لماذا لا تخشى الحكومة السويسرية تصويت حجب الثقة

(MENAFN- Swissinfo) لا يستطيع البرلمان السويسري إسقاط الحكومة خلال فترة ولايتها عبر تصويت حجب الثقة. وللوهلة الأولى، قد تبدو هذه الخصوصية غير منسجمة تمامًا مع المبادئ الديمقراطية، لكنها تنطوي أيضًا على مزايا، ما دام النظام السياسي في مجمله مصممًا على نحو سليم. تم نشر هذا المحتوى على 23 سبتمبر 2026 - 08:08 14دقائق

كعضو في فريق "الديمقراطية"، أنا مهتم بالعلاقة الديناميكية بين المواطنين.ات ومؤسساتهم.ن في سويسرا وخارجها. ولدت في أيرلندا، وحصلت على بكالوريوس في الدراسات الأوروبية وماجستير في العلاقات الدولية. أعمل في سويس إنفو منذ عام 2017.

    مقالات أخرى للكاتب القسم الإنجل
    English en Why the Swiss government doesn't need to fear a no-confidence vote الأصلي طالع المزيدWhy the Swiss government doesn't need to fear a no-confidence Deutsch de Schweizer Eigenart: Warum der Bundesrat kein Misstrauensvotum fürchten muss طالع المزيدSchweizer Eigenart: Warum der Bundesrat kein Misstrauensvotum fürchten Français fr Pourquoi le gouvernement suisse ne redoute pas les motions de censure طالع المزيدPourquoi le gouvernement suisse ne redoute pas les motions de ce 中文 zh 瑞士政府为何不会因不信任投票下台 طالع المزيد瑞士政府为何不会因不信

في 2027، يتوجّه السويسريون والسويسريات إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات الفدرالية. وعندها، ستكون مقاعد البرلمان الفدرالي، البالغ عددها 246 مقعدًا، موضع تنافس انتخابي. أما المقاعد السبعة المشغولة بأعضاء الحكومة الفدرالية، أي الهيئة التنفيذية الحاكمة في البلاد، فستبقى على الأرجح بمنأى عن هذا التنافس، ما لم يتخلَّ شاغلوها وشاغلاتها عنها طوعًا.

ففي سويسرا، حيث تنفصل السلطة التنفيذية إلى حدّ بعيد عن المسار الانتخابي المباشر، يتمتع أعضاء الحكومة الفدرالية السبعة، أي الوزراء والوزيرات، بوضع مؤسسي نادر نسبيًا. فالبرلمان هو منتخِبهم، لا الشعب. ومع ذلك لا يمكن إسقاط الحكومة خلال الولاية عبر تصويت بحجب الثقة. كما لا يفرض النظام حدًّا أقصى لعدد الولايات، ما يتيح الاستمرار في المنصب ما دامت هناك رغبة في ذلك وإعادة انتخاب من البرلمان.

وبالنسبة إلى بلد يعتزّ بتقاليده الديمقراطية، قد لا يبدو هذا النظام ديمقراطيًا تمامًا. فتجمع الحكومة السويسرية عناصر من النموذجين الديمقراطيين الرئيسيين؛ النموذج البرلماني كما في المملكة المتحدة، والنموذج الرئاسي كما في الولايات المتحدة. لكنها تفتقر إلى العناصر الأساسية المانحة لكلٍّ منهما شرعيته. فخلافًا للنظام الرئاسي الأمريكي، لا يوجد في سويسرا رئيس دولة أو رئيسة منتخبين شعبيًا، وخلافًا للنظام البرلماني البريطاني، لا يستطيع البرلمان إسقاط الحكومة بحجب الثقة عنها.

وفي هذا السياق، يقول شتيفن غانغهوف، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بوتسدام:“للوهلة الأولى، قد يبدو هذا النموذج جامعًا لأسوأ ما في النظامين”. وهذا الصيف، نشر ورقة بحثية رابط خارجي عن هذا النموذج الهجين النادر، المعروف في الأدبيات الأكاديمية باسم“الحكومة المستقلة عن الهيئة التشريعية”، أي الحكومة التي لا يتوقف بقاؤها في السلطة على استمرار ثقة البرلمان بها. ولا يوجد هذا النموذج سوى في عدد محدود من الديمقراطيات، منها بوتان، وسورينام، وسويسرا.

تقاسم السلطة وتبدّل الائتلافات

لكن في حديثه مع سويس إنفو (Swissinfo)، يوضح غانغهوف أنّ لهذا النموذج، كما يُطبَّق في سويسرا، جملة من المزايا العملية. ويبدأ بمثال مضاد من بلده ألمانيا، المتبنية لنظامٍ برلمانيٍ. ففي برلين، يظلّ الشغل الشاغل للحكومة الائتلافية هو البقاء في السلطة و”إرضاء الجميع”. ومع قدرة الأحزاب المشاركة في الحكم على تعطيل ما لا تريده، يقول:“كثيرًا ما تنتهي السياسات إلى الجمود أو إلى الاكتفاء بأدنى قاسم مشترك” بين أطراف الائتلاف.

وسويسرا، شأنها شأن ألمانيا، تحكمها حكومة متعدّدة الأحزاب. فتضمّ الحكومة الفدرالية سبعة أعضاء ينتمون إلى أكبر أربعة أحزاب في البلاد، وفق“الصيغة السحرية” المعمول بها منذ زمن طويل. لكن، بخلاف المثال الألماني، لا يملك أي حزب مشارك في الحكومة، ولا الرئيس أو الرئيسة، حقّ نقض يتيح تعطيل القرارات. بل تتّخذ الحكومة قراراتها جماعيًا، ويُفضَّل أن يكون ذلك بالتوافق، ثم تدافع عنها علنًا بصفتها هيئة واحدة، ولا يُفترض إعلان مواقف فردية تناقض القرار الجماعي. وهذا هو جوهر“مبدأ الزمالة الحكومية”.

>> كيف يعمل مبدأ الزمالة الحكومية في سويسرا، وما أثره في طريقة اتخاذ الحكومة الفدرالية قراراتها؟

المزيد المزيد الديمقراطية السويسرية هكذا تُتخذ القرارات في الغرف المغلقة للحكومة الفدرالية

تم نشر هذا المحتوى على 30 أبريل 2025 اجتماعات غير معلنة، ولا وجود لرئيس وزراء، وأعضاء يتخذون قراراتهم بشكل جماعي... إليكم صورة شاملة عن طريقة عمل الحكومة السويسرية.

طالع المزيدهكذا تُتخذ القرارات في الغرف المغلقة للحكومة الفد

ورغم السعي إلى التوافق داخل الحكومة الفدرالية، تبقى كيفية استقبال القرارات خارج قاعة الاجتماعات حاضرة بقوة في الحسابات الحكومية. ففي سويسرا، ليست الحكومة صاحبة الكلمة الفصل في سنّ القوانين. ويقول المستشار الفدرالي السابق، فالتر تورنهير، متولّي تنسيق أعمال الحكومة الفدرالية، لصحيفةرابط خارجي نويه تسورخر تسايتونغرابط خارج:“تطلق الحكومة المبادرات، وتقدّم المقترحات، وتجري المشاورات، لكنها لا تتخذ القرار النهائي”. فالبرلمان هو الذي يقرّ القوانين، لا الحكومة. ولذلك، كما يقول غانغهوف، يتعيّن على أعضائها كسب تأييد أغلبية برلمانية.

وبناءً على ذلك، تدرك الحكومة جيدًا ما يمكن أن يحظى بتأييد البرلمان أو رفضه. فعمل البرلمان لا تحكمه تحالفات ثابتة، بل ما يسميه غانغهوف“نظام ائتلافات متبدلة؛ فتارةً تتشكل الأغلبية إلى يسار الوسط، وتارةً إلى يمينه”. وفي هذا النظام، تنخرط الأحزاب في عملية مستمرة من“تشكيل الأغلبيات المعقّدة”؛ ما يعني أن الأغلبية لا تقوم على اصطفافات ثابتة مرسومة سلفًا، بل يعاد تشكيلها بحسب القضية والموضوع.

وفوق ذلك كله، هناك صاحب الكلمة الأخيرة في نظام الديمقراطية المباشرة، الشعب. فنحو 10% من القوانين الجديدة يُطلب إخضاعها لاستفتاء شعبي، وغالبًا ما تأتي المبادرة من حزب لم يتمكّن من فرض موقفه داخل البرلمان. وهذا يعني أنّ على الحكومة مراعاة المزاج الشعبي أيضًا، إلى جانب الخطوط السياسية التي لا تكون الأحزاب مستعدةً لتجاوزها. وقد لخّصت سيلجا هاوزمان، من جامعة زيورخ، هذه العلاقة بقولها لسويس إنفو عام 2023:“في نهاية المطاف، كل استفتاء شعبي هو تعبير عن فشل عملية بناء التوافق”.

ضمانات تكبح قوة السلطة التنفيذية

وفي رأي غانغهوف، يشكّل“استقلال الحكومة عن الهيئة التشريعية” حجر الزاوية في هذا النموذج السويسري. لكنه يؤكد عدم أداء هذا الاستقلال لوظيفته إلا إذا اقترن بضمانات أخرى تكبح قوة السلطة التنفيذية. فإلى جانب الديمقراطية المباشرة، يقوم النظام الانتخابي على التمثيل النسبي، بما يساعد على الحفاظ على برلمان متعدد الأحزاب تتغير داخله الأغلبيات من ملف إلى آخر. ويضيف:“لكن العنصر الحاسم فعلًا هو مبدأ الزمالة الحكومية”. وبما أن الحكومة تتصرّف كهيئة واحدة، تظلّ تركيبتها تميل إلى الاعتدال وإلى ضم شخصيات سياسية تحظى بقبول واسع لدى معظم الأحزاب والرأي العام.

>> في سويسرا، لا يقتصر الأمر على ارتفاع مستوى الثقة بالحكومة مقارنة ببلدان أخرى، بل إن هذه الثقة ازدادت أيضًا خلال العقود الماضية.

المزيد لماذا يثق الشعب السويسري في مؤسسات الدولة؟

في عالم يزداد اضطرابًا، تبرز سويسرا كنموذج للاستقرار، بعملة قوية ومشروعات مستقبلية قابلة للتحقيق، ما يمنحها موقعًا فريدًا في الساحة الدولية.

طالع المزيدلماذا يثق الشعب السويسري في مؤسسات ال

وحتى إذا ساءت الأمور إلى حدّ فقدان الحكومة مصداقيتها بالكامل، يبقى هناك ما يمكن وصفه بـ”الخيار النووي”. فمن الناحية النظرية، يستطيع البرلمان رفض إعادة انتخاب أحد أعضاء الحكومة عندما يحين موعد تجديد انتخابها كل أربع سنوات. لكن عمليًا، لم يحدث هذا سوى أربع مرات خلال 178 عامًا، كان آخرها في 2007. وكقاعدة عامة، يغادر أعضاء الحكومة بقرار شخصي، ويبلغ متوسط مدة البقاء في الحكومة نحو عقد من الزمن. أما أطول مدة مسجلة فبلغت 32 عامًا، وإن كانت في أواخر القرن التاسع عشررابط خارجي.

>> ما دور“رئيس سويسرا”، ولماذا يوجد هذا العدد الكبير من الرؤساء السابقين؟

المزيد المزيد السياسة السويسرية في سويسرا يُوجد أكبر عدد من“الرؤساء السابقين”.. إليك الأسباب!

تم نشر هذا المحتوى على 09 يناير 2023 في سويسرا، يمكن إحصاء 19 عضواً في“جمعية الرؤساء الأحياء السابقين”. لكن ما الذي يعنيه هذا الرقم القياسي؟

طالع المزيدفي سويسرا يُوجد أكبر عدد من“الرؤساء السابقين”.. إليك الأ نموذج قد يفضي إلى ممارسات غير ديمقراطية

لكن يحذّر غانغهوف أيضًا من أنّ نموذج الحكومة المستقلة عن الهيئة التشريعية ليس وصفة مضمونة للنجاح في كلّ مكان. ويقول:“إذا لم تقترن هذه الصيغة بسائر الضمانات المؤسسية التي اعتمدتها سويسرا، فقد يتحول النموذج إلى نظام يبتعد كثيرًا عن المعايير الديمقراطية”.

وتوضح أمثلة أخرى تناولها غانغهوف في ورقته البحثية، هذه الفكرة. ففي بوتان، التي أصبحت دولة ديمقراطية منذ عام 2008، تكفي الأغلبية المطلقة في البرلمان لتشكيل حكومة جديدة، لكن يتطلّب إسقاطها أغلبية الثلثين. وإلى جانب نظام ثنائي الحزب مكرّس دستوريًا، يوفّر ذلك قدرًا من الاستقرار، كما يكتب، لكنه يفضي أيضًا إلى سلطة تنفيذية قوية ونظام لا يتيح للشريحة الناخبة سوى خيارات محدودة.

أما في سورينام، فيقوم النظام الانتخابي على التمثيل النسبي. ولكن هيمنة السلطة التنفيذية والزبائنية السياسية، أي بناء النفوذ من خلال تبادل المنافع والولاءات، تعوقان عمله. ويقول غانغهوف تُستخدم المؤسسات ضمن منظومة من“المساومات السياسية”، وتبادل المصالح، وشبكات الرعاية، والمحسوبية الفاسدة. وهنا، تتفاعل الثقافة السياسية مع تصميم دستوري غير مثالي، فتتفاقم اختلالات النظام بدل أن تكبحها المؤسسات.

حكومة بلا قيادة؟

وللنّظام السويسري سلبياته أيضًا. فرغم وصف الحكومة في كثير من الأحيان بأنها“ضعيفة نسبيًا” مقارنة بغيرها، يظلّ قدرٌ ملحوظٌ من السلطة متركزًا في أيدي عدد محدود من أعضاء الحكومة، كما يقول باسكال شياريني، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جنيف، لسويس إنفو. ولتعزيز المساءلة، طُرحت مرارًا فكرة انتخاب أعضاء الحكومة مباشرة من الشعب، لكنها رُفضت في اقتراعات شعبية، كان آخرها عام 2013. وكانت الحجة المعارضة، قد يدفع الانتخاب المباشر أعضاء الحكومة إلى الانشغال بإعادة الانتخاب أكثر من الاهتمام بالمصلحة الوطنية. ولأسباب مشابهة، لم تلقَ مقترحات تحديد مدة العضوية في الحكومة قبولًا.

ويضيف شياريني، سيكون اقتراحٌ إصلاحيٌّ آخر، يقوم على تعزيز دور رئيس الكنفدرالية داخل الحكومة الفدرالية،“غريبًا إلى حدٍّ بعيد عن الأعراف السويسرية”، الحريصة تاريخيًا على منع تركّز قدر مفرط من السلطة في يد فرد واحد.

ويشير غانغهوف أيضًا إلى أنّ الحكومة لا تجسّد برنامجًا سياسيًّا بعينه، باستثناء ما تجسّده من استقرار واستمرارية، لعدم انبثاقها من حملة انتخابية تتنافس فيها برامج حكومية مختلفة. ولذلك، كلّ أربع سنوات، لا يجد الناخبون والناخبات أمامهم خيارًا واضحًا بين رؤى جديدة لمستقبل البلاد. ويقول:“وهذا أيضًا أحد أسباب امتلاك سويسرا، بفارق كبير، واحدًا من أدنى معدلات المشاركة في الانتخابات بين الديمقراطيات المتقدمة”.

ومع وضع هذه المآخذ في السياق الأوسع، يرى غانغهوف أن التجربة السويسرية تكاد تكون“فريدة من نوعها عالميًا” من حيث البنية، وطريقة العمل، والقدرة على منع تركّز السلطة. أما في ما يتعلق بنموذج“الحكومة المستقلة عن الهيئة التشريعية”، فتخلص أبحاثه إلى أن سويسرا هي“الحالة الوحيدة المُظهِرة للإمكانات الديمقراطية لهذا النموذج”. ويكتب، قد يتحوّل هذا النموذج في بلدان أخرى، إلى“سلاح ذي حدّين”. إذ يسعى إلى الجمع بين مزايا النظامين، البرلماني والرئاسي، لكنه قد ينتهي إلى منح السلطة التنفيذية قدرًا من القوة يتجاوز الحدود الديمقراطية. وفي زمن تتصاعد فيه النزعات الشعبوية والسلطوية، الأكيد أنّ العالم لا يحتاج إلى مزيد من نماذج قد تمنح السلطة التنفيذية قدرًا مفرطًا من القوة.

المزيد نقاش يدير/ تدير الحوار: جانيس مافريس ما هي سمعة سويسرا في البلد الذي تعيش.ين فيه؟

يعتقد العديد من السويسريين.ات أن بلادهم تتمتع بسمعة طيبة في جميع أنحاء العالم. ولكن ما مدى صحة هذا؟

شارك في الح 17 يناير 2024 78 إعجاب 134 تعليق عرض الم

تحرير: بنيامين فون وايل

ترجمة: جيلان ندا

مراجعة: ريم حسونة

التدقيق اللغوي: لمياء الواد

MENAFN23092026000210011054ID1111702107

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث