تتحكم في 275 مليون سيارة.. بلاك بيري من قاع الأضواء إلى القمة في الظل
رغم أن كثيرين ينظرون إلى ((بلاك بيري)) باعتبارها شركة انتهت مع صعود ((آيفون)) و((أندرويد))، فإن الشركة الكندية ما زالت حاضرة، لكن من مكان مختلف تماماً: داخل السيارات.
فالشركة التي خسرت واحدة من أشهر معارك الهواتف الذكية، تحولت خلال السنوات الماضية إلى لاعب يعمل في الظل، عبر نظام التشغيل QNX، الذي تقول ((بلاك بيري)) إنه موجود اليوم في أكثر من 275 مليون مركبة حول العالم.
وهنا تكمن المفارقة.
العلامة التي اختفت تقريباً من جيوب المستخدمين، بقيت داخل بنية رقمية أكثر حساسية وتعقيداً: بنية السيارة الحديثة، التي لم تعد مجرد محرك وهيكل، بل أصبحت منصة برمجية متحركة تعتمد على عدد كبير من الحواسيب ووحدات التحكم والحساسات.
من جامعة كندية إلى أنظمة لا تحتمل الخطأتبدأ الحكاية في أوائل الثمانينات، عندما عمل دان دودج وغوردون بيل، وهما خريجان من جامعة واترلو الكندية، على تطوير نظام تشغيل للأنظمة التي لا تحتمل الأعطال المفاجئة.
الفكرة كانت تقوم على بنية النواة المصغرة أو MICROKERNEL، وهي مقاربة هندسية تهدف إلى عزل وظائف النظام عن بعضها قدر الإمكان، بحيث لا يؤدي تعطل جزء واحد إلى إسقاط النظام بالكامل.
وبمرور الوقت، وجد هذا النظام، الذي عُرف لاحقاً باسم QNX، طريقه إلى البيئات التي تتطلب استقراراً عالياً واستجابة دقيقة، مثل المعدات الصناعية، وبعض الأنظمة الطبية، والتطبيقات التي لا تكون فيها إعادة التشغيل السريعة حلاً مقبولاً.
السيارة لم تعد مجرد آلة ميكانيكيةهذا النوع من البرمجيات أصبح أكثر أهمية مع تطور السيارة نفسها، فالسيارة الحديثة لم تعد مجرد قطع ميكانيكية، بل تضم عشرات وحدات التحكم الإلكترونية التي تدير وظائف متعددة، من الترفيه والاتصال والملاحة، إلى الكاميرات والحساسات وأنظمة مساعدة السائق ووظائف السلامة.
ومن هنا يجب التفريق بين عالمين داخل السيارة:
الأول هو عالم الواجهة التي يراها السائق: الشاشة، الخرائط، الموسيقى، التطبيقات، والتكامل مع الهاتف عبر APPLE CARPLAY وANDROID AUTO.
أما الثاني فهو العالم الأقل ظهوراً، والأكثر حساسية: العالم الذي يدير الأنظمة التي تحتاج إلى أعلى درجات الاعتمادية، أو يتكامل مع وظائف مرتبطة بالسلامة، مثل بعض أنظمة مساعدة السائق، ووحدات التحكم، والبيئات البرمجية المعزولة داخل السيارة.
وفي هذه المساحة تحديداً بنت ((بلاك بيري)) نفوذها.
275 مليون سيارةعندما تقول ((بلاك بيري)) إن QNX موجود في أكثر من 275 مليون مركبة، فهذا لا يعني بالضرورة أن النظام يتحكم في الفرامل داخل كل هذه السيارات، كما لا يعني أن السيارة كلها تعمل عليه وحده.
المعنى الأدق هو أن QNX دخل إلى عدد هائل من المركبات باعتباره جزءاً من البنية البرمجية الداخلية، سواء في القمرة الرقمية، أو أنظمة المعلومات والترفيه، أو وحدات الاتصال، أو بعض تطبيقات أنظمة مساعدة السائق، أو البيئات التي تحتاج إلى عزل وظيفي واعتمادية مرتفعة.
بمعنى آخر، النظام لا يظهر عادة أمام السائق، لكنه قد يكون حاضراً في طبقات تشغيلية عميقة، تسمح لشركات السيارات ببناء وظائف متعددة فوقه أو بجواره.
لماذا لا تتولى ((أبل)) و((جوجل)) كل شيء؟
الشركات الكبرى مثل ((أبل)) و((جوجل)) حققت حضوراً قوياً داخل السيارات، لكن حضورها يتركز غالباً في الطبقة الظاهرة للمستخدم: التطبيقات، والمساعدات الذكية، والخرائط، وتجربة الشاشة.
أما الطبقات البرمجية التي تتطلب اعتماداً خاصاً للسلامة، فتخضع لمعايير مختلفة تماماً.
وهنا تظهر أهمية أنظمة مثل QNX OS FOR SAFETY، التي جرى تطويرها لتلبية متطلبات السلامة الوظيفية في قطاع السيارات، بما في ذلك التوافق مع معيار ISO 26262 حتى مستوى ASIL D، وهو أعلى مستوى في تصنيفات المخاطر الوظيفية في هذا السياق.
لذلك، ففي بعض السيارات قد يرى المستخدم واجهة من ((أبل)) أو ((جوجل))، بينما تعمل في الخلفية طبقة برمجية من QNX تدير العزل بين الأنظمة، أو تستضيف بيئات تشغيل مختلفة، أو تؤدي دوراً داخل القمرة الرقمية أو أنظمة أكثر حساسية.
هذا لا يعني أن CARPLAY أو ANDROID AUTO يعتمدان دائماً على QNX في كل سيارة، لكنه يعني أن ((بلاك بيري)) أصبحت، في كثير من الحالات، جزءاً من البنية التي تسمح لهذه الأنظمة بالعمل داخل سيارة معقدة برمجياً.
صفقة قديمة غيّرت مستقبل الشركةالمفارقة الأخرى أن ((بلاك بيري)) لم تطور QNX من البداية، بل اشترته.
فبعد أن استحوذت عليه شركة HARMAN في 2004، عادت ((بلاك بيري)) واشترت QNX في 2010 مقابل نحو 200 مليون دولار.
في ذلك الوقت، لم يكن واضحاً أن هذه الصفقة ستصبح لاحقاً أحد أهم أصول الشركة.
فـ((بلاك بيري)) كانت حينها لا تزال تقاتل في سوق الهواتف، وحاولت الاستفادة من QNX في أجهزتها مثل PLAYBOOK ثم BLACKBERRY 10.
لكن ما حدث لاحقاً كان مختلفاً.
فكيف خسرت ((بلاك بيري)) حرب الهواتف؟
في منتصف العقد الأول من الألفية، كانت ((بلاك بيري)) واحدة من أقوى علامات الهواتف الذكية في العالم.
نجحت بفضل البريد الإلكتروني، والأمان، ولوحة المفاتيح، وانتشارها بين رجال الأعمال والمؤسسات.
لكن السوق تغيّر بسرعة بعد إطلاق ((آيفون))، ثم الصعود الكاسح لنظام ((أندرويد)).
هنا لم تكن المشكلة في قدرة ((بلاك بيري)) على تصنيع هاتف جيد فقط، بل في سوء قراءة التحول في سلوك المستخدم.
فالهاتف لم يعد أداة عمل واتصال فحسب، بل تحول إلى منصة للهوية الشخصية، والتطبيقات، والتصوير، والترفيه، والتعبير الاجتماعي.
تمسكت الشركة لفترة طويلة بنموذجها التقليدي، فيما كان السوق يتحرك في اتجاه مختلف تماماً.
وبعد تراجع حاد في الحصة السوقية، وفشل محاولات الإنقاذ، اتخذت الشركة قراراً استراتيجياً بالخروج من تصنيع الهواتف، والتركيز على البرمجيات والخدمات.
ذلك القرار أنهى حضور ((بلاك بيري)) كمنافس استهلاكي مباشر، لكنه فتح الباب لمرحلة جديدة أقل صخباً وأكثر ربحية.
حين اصطدمت شركات كبرى بتعقيد برمجيات السيارات
قوة ((بلاك بيري)) في هذا المجال لا تأتي فقط من نجاحها، بل أيضاً من صعوبة الطريق أمام الآخرين.
شركة فورد على سبيل المثال انتقلت في أحد أجيال نظامها المعلوماتي إلى QNX بعد تجربة سابقة مع منصة من ((مايكروسوفت)) أثارت انتقادات تتعلق بالأداء والاعتمادية.
أما فولكس فاغن، فحاولت عبر ذراعها البرمجية CARIAD بناء جزء كبير من منظومتها داخلياً، لكن المشروع واجه تأخيرات كبيرة وضغوطاً مالية وخسائر تشغيلية، في دلالة على أن برمجيات السيارة الحديثة ليست ملفاً بسيطاً يمكن حسمه بسرعة.
كذلك دخلت ((أبل)) هذا المضمار من خلال مشروع السيارة المعروف باسم PROJECT TITAN، وأنفقت عليه مليارات الدولارات على مدى سنوات، قبل أن تقرر إنهاء المشروع في 2024.
كل ذلك لا يعني استحالة المنافسة، لكنه يكشف بوضوح أن بناء منصة برمجية مستقرة للسيارات يختلف جذرياً عن بناء هاتف أو تطبيق استهلاكي.
تسلا.. مثال على حساسية البرمجيات
حتى تجربة ((تسلا))، التي غالباً ما تُقدَّم بوصفها نموذجاً للسيارة المعتمدة على البرمجيات، تكشف حجم الحساسية في هذا المجال.
ففي 2021 اضطرت الشركة إلى استدعاء ما يقرب من 135 ألف سيارة بسبب مشكلة مرتبطة بوحدة التحكم بالوسائط، حيث أدى تآكل شريحة الذاكرة في بعض الحالات إلى تعطل الشاشة.
المشكلة هنا لم تكن دليلاً على فشل نظام تشغيل بعينه، لكنها أبرزت نقطة أكثر أهمية:
كلما ازدادت وظائف السيارة اعتماداً على البرمجيات والشاشات، أصبح أي خلل رقمي أكثر تأثيراً في تجربة القيادة، وأحياناً في بعض الوظائف المرتبطة بالسلامة والرؤية.
وهذا بالضبط ما يفسر حاجة الصناعة إلى منصات صلبة ومجرّبة وقابلة للعزل والاعتماد.
من الصين إلى السوق العالميةنفوذ QNX لم يعد محصوراً في شركات تقليدية فقط، بل امتد أيضاً إلى السوق الصينية، التي تعد اليوم من أسرع أسواق السيارات تطوراً في البرمجيات والقيادة الذكية.
فشركات مثل WERIDE وLEAPMOTOR اختارت حلول QNX في تطبيقات مرتبطة بالقيادة الذكية أو البنية البرمجية للمقصورة والأنظمة المتقدمة.
وهذا يعكس أن دور QNX لم يعد مجرد إرث تاريخي، بل تحول إلى جزء من السباق الجديد على ما يعرف بـالسيارة المعرفة بالبرمجيات.
أرقام تكشف اتجاه الشركةالتحول داخل ((بلاك بيري)) يظهر كذلك في نتائجها المالية.
فالشركة سجلت في سنتها المالية 2026 إيرادات إجمالية بنحو 549 مليون دولار، فيما حقق قطاع QNX وحده نحو 268 مليون دولار، مع نمو ملحوظ، وهامش ربح مرتفع، إضافة إلى رصيد كبير من الإتاوات المستقبلية المرتبطة بتصميمات فازت بها الشركة بالفعل وتنتظر الدخول إلى مرحلة الإنتاج.
هذه الأرقام تؤكد أن ((بلاك بيري)) لم تعد تعتمد على الحنين إلى هواتفها القديمة، بل على نشاط برمجي مؤسسي وصناعي يتوسع مع اتساع اعتماد السيارات على البرمجيات.
من الواجهة إلى الخلفيةقصة ((بلاك بيري)) اليوم ليست قصة شركة عادت إلى ما كانت عليه، بل قصة شركة غيّرت موقعها بالكامل.
فهي لم تستعد مكانتها في سوق المستهلك، ولم تعد إلى منافسة ((آيفون)) و((سامسونغ))، لكنها تحولت إلى لاعب يعمل في الخلفية، داخل واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتعقيداً.
ولهذا ربما يكون الوصف الأدق لما حدث هو أن ((بلاك بيري)) خسرت حرب الهواتف في العلن، لكنها ربحت موقعاً بالغ الأهمية في البنية التحتية الرقمية للسيارة الحديثة.
فالشركة التي ظن كثيرون أنها انتهت، لم تختفِ فعلياً.
هي فقط خرجت من الضوء، وانتقلت إلى مكان أقل ظهوراً.. وأكثر تأثيراً
- بلاكبيري تقنية تكنولوجيا سيارات سوفتوير برمجيات أنظمة تشغيل أندرويد أبل
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment