وظيفة تبدأ بصورة.. كيف وقع باحثون عن عمل في شبكات تخريب بأوروبا؟
المهمة الأولى لم تكن إحراق مبنى أو تخريب منشأة، وإنما التقاط صور. لكن الصور لم تكن سوى البداية.
فبعد إنجاز المهمة الأولى، جاءت مهام أخرى، إلى أن انتهى دي لا هوز أمام القضاء في جمهورية التشيك، حيث أدين بإضرام حريق في مستودع للحافلات في براج وحُكم عليه بالسجن ثماني سنوات، بينما يواجه اتهامات في بولندا تتعلق بعمليتي تخريب أخريين.
وفي المحكمة، تحدث الشاب عن شعوره بالذنب لأنه سمح لنفسه بأن يُخدع، في نهاية رحلة بدأت بالبحث عن فرصة عمل وانتهت بالسجن.
قصة دي لا هوز كانت واحدة من الخيوط التي تتبعها تحقيق صحفي عابر للحدود على مدى ستة أشهر، شاركت فيه عدة منصات صحفية، منها «دويتشه فيله» الألمانية وLRT الليتوانية وRTVE الإسبانية والتلفزيون التشيكي، بتنسيق من شبكة الصحافة الاستقصائية التابعة لاتحاد البث الأوروبي.
وحصل الصحفيون على وثائق، وتحدثوا إلى عشرات المحققين والمسؤولين الأمنيين والمقربين من المشتبه بهم، قبل أن يعيدوا تركيب شبكة امتدت عبر عدة دول أوروبية، وتقول سلطات في ليتوانيا وبولندا ورومانيا إنها مرتبطة بأحد أجهزة الاستخبارات المعادية لهم.
البداية من الإنترنتلم تكن هناك، في بعض الحالات التي تتبعها التحقيق، حاجة إلى لقاء سري أو البحث عن شخص لديه سنوات من الخبرة في عالم التجسس، حيث كان الإنترنت كافيًا.
وبحسب التحقيق، جرى الوصول إلى عدد من المجندين عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات البحث عن الوظائف ومنتديات التطوع، وكان بين المستهدفين شباب يعانون صعوبات مالية ويبحثون عن فرص للعمل في أوروبا.
وتنوعت الإعلانات المنشورة بصورة يصعب معها، للوهلة الأولى، الربط بينها وبين أعمال تخريب.
أحدها كان يبحث عن شخص للعمل «مصورًا» في بولندا، بينما طلب إعلان آخر من المهتمين إرسال السيرة الذاتية ورقم الهاتف وجواز السفر.
وفي إعلان موجه إلى الناطقين بالإسبانية، كان المطلوب أشخاصًا لديهم خبرة في المراقبة والاستخبارات والخدمات اللوجستية، مقابل 1500 دولار، إلى جانب مكافآت عن كل مهمة يتم تنفيذها.
وهكذا قد يبدأ الأمر بطلب التقاط صور لمكان ما أو مراقبة منشأة، قبل أن تتغير طبيعة المهام لاحقًا.
ووفق مسؤول في الأجهزة الأمنية البولندية تحدث عن حالة دي لا هوز، بدأ الأمر بطلب تصوير أهداف مختلفة، قبل الانتقال بعد نجاح المهمة الأولى إلى تكليفات أخرى مقابل المال أو باستخدام وسائل ضغط.
ولا يعني ذلك أن كل شخص تم الوصول إليه بالطريقة نفسها أو أنه كان يجهل بالضرورة طبيعة ما يقوم به، إلا أن التحقيق يشير إلى نمط يقوم على تقسيم المهام بين أشخاص لا يمتلكون بالضرورة صورة كاملة عن الشبكة التي تقف خلفهم.
من صورة إلى عملية تخريبهذه الطريقة في العمل أنتجت مصطلحًا أصبح متداولًا بين أجهزة الأمن والباحثين الأوروبيين: «العملاء القابلون للتخلص منهم».
والمقصود ليس عملاء استخبارات محترفين بالمعنى التقليدي، وإنما أشخاص يجري تجنيدهم، غالبًا عبر الإنترنت، لتنفيذ مهام محدودة مقابل مبالغ مالية، ويمكن قطع الاتصال بهم بعد انتهاء المهمة.
ويقول جهاز الأمن السويدي في تقييمه الأمني لعامي 2025 و2026 إن هذا النوع من المجندين يفتقر عادة إلى القدرة على تنفيذ العمليات المعقدة، وإن المال يمثل دافعًا متكررًا لديهم.
أما الميزة بالنسبة إلى الجهة التي تستخدمهم، فتتمثل في عدم الحاجة إلى الاحتفاظ بعلاقة طويلة معهم أو تعريض عناصر محترفة لخطر الاعتقال.
كما أن صغر المبالغ المستخدمة وتشعب طرق الدفع قد يزيدان صعوبة اكتشاف الشبكات.
وتقول كينجا ريدلوفسكا، رئيسة مركز التمويل والأمن في أوروبا بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة إن الأموال قد تتحرك عبر وسطاء للعملات المشفرة أو حسابات مصرفية أو وسائل دفع غير رسمية، بما يجعل تتبع كل عملية على حدة أكثر صعوبة.
أهداف في أربع دولالتحقيق الأخير ركز على شبكة مرتبطة بأعمال تخريب وقعت بين مايو وسبتمبر 2024 في التشيك وبولندا ورومانيا وليتوانيا.
وتنوعت المهام التي تتبعها الصحفيون بين المراقبة والتخريب وإشعال الحرائق، فيما شملت الأهداف مستودع الحافلات في براغ وشركات في ليتوانيا تقدم معدات للجيش الأوكراني.
وتقول السلطات في ليتوانيا ورومانيا وبولندا إن الشبكة مرتبطة بالاستخبارات العسكرية الروسية.
وتكتسب هذه النسبة أهمية خاصة؛ فإثبات تنفيذ شخص لحريق أو عملية تخريب لا يثبت وحده هوية الجهة التي أمرته بذلك، ولذلك اعتمد التحقيق على تتبع الاتصالات والوسطاء والوثائق والتحقيقات الأمنية للوصول إلى المستويات الأعلى في الشبكة.
والشبكة التي تتبعها التحقيق ليست سوى جزء من ظاهرة أوسع أثارت قلق أجهزة الأمن الأوروبية خلال السنوات الأخيرة.
ففي مارس 2025، كان تحقيق سابق لاتحاد البث الأوروبي قد أحصى أكثر من 60 واقعة مؤكدة أو مشتبهًا بها من الهجمات الهجينة المنسوبة إلى جهات روسية في أوروبا، شملت الحرائق والتخريب والهجمات الإلكترونية وأعمال العبث وحملات التأثير السياسي.
ومن بين الأنماط التي رصدها التحقيق آنذاك استخدام أشخاص يتم الوصول إليهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتنفيذ بعض تلك المهام.
الخيط يقود إلى مدرس رقصلكن أكثر خيوط التحقيق الأخير غرابة ظهر بعيدًا عن المستودعات والمنشآت العسكرية ومواقع الحرائق.
فبعد تتبع الحسابات والاتصالات والوثائق، وصل الصحفيون إلى مدينة بتروزافودسك في شمال غرب روسيا، وإلى رجل كوبي يدعى أويميس روماجازا دوروثي. مهنته المعلنة لم تكن لها علاقة بالاستخبارات.
كان الرجل يعمل مدرسًا للرقص اللاتيني.
وبحسب تحقيق «دويتشه فيله»، استخدم روماجازا أسماء مستعارة على الإنترنت، بينها «أدريان» و«ديوس»، ونشرت حسابات مرتبطة به خلال عام 2024 إعلانات وظائف مواقع التواصل الاجتماعي، ومن بينها إعلان «العمل كمصور» في بولندا، وإعلانات أخرى تستهدف كوبيين وناطقين بالإسبانية يبحثون عن فرص للعمل.
وتوصل التحقيق، استنادًا إلى وثائق قضائية ومواد أخرى حصل عليها الصحفيون ومعلومات من جهات التحقيق، إلى أن الرجل كان حلقة تنسيق في شبكة المجندين التي تتبعها عبر الدول الأربع.
وهكذا انتقلت رحلة التحقيق من حريق في مستودع للحافلات في براج إلى استوديو لتعليم السالسا والباشاتا على بعد آلاف الكيلومترات.
وبين النقطتين ظهرت سلسلة من الحسابات والأسماء المستعارة والوسطاء والأشخاص الذين نفذوا مهام متفرقة.
مشكلة مختلفة لأجهزة الأمنالأسلوب الذي تكشفه هذه القضايا يضع أجهزة الأمن أمام مشكلة تختلف عن صورة التجسس التقليدية.
فالعثور على ضابط استخبارات أجنبي يعمل بهوية مزيفة شيء، واكتشاف شاب يعيش بالفعل داخل أوروبا ولم تكن له أي صلة سابقة بعالم الاستخبارات شيء آخر.
قد لا يحتاج الشخص إلى تدريب متقدم، وقد لا يعرف بقية أعضاء الشبكة، وربما لا يعرف حتى هوية الجهة الموجودة في نهاي
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment