الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية في صدارة الشراكات الإماراتية الألمانية

(MENAFN- Al-Bayan) تدخل العلاقات المشتركة بين دولة الإمارات وألمانيا، مرحلة جديدة تتجاوز المجالات التقليدية للتعاون في التجارة والطاقة والصناعة، لتضع الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية في قلب الشراكة المستقبلية بين البلدين، مستفيدة من طموحات إماراتية متسارعة لبناء اقتصاد قائم على التكنولوجيا، وقاعدة صناعية وعلمية ألمانية تبحث عن تعزيز قدرتها التنافسية في عصر الذكاء الاصطناعي.

وتأتي هذه التحولات مع توجه البلدين نحو توسيع التعاون في التكنولوجيا والاستثمار والذكاء الاصطناعي. وخلال الزيارة الحالية لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى برلين، تبرز التكنولوجيا ضمن مجالات الاتفاقات الجديدة بين الجانبين، بما في ذلك إطار للتعاون التقني يجمع الباحثين والمستثمرين، في وقت يبلغ فيه حجم التجارة غير النفطية بين البلدين نحو 15.6 مليار دولار سنوياً.

ولا يبدأ التعاون التكنولوجي بين الإمارات وألمانيا من نقطة الصفر، إذ يعود اهتمام البلدين بالتعاون في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي إلى سنوات. ففي إطار الشراكة الاستراتيجية، أكد الجانبان أهمية تبادل الخبرات بشأن استراتيجيات الذكاء الاصطناعي ودعم التعاون بين الشركات والمؤسسات البحثية، إلى جانب رقمنة وربط عمليات الإنتاج عبر سلاسل القيمة العالمية.

وفي يوليو 2020، أطلق البلدان ((فريق العمل الإماراتي الألماني للثورة الصناعية الرابعة))، بهدف تسريع وتعميق التعاون في هذا المجال، بما يشمل دمج العمليات الصناعية والتكنولوجيا بالاتصال الرقمي والذكاء الاصطناعي. وشكّل ذلك امتداداً لمسار تعاون سبق أن تناول، في البيان المشترك لعام 2019، استراتيجيات الذكاء الاصطناعي والرقمنة والتعاون بين الشركات ومؤسسات البحث.

ومع التحولات المتسارعة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، تتسع اليوم مساحة هذا التعاون لتتجاوز التطبيقات التقنية المباشرة نحو منظومة أوسع من البنية التحتية والقدرات الصناعية والاستثمارية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

تكامل إماراتي ألماني

ويكشف مسار التعاون بين البلدين عن عناصر تكامل واضحة. فالإمارات تعمل على ترسيخ موقعها مركزاً عالمياً للاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، فيما تمتلك ألمانيا قاعدة صناعية وهندسية وبحثية ضخمة يمكنها توفير التكنولوجيا والخبرات والتطبيقات الصناعية.

وتؤكد الحكومة الألمانية أن التحول الرقمي يقع في قلب خططها الاقتصادية، وأن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى ((نطاق صناعي))، مستندة إلى ما تمتلكه ألمانيا من كميات كبيرة من البيانات الصناعية. كما تتجه برلين إلى الاستثمار في مصانع حوسبة ضخمة للذكاء الاصطناعي، وتسريع إنشاء مراكز البيانات وتطوير البنية التحتية الرقمية اللازمة لاقتصاد تنافسي قائم على الذكاء الاصطناعي.

في المقابل، تتوسع الإمارات في بناء البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، مع التركيز على كفاءة الطاقة والاستدامة.

وفي فبراير 2026، أعلنت وزارة الطاقة والبنية التحتية الإماراتية وشركاؤها مشروعاً تجريبياً لاستخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة استهلاك الطاقة في مراكز البيانات وعمليات تبريد المناطق، في خطوة تستهدف تعزيز تنافسية الدولة مركزاً إقليمياً وعالمياًً لاستثمارات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.

وهنا تظهر إحدى أبرز فرص الشراكة الجديدة بين البلدين: الجمع بين رأس المال والاستثمار والبنية التحتية ومنصات النمو التي توفرها الإمارات، وبين القدرات الألمانية في الهندسة والصناعة والطاقة والأتمتة والبحث والتطوير.

ويمكن أن يمتد التعاون إلى إنشاء وتشغيل مراكز البيانات، وتقنيات التبريد وكفاءة الطاقة، والحوسبة المتقدمة، والرقمنة الصناعية، والبناء الرقمي، والاتصالات الآمنة، إضافة إلى تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصناعة والنقل والطاقة والمياه.

وفي يوليو 2026، بحث مسؤولون إماراتيون وألمان توسيع التعاون في قطاعات شملت البنية التحتية الرقمية والتصنيع المتقدم والابتكار، إلى جانب الخدمات اللوجستية الذكية والابتكار المدعوم بالذكاء الاصطناعي وتقنيات المياه والبناء الرقمي والاتصالات الآمنة.

وتتسع الشراكة التكنولوجية بين الإمارات وألمانيا مدفوعة بحضور متنامٍ للشركات والاستثمارات في قطاعات المستقبل؛ إذ شاركت 21 شركة إماراتية في ((جيتكس أوروبا 2025)) في برلين لعرض مشاريعها الابتكارية، بينها 10 شركات ناشئة قدمت حلولاً في الذكاء الاصطناعي والاستدامة والتكنولوجيا الصحية والمدن الذكية.

وفي المقابل، تضم المناطق التابعة لمؤسسة مناطق دبي الاقتصادية العالمية أكثر من 200 شركة ألمانية، في مؤشر على اتساع قاعدة التعاون في التصنيع المتقدم والرقمنة والابتكار والاقتصاد الرقمي.

وتمثل الاستثمارات المباشرة أحد أهم أبعاد العلاقة الاقتصادية بين البلدين، حيث تظهر بيانات البنك المركزي الألماني، حيث بلغ رصيد الاستثمارات الألمانية المباشرة في الإمارات بلغ نحو 4.059 مليارات يورو في نهاية عام 2024، مقارنة بـ3.561 مليارات يورو في 2023.

وبلغ رصيد الاستثمارات الإماراتية المباشرة في ألمانيا نحو 1.549 مليار يورو في 2023، بعد 1.215 مليار يورو في 2022، بحسب مؤسسة التجارة والاستثمار الألمانية.

وتوضح هذه الأرقام أن تدفقات رأس المال ليست في اتجاه واحد، فهناك حضور ألماني قوي في الإمارات، وفي الوقت ذاته تزداد أهمية رأس المال الإماراتي في الاقتصاد الألماني.

وتتميز الاستثمارات الألمانية في الإمارات بكونها مرتبطة بدرجة كبيرة بالتصنيع والهندسة والتجارة والخدمات واللوجستيات والطاقة والتكنولوجيا، وتستفيد الشركات الألمانية من موقع الإمارات ومن بنيتها التحتية ومن قدرتها على الوصول إلى الأسواق الإقليمية، وأما الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا، فقد أخذت خلال السنوات الأخيرة طابعاً استراتيجياً أكثر وضوحاً، لا سيما في قطاعات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا.

وبحسب وزارة الاقتصاد والسياحة الإماراتية، ارتفع عدد الشركات الألمانية المسجلة في الإمارات بنسبة 35 في المئة خلال عام 2025 ليصل إلى 7685 شركة بحلول نهاية مايو 2026، فيما تجاوز عدد العلامات التجارية الألمانية المسجلة في الدولة 20 ألف علامة.

ويمثل التعاون الصناعي والتكنولوجي مجالاً واسعاً للتكامل بين الاقتصادين، فألمانيا تمتلك قاعدة صناعية متقدمة جداً في مجالات السيارات والآلات والهندسة الدقيقة والكيماويات والأتمتة الصناعية.

بينما تمتلك الإمارات قدرة قوية على تمويل المشروعات واستقطاب الشركات وتوفير بنية تحتية متقدمة وبيئة تجارية مرنة.

ويمكن بناء شراكات في مجالات مثل: الذكاء الاصطناعي، والروبوتات والأتمتة، وأشباه الموصلات، ومراكز البيانات، والأمن السيبراني، والمدن الذكية، والتنقل الذكي، والمركبات الكهربائية، والتقنيات المناخية، والصناعات المتقدمة.

وتوجد مجالات أخرى واعدة للتعاون الاقتصادي، من بينها الأمن الغذائي والزراعة الحديثة، حيث تحرص الإمارات على تطوير تقنيات حديثة في الزراعة وإدارة المياه والإنتاج الغذائي.

وفي الجهة الأخرى تمتلك ألمانيا تقنيات متقدمة في الهندسة الزراعية والأغذية والتصنيع الغذائي. ففي نوفمبر 2025، ناقشت الحكومتان فرص التعاون في مجالات الزراعة والأمن الغذائي والنقل والتكنولوجيا والاقتصاد الجديد، إلى جانب السياحة وريادة الأعمال.

ويعد الذكاء الاصطناعي من أهم مجالات التعاون مستقبلاً، حيث تمثل الإمارات مركزاً متنامياً للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، بينما تمتلك ألمانيا قاعدة صناعية يمكنها استخدام الذكاء الاصطناعي في التصنيع والخدمات اللوجستية والسيارات والطاقة، كذلك يمكن أن تتوسع الاستثمارات المشتركة في البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك مراكز البيانات والحوسبة عالية الأداء.

هناك أيضاً الصناعات المتقدمة، حيث يمكن للشركات الألمانية إنشاء قواعد تصنيع في الإمارات، ليس فقط لخدمة السوق المحلية، بل للتصدير إلى دول المنطقة. كذلك يقدم التحول نحو السيارات الكهربائية والمركبات ذاتية القيادة مجالاً جديداً للتعاون.

كما يمكن للمؤسسات المالية الإماراتية والألمانية زيادة التعاون في تمويل التجارة والاستثمار والمشروعات المستدامة. وكذلك يمكن للشركات الألمانية توفير التكنولوجيا والمعدات والحلول الزراعية، بينما توفر الإمارات رأس المال والمنصات اللوجستية والأسواق.

آليات لتعميق الشراكة

ومن المتوقع ان يعمل الجانبان على عدد من المبادرات، منها: إنشاء برامج استثمار مشتركة موجهة إلى القطاعات المستقبلية، مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والهيدروجين والصناعات المتقدمة.

ومن بين الآليات أيضاً الاستفادة من مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والإمارات لتطوير إطار أكثر وضوحاً للتجارة الرقمية والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا، واستخدام المعارض والمنتديات الاقتصادية، مثل ((جيتكس)) و((إنفستوبيا)) وغيرها، لربط الشركات والمستثمرين من الجانبين.

وقد دخلت مؤسسات ألمانية كبرى مثل ((دويتشه بنك)) في شراكات مرتبطة بمنظومة ((إنفستوبيا))، بما يعكس اتساع التعاون الاقتصادي خارج نطاق التجارة التقليدية.

وبلغت الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي أعلنتها الإمارات عن العامين السابقين، بنهاية 2025، ما يعادل نحو 127 مليار دولار، وهو ما أتاح للدولة بناء بنية تحتية واسعة تشمل مراكز البيانات وإمدادات الطاقة اللازمة لتشغيلها.

وتضع الإمارات أهدافاً طموحة في مجال الأنظمة الذاتية، إذ كشف معالي فيصل البناي، مستشار رئيس الدولة لشؤون الأبحاث الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة في حوار حوار لصحيفة ((هاندلسبلات)) الألمانية عن خطة لنشر أكثر من 10 آلاف مركبة توصيل ذاتية القيادة بحلول عام 2027، بما قد يضع الإمارات في المرتبة الثانية عالمياً بعد الصين من حيث عدد الأنظمة الذاتية المنتشرة، رغم صغر حجمها السكاني والجغرافي مقارنة بالقوى الكبرى.

وتمثل العلاقات التجارية والاستثمارية بين الإمارات وألمانيا نموذجاً متقدماً للشراكات الاقتصادية بين دولة خليجية ذات ثقل عالمي، وقوة صناعية أوروبية لها تاريخ بارز.

وقد انتقلت هذه العلاقة خلال العقود الماضية من التركيز على التجارة في السلع إلى شراكة متعددة الأبعاد تشمل الاستثمار والطاقة والصناعة والتكنولوجيا والخدمات والسياحة والنقل والأمن الغذائي.

كما أن مستقبل هذه العلاقة يبدو مرشحاً لمزيد من التوسع، خصوصاً في قطاعات الطاقة المتجددة والهيدروجين والذكاء الاصطناعي، والصناعة المتقدمة والخدمات الرقمية واللوجستيات.

وارتفع عدد الشركات الألمانية العاملة في الإمارات بنسبة 35% خلال 2025 مقارنة بعام 2024، ليصل إلى 7685 شركة بنهاية مايو 2026، وفق وزارة الاقتصاد والسياحة الإماراتية.

وتمنح الشراكة الرقمية بعداً يتجاوز الاستثمار الثنائي؛ إذ تستطيع الشركات الألمانية استخدام الإمارات منصة للتوسع في أسواق الخليج وآسيا وأفريقيا، بينما تستطيع الاستثمارات والشركات الإماراتية الاستفادة من ألمانيا بوصفها بوابة إلى أكبر اقتصاد صناعي في أوروبا وإلى منظومة واسعة من الجامعات ومراكز البحث والشركات الهندسية والتكنولوجية.

شراكة تتجاوز التكنولوجيا

ولا تكمن أهمية التعاون في الذكاء الاصطناعي في شراء التكنولوجيا أو إنشاء مراكز البيانات فقط، بل في بناء منظومة مشتركة تربط رأس المال بالبحث العلمي والصناعة والطاقة والبنية التحتية والمواهب.

فألمانيا تحتاج إلى استثمارات ضخمة لتسريع التحول الرقمي وتوسيع قدراتها في مراكز البيانات والحوسبة، بينما تبحث الإمارات عن شراكات دولية توفر المعرفة والتكنولوجيا والخبرة الصناعية إلى جانب الاستثمار في الأسواق العالمية.

ويمكن للذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية أن يكون ((مجالاً جديداً رئيسياً)) في العلاقات الإماراتية الألمانية؛ عبر شراكة تستطيع أن تجمع بين القوة الصناعية الألمانية وسرعة الاستثمار والتنفيذ الإماراتية، وتحول العلاقة من تبادل تجاري واستثماري إلى تعاون في بناء البنية التحتية التي سيقوم عليها اقتصاد المستقبل.

  • الإمارات
  • ألمانيا
  • زيارة رئيس الدولة
  • شراكة الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية

MENAFN10092026000110011019ID1111647643

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث