هيرمان بورخارت.. كيف رأى الرحالة الألماني منطقة الخليج قبل 120 عاماً؟
ولد بورخارت في برلين عام 1857 لعائلة يهودية ثرية، ودرس إدارة الأعمال قبل أن يعمل في تجارة والده، وبعد وفاة والده، قرر التخلي عن العمل التجاري والتفرغ للتصوير، الذي كان شغوفاً به منذ شبابه، كما درس اللغات الشرقية في جامعة برلين، وتعلم العربية والتركية ومبادئ الفارسية والسواحلية، استعداداً لرحلاته التي امتدت نحو 16 عاماً.
وبدأ رحلاته عام 1893 من مصر والمغرب وأجزاء من أفريقيا، قبل أن يتخذ من دمشق قاعدة لرحلاته في العالم العربي، وفي عام 1901 وصل إلى سوريا حاملاً معدات التصوير والتحميض والطبع، ومنها توجه إلى اليمن، التي حظيت باهتمام خاص منه وزارها ثلاث مرات، وفقا لما كتبه دكتور عبدالله المدني في "البيان" تحت عنوان: "هيرمان بورخارت.. موثق أحوال جزيرة العرب فوتوغرافياً".
غير أن إحدى أبرز رحلاته كانت جولته في الخليج العربي بين ديسمبر 1903 وأبريل 1904، والتي شملت أبوظبي ودبي والكويت والبحرين والأحساء وقطر، قبل أن ينتقل إلى عُمان.
الكويت.. بداية الجولة الخليجية
في 6 ديسمبر 1903، غادر بورخارت البصرة بحراً متجهاً إلى الكويت مروراً بالمحمرة، وهناك زار حاكمها الشيخ مبارك الصباح، حاملاً رسالة تعريف من الحاكم العثماني للبصرة، فاستضافه في قصره.
وخلال إقامته، تجول بورخارت في المدينة والتقط صوراً للميناء والمراكب الشراعية التي كانت تنطلق في رحلات تجارية نحو الهند، كما صور سوق الفحم، وما كان يعرض فيه من الفحم والماء والتمر الذي كانت تنقله الجمال والحمير، وقبل مغادرته الكويت، عاد إلى الشيخ مبارك والتقط له صورة شخصية.
البحرين.. الحاكم والشيوخ والمنامة
بعد الكويت، أبحر بورخارت إلى البحرين، ووصلها بعد نحو أسبوع من الرحلة البحرية، وأقام هناك قرابة أسبوع في منزل الوكيل السياسي البريطاني، كما استقبله الشيخ عيسى بن علي آل خليفة في قصره.
وسجلت عدسته مجموعة من الصور التي تقدم لمحة عن البحرين في بدايات القرن العشرين، من بينها صورة لشيوخ البحرين يتوسطهم الشيخ عيسى بن علي، وأخرى لولي العهد الشيخ حمد، إضافة إلى صور لقصر الحاكم، ومسجد الخميس، وأحد شوارع المنامة، وأطلال قلعة برتغالية.
الأحساء.. صور للحياة والأسواق والقوافل
من البحرين توجه بورخارت إلى ميناء العقير، الذي كان يمثل آنذاك منفذ الأحساء الجمركي، فصور الميناء والحصون ومبنى الجمرك وقوافل الجمال القادمة من الهفوف، إلى جانب الجنود الأتراك.
ثم انتقل إلى الهفوف، حيث وثق سور المدينة وأسواقها وبساتين النخيل وقصر الحاكم العثماني والفرقة الموسيقية التابعة للحامية التركية، وتمثل هذه الصور سجلاً نادراً لمعالم الأحساء وعمرانها وحياتها الاجتماعية في تلك المرحلة.
وقد تحدث بورخارت عن الهفوف لاحقاً في محاضرة ألقاها أمام الجمعية الجغرافية في برلين عام 1906، وقدم وصفاً لسكانها وأعمالهم، مشيراً إلى أن عدد سكانها كان يقارب 30 ألف نسمة، وأن الأعمال المختلفة كانت تمارس داخل المنازل، حتى بدت المدينة، بحسب وصفه، كأنها ورشة كبيرة.
قطر.. تسعة أيام عبر الصحراء
غادر بورخارت الهفوف متجهاً براً إلى قطر، في رحلة استغرقت تسعة أيام عبر مناطق حصوية ورملية، وعند وصوله إلى الدوحة، قدم نفسه إلى قائد الحامية التركية الذي استقبله بحفاوة، وأقام في قطر نحو ستة أيام.
وعلى الرغم من قصر إقامته، كانت قطر جزءاً من مشروعه الأوسع لتسجيل ملامح الحياة في الخليج، قبل التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال القرن العشرين.
أبوظبي.. صور نادرة لـ"زايد الأول"
وصل إلى إمارة أبوظبي في فبراير 1904 عن طريق البحر قادماً من قطر. وقد أتى على ذكر ذلك في مذكراته فكتب ما مفاده أنه بمجرد وصوله إلى أبوظبي ذهب مباشرة لرؤية الحاكم حينذاك الشيخ زايد بن خليفة، فلما وصل قصر الحصن، جلس ينتظر إلى أن ظهر الشيخ زايد بن خليفة متوجهاً إلى مجلسه خارج الحصن، فوصفه بقوله: ((تبدو على الرجل هيبة الحكم وسيماء العظمة والوقار)).
وإذا كانت صوره اليمنية هي الأولى من نوعها لهذا الجزء من العالم، فإن الصور التي التقطها في أبوظبي لا تقل أهمية، كونها اشتملت على لقطات نادرة جداً وغير مسبوقة، فعلى سبيل المثال التقطت عدسته صوراً لقصر الحصن التاريخي، الذي ظل مقراً للحكم حتى عام 1971، وصوراً لبيوت السكان المبنية من سعف النخيل وجريده، ومراكب صيدهم التقليدية، علاوة على أول صورة فوتوغرافية للحاكم السابع لإمارة أبوظبي الشيخ زايد بن خليفة بن شخبوط آل نهيان، المعروف بـ((زايد الأول))، و((زايد الكبير)) (حكم من عام 1855 وحتى تاريخ وفاته سنة 1909)، وهو في مجلسه مع أبنائه ومرافقيه، وصورة أخرى له وهو جالس يسند ظهره إلى جدار الحصن وبيده عصاته ويرتدي عباءة سميكة، وصورة ثالثة لخيل من خيوله، قيل إنها جاءته هدية من شريف مكة.
بعد أبوظبي سافر إلى دبي ثم جال في كل المنطقة، ومنها انتقل إلى عُمان، حيث زار ((صحار ومسقط ومطرح)) وغيرها، ووثق معالمها فوتوغرافياً.
ويمكن القول إن بورخارت وجد في أبوظبي مكاناً مثالياً لممارسة عشقه في تصوير كل ما هو فريد ومتمايز بالنسبة لشخص مثله جاء من حضارة أوروبا وصقيعها، ولعل ما يؤكد ذلك أنه عاد إليها مرة أخرى بعد 4 سنوات وهو في طريقه للمرة الثالثة إلى اليمن التي وصلها عام 1909 للالتقاء بصديق له كان يشغل وقتها منصب القنصل الإيطالي في ميناء المخا على ساحل البحر الأحمر، هو الماركيز بينزوني، حيث كان هناك ترتيب مسبق حول انضمامه إلى صديقه في رحلة من المخا إلى صنعاء عبر مدينتي تعز وإبْ. وقتها، أرسل صاحبنا إلى أحد أصدقائه في برلين رسالة على ظهر بطاقة بريدية كان يحتفظ بها، وهو لا يدري أنها ستكون رسالته الأخيرة.
الرسالة مؤرخة في 8 ديسمبر 1909، ومن ما جاء فيها: ((ستصلك هذه البطاقة من مخا، أحد أكثر الأماكن الصغيرة ضياعاً في آسيا. لقد فاقت كل توقعاتي فيما يتعلق بحالها...)).
ما حدث بعد ذلك كان مأساوياً، فبينما كانت القافلة الصغيرة على بعد 3 - 4 أيام من صنعاء سيراً على الأقدام تعرضت لكمين مسلح في منطقة ((العدين)) إلى الغرب من إبْ، حيث تم القضاء على بورخارت والقنصل. وصف البعض الحدث بأنه خطأ في تحديد الهوية، ووصفه البعض الآخر بدافع السرقة، وقال البعض الثالث إن الحادث كان مدبراً للانتقام من بورخارت تحديداً بسبب تواصله مع يهود اليمن.
وبغض النظر عن هوية الجناة ودوافعهم، فإن خبر مقتله قبل وقت قصير من احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية انتشر في العالم بشكل سريع، بل وصلت أصداؤه إلى أماكن بعيدة مثل أستراليا التي خرجت صحيفتها الأولى ((سيدني مورنينغ هيرالد)) وهي تحمل ((مانشيتاً)) يقول: ((مقتل رحالة في مخا)).
بعد مقتله لم يستدل على الجناة لمعاقبتهم، فسجلت الجريمة ضد مجهول وأغلق ملفها. وكل ما حدث هو أن أعلن الحداد في أوساط أفراد الجاليات الأوروبية القليلة في صنعاء والحديدة، ونكست الأعلام المرفوعة على القنصليات الأجنبية المعدودة، وألغيت احتفالات أعياد الميلاد.
وهكذا، طويت صفحة بورخارت، وقام ((ماكس غينسبيرغ)) (ابن أخته) في عام 1911 بإهداء مجموعة خاله القيمة من الصور واللوحات المكونة من ألفي لقطة نادرة إلى متحف الأنثولوجيا في برلين. ولحسن الحظ أنها بقيت منسية في صناديقها داخل قبو المتحف لسنوات، وهو ما أنقذها من الدمار والضياع خلال الحرب العالمية الثانية، لتظهر للملأ عام 2000.. الأمر الذي ساعد المؤرخين والمهتمين على أرشفة نحو 90% من الصور مع كتابة بياناتها باللغتين الألمانية والإنجليزية قبل عرضها.
((رحلة عبر الخليج العربي)) بالنص والصورة
أما في الخليج، فقد صدر في العام 2009 عن ((هيئة أبوظبي للثقافة والتراث)) الطبعة الأولى من كتاب ((رحلة عبر الخليج العربي، من البصرة إلى مسقط)) من تأليف ((آنفريريت نيبا)) و((بيتر هربسترويت))، وترجمة الدكتور أحمد إيبش، وهو كتاب يغطي تفاصيل رحلة بورخارت الفريدة في الفترة من ديسمبر 1903 إلى أبريل 1904 في منطقة الخليج العربي.
وقال الدكتور احمد ايبش مترجم الكتاب: (نرى أننا أمام مجموعة فريدة وأصيلة وحميمة للغاية من الوثائق المصورة، نتلقاها اليوم بكل فخر واهتمام بما تمثله من ماض نعتز به، وارتباط بتاريخ منطقة الخليج العربي عموما والإمارات العربية المتحدة خصوصاً).
- هيرمان بورخارت منطقة الخليج الخليج الخليج العربي زايد الأول
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment