عامين، وفقا لصحيفة إنفوباى الأرجنتينية.
وبحسب تقرير نشرته الصحيفة فقد تقلصت مساحة الغطاء الجليدي المحيط بالقمة من نحو 1900 هكتار في القرن التاسع عشر إلى حوالي 16 هكتارًا حاليًا. كما انحسرت الأنهار الجليدية بنحو 95% بين أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وعام 2025، وفق تقديرات الباحث الدنماركي كلاوس تيمان وفريقه.
سجل مناخي نادر يختفي قبل دراستهلا تقتصر أهمية هذه الكتل الجليدية على كونها ظاهرة طبيعية نادرة، إذ تمثل ما تبقى من آخر الجليد الاستوائي بين جبال الأنديز وسلسلة جبال الهيمالايا، وتوفر للعلماء سجلًا مناخيًا استثنائيًا.
وتحتفظ العينات الجليدية المستخرجة من منحدرات بونتشاك جايا بمعلومات عن الظروف الجوية التي شهدتها المنطقة عبر الزمن، ويمكن أن تساعد في فهم التغيرات التي طرأت على المحيط الهادئ الاستوائي والمياه الدافئة المحيطة بالجزيرة.
لكن هذا الأرشيف الطبيعي يتلاشى قبل أن يتمكن العلماء من دراسته بصورة كاملة. وتقول الباحثة التشيكية ماري شاباكا، المتخصصة في بيئة الأنهار الجليدية، إن جليد بابوا يتميز بكونه منفصلًا عن الأنظمة الجليدية الأخرى بآلاف الكيلومترات، ما يمنحه قيمة علمية خاصة.
الاحتباس الحراري يسرّع ذوبان الجليديرتبط تراجع الجليد في بابوا بالارتفاع طويل الأمد في درجات حرارة الأرض، الناجم عن النشاط البشري، بما في ذلك حرق الوقود الأحفوري مثل الفحم والنفط والغاز.
ومع ارتفاع درجات الحرارة، يرتفع مستوى التجمد إلى ارتفاعات أكبر فوق الجبال، فتتحول نسبة من الهطول الذي كان يسقط ثلجًا إلى أمطار. ويؤدي ذلك إلى تقليص قدرة الأنهار الجليدية على البقاء، خصوصًا في المناطق الاستوائية التي تحتاج إلى ظروف مناخية محددة للغاية للحفاظ على الجليد الدائم.
وقد تسرّع ظاهرة «النينيو» هذه العملية، إلى جانب عوامل محلية مثل كثافة السحب وتساقط الثلوج والتضاريس الجبلية.
وتوضح شاباكا أن قمم بابوا تقع على بعد نحو 450 كيلومترًا جنوب خط الاستواء، حيث لا يستطيع الجليد الدائم البقاء إلا في نطاقات مرتفعة للغاية وتحت ظروف مناخية محدودة، ما يجعل أي زيادة بسيطة في الحرارة عاملًا حاسمًا في بقائه أو اختفائه.
لا يمثل ذوبان الجليد خسارة علمية وبيئية فحسب، بل يمس أيضًا إرثًا روحيًا وثقافيًا لدى مجموعات من السكان الأصليين في بابوا.
فمنذ أجيال، ترتبط خمسة تجمعات محلية على الأقل بقمة بونتشاك جايا بعلاقات روحية عميقة. ويطلق شعب موني على الجبل اسم «مباينجيلا»، معتقدًا أن أسلافه يراقبونه ويحرسونه، بينما يعرفه شعب أمونجمي باسم «نيمانجكاوي»، أي "السهم الأبيض"
وتقول إلفريدا ناتكيمي، وهي شابة من شعب أمونجمي، إن الجبل يرمز إلى الصدق والنقاء والاستقامة الأخلاقية، وإن الأجيال السابقة كانت تدعو لأن يتحلى أبناؤها بصفات السهم الأبيض.
التعدين والتنمية.. مكاسب اقتصادية وتكاليف بيئيةشهدت المنطقة تحولات واسعة خلال القرن العشرين عقب اكتشاف رواسب ضخمة من النحاس والذهب، والتوسع في مشاريع التعدين والبنية التحتية. وأسهمت هذه المشاريع في توفير فرص عمل وطرق وتعليم وفرص اقتصادية، لكنها ارتبطت أيضًا بتدهور بيئي وتوترات اجتماعية استمرت عقودًا، كما فقد بعض السكان إمكانية الوصول إلى أراضي أجدادهم.
وتشير شهادات السكان إلى أن التنمية جلبت فوائد اقتصادية، لكنها تركت كذلك آثارًا مؤلمة على البيئة والحياة التقليدية. ويعني تراجع الجليد أن هذه المجتمعات تواجه فقدان جزء من المشهد الطبيعي الذي يشكل أساسًا لهويتها ومعتقداتها.
وفي محاولة لتوثيق ما تبقى، استخدم الباحث كلاوس تيمان وفريقه الطائرات المسيّرة وتقنيات رسم الخرائط ثلاثية الأبعاد لإنشاء نموذج مفصل للغطاء الجليدي المتبقي.
ومع اقتراب اختفاء الثلوج التي وُصفت طويلًا بأنها «أبدية»، تتقاطع في بابوا أزمة المناخ مع فقدان التنوع الطبيعي والذاكرة العلمية والتراث الثقافي، في مشهد يوضح أن ذوبان الجليد لا يعني اختفاء ظاهرة طبيعية فقط، بل خسارة إرث يصعب تعويضه.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment