المصلحة الوطنية الأردنية فوق منطق المحاور

(MENAFN- Khaberni)

خبرني - كتب رئيس مركز الازمات السابق اللواء المتقاعد رضا البطوش:

شهد النظام الإقليمي العربي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وتحديداً بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، تصدعاً بنيوياً كبيراً أدى إلى خلخلة موازين القوى لصالح قوى إقليمية غير عربية، على رأسها الجمهورية الإيرانية. لقد تجاوزت السياسة الإيرانية الحدود التقليدية للدبلوماسية لتتبنى مشروعاً مهيمناً يستند إلى أيديولوجية "تصدير الثورة" ونظرية "أم القرى"، مستغلةً الهشاشة السياسية والاضطرابات الطائفية في العالم العربي.
ولفهم الطبيعة العدوانية أو التوسعية للسياسة الإيرانية تجاه العالم العربي، لا بد من العودة إلى الأدبيات المؤسسة للجمهورية الإيرانية منذ عام 1979. فقد نص الدستور الإيراني بوضوح على تصدير الثورة ومساندة الحركات التحررية، من منظور ولاية الفقيه، مما خلق التزاماً أيديولوجياً بتجاوز السيادة الوطنية للدول المجاورة.
ومن منظور جيوسياسي، تسعى إيران إلى استعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية القديمة عبر السيطرة على الطرق التجارية الحيوية والمضائق المائية، مثل مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس عبر الوكلاء. ويرى المفكر الإيراني محمد جواد لاريجاني أن طهران هي القوة المركزية في المنطقة، وأن محيطها العربي مجرد فضاء نفوذ حيوي يجب إدارته من المركز الإيراني.
هناك لحظات في تاريخ الدول يصبح فيها الصمت السياسي نوعاً من المخاطرة، وتصبح العبارات الدبلوماسية المألوفة أقل قدرة على وصف حجم التحول الذي يجري من حولها. والأردن يعيش اليوم واحدة من هذه اللحظات.
فالمنطقة التي عرفناها قبل سنوات لم تعد موجودة. الحدود لم تعد حواجز كافية، والجيوش النظامية لم تعد وحدها أدوات الحرب، والتهديد لم يعد يحتاج إلى قرار بالغزو أو تحريك الدبابات. صاروخ واحد يمكن أن يعبر سماء دولة، وطائرة مسيّرة يمكن أن تتجاوز آلاف الكيلومترات، وخلية مسلحة يمكن أن تُدار من خارج الحدود، وهجوم سيبراني يمكن أن يشل مؤسسة أو اقتصاداً من دون إطلاق رصاصة واحدة.
وعليه، لم يعد السؤال الذي يجب أن يشغل الأردن هو: هل نريد الحرب؟ فلا دولة عاقلة تريد الحرب. السؤال الحقيقي هو: هل نحن مستعدون بما يكفي كي لا يفرضها الآخرون علينا؟ وهنا تبدأ السياسة الحقيقية.
قد يعتقد البعض أن الأردن، بحكم سياساته المتوازنة وتحالفاته الواسعة، قادر دائماً على البقاء خارج حرائق المنطقة. لكن الجغرافيا لا تعترف بالنوايا الحسنة. فالأردن محاط بمساحات ملتهبة، ويتعامل مع تداعيات صراعات لا يملك قرار إشعالها، لكنه قد يكون من أوائل الدول التي تدفع ثمن استمرارها.
فمن الشمال والشرق، دول لم تستكمل بعد استقرارها النهائي، وحدود مفتوحة على شبكات تهريب وفوضى إقليمية وصراعات نفوذ. ومن الغرب، القضية الفلسطينية بكل أبعادها السياسية والأمنية والاستراتيجية، وما يحمله المشروع الصهيوني من تهديد مباشر للأمن الوطني الأردني، ولا سيما ما يرتبط بمشروع اسرائيل الكبرى، والسياسات والأفكار التي تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني وإعادة طرح مشروع "الوطن البديل"، بما يمس بصورة مباشرة الهوية الوطنية الأردنية وسيادة الدولة واستقرارها ومصالحها العليا.
وعلى صعيد الإقليم، هناك صراع متصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، تتدخل فيه إسرائيل باعتبارها طرفاً مباشراً، وتتحرك حوله جماعات مسلحة وقوى إقليمية ودولية متعددة.
هذا هو الواقع. ومن الخطأ السياسي أن نتعامل معه كما لو كان أزمة مؤقتة ستنتهي ببيان دبلوماسي أو جولة مفاوضات. الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة، والأردن لا يستطيع أن يبني أمنه على افتراض أن الآخرين سيتصرفون دائماً بعقلانية.
السياسة الجادة لا تحتاج إلى شيطنة الخصوم، لكنها تحتاج إلى تسمية المخاطر بأسمائها. إيران ليست مجرد دولة تختلف مع بعض الدول العربية سياسياً؛ إنها قوة إقليمية تمتلك مشروعاً وأدوات نفوذ عابرة للحدود، تشمل قدرات صاروخية ومسيّرات وشبكات سياسية وعسكرية وحلفاء مسلحين في أكثر من ساحة عربية. وهذا ما لا يمكن تجاهله.
لكن الخطأ المقابل هو أن يتحول الحديث عن إيران إلى مبرر يدفع الأردن إلى الدخول في حروب الآخرين. الأردن ليس مطلوباً منه أن يخوض حرباً أمريكية ضد إيران، كما أنه ليس مطلوباً منه أن يقبل بأن تتحول أراضيه إلى ممر أو ساحة أو منطقة رمادية تستخدمها أي قوة إقليمية.
هذه هي المعادلة التي يجب أن تكون واضحة: الأردن لن يقبل أن يكون جزءاً من مشروع إيراني، ولن يقبل أن يكون جزءاً من مشروع إسرائيلي، ولا يجب أن يكون مجرد منصة تنفيذية لسياسات أي قوة دولية. الأردن دولة ذات مصالح، وله مصالح لا يجوز أن تضيع بين المحاور.
إن الحقيقة الأكثر قسوة، لكنها الأكثر أهمية، هي أن لا أحد سيحمي الأردن أكثر من ابنائه. الولايات المتحدة حليف مهم للأردن، والعلاقات العربية ضرورة استراتيجية، والشراكات الدولية جزء أساسي من قوة الدولة الأردنية. لكن التاريخ لا يترك مجالاً للشك في حقيقة واحدة: الدول الكبرى تحمي مصالحها أولاً. قد تتقاطع مصالحها مع مصالح حلفائها، وقد تقدم لهم الدعم، وقد تدافع عنهم في لحظات معينة، لكن القرار النهائي في العواصم الكبرى يُتخذ دائماً وفق حسابات تلك العواصم. ولهذا فإن بناء الأمن الوطني الأردني على افتراض أن الآخرين سيبقون دائماً في المكان نفسه، وبالموقف نفسه، وبالالتزام نفسه، سيكون خطأً استراتيجياً.
نعم، الأردن يحتاج إلى الولايات المتحدة، لكنه يحتاج أكثر إلى أن تكون لديه قدرة تجعله شريكاً لا مجرد متلقٍ للحماية. ونعم، الأردن يحتاج إلى التحالفات، لكنه يحتاج أيضاً إلى قاعدة قوة وطنية لا تنهار إذا تغيرت الإدارة في واشنطن أو تبدلت الأولويات الدولية. فالحليف القوي يُحترم أكثر من الحليف الذي لا يملك خيارات.
لقد حان الوقت للانتقال من إدارة المخاطر إلى بناء عقيدة أمن وطني للمرحلة المقبلة. وعنوان هذه العقيدة يجب أن يكون بسيطاً: لا حرب نريدها، ولا تهديد نقبله، ولا سيادة نتنازل عنها. وهذه العقيدة يجب أن تتحول إلى سياسات عملية. يجب أن يمتلك الأردن منظومة دفاع جوي وصاروخي قادرة على التعامل مع واقع جديد أصبحت فيه الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة تهديداً يومياً محتملاً. لم يعد مقبولاً النظر إلى الدفاع الجوي باعتباره مجرد ملف عسكري تقني. إن سماء الأردن جزء من سيادته، ومن يسيطر على السماء يستطيع أن يفرض على الأرض حقائق سياسية وعسكرية. ولهذا يجب أن يستمر الأردن في تطوير قدراته في مجالات الدفاع الجوي متعدد الطبقات، ومواجهة المسيّرات، والرادارات والإنذار المبكر، والحرب الإلكترونية، والقدرات المضادة للصواريخ، وحماية المنشآت الحيوية.
ومن أكثر الأخطاء خطورة اختزال ما يجري على الحدود في قضية تهريب مخدرات أو نشاط إجرامي تقليدي. فالتهريب، عندما يرتبط بالسلاح والمال والشبكات العابرة للحدود والجماعات المسلحة، يصبح قضية أمن قومي.
والمطلوب من الأردن هو التعامل مع الحدود الشرقية والشمالية باعتبارها جبهة دفاع استراتيجية. هذا يعني أن تتحول الحدود إلى منظومة ذكية متكاملة تستخدم التكنولوجيا والاستطلاع والطائرات المسيّرة والاستشعار والتحليل الرقمي والاستخبارات.
لا يمكن مواجهة تهديدات القرن الحادي والعشرين بعقلية القرن الماضي. ويجب أن يكون واضحاً أن حماية الحدود ليست مسؤولية القوات المسلحة وحدها؛ إنها مسؤولية منظومة دولة كاملة: استخبارات، وأمن، وقضاء، واقتصاد، ومجتمع، وتعاون إقليمي. فالشبكات التي تبدأ بعملية تهريب صغيرة قد تنتهي، إذا تُركت، إلى بنية اختراق واسعة.
ومن يريد أن يفهم الأمن الوطني الأردني، عليه أن يتوقف عن التعامل مع فلسطين باعتبارها مجرد ملف خارجي. بالنسبة للأردن، القضية الفلسطينية قضية أمن وطني وهوية ومستقبل واستقرار. وأي محاولة لفرض التهجير على الشعب الفلسطيني، أو تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن، أو إعادة إنتاج مشاريع الوطن البديل، ليست قضية تفاوضية عادية؛ إنها مسألة تمس المصالح الوطنية الأردنية مباشرة. وهنا يجب أن يكون الموقف الأردني أكثر وضوحاً: الأردن لا يستطيع حماية أمنه الوطني إذا سمح بأن تتحول القضية الفلسطينية إلى أزمة مفتوحة تُدار على حسابه. والدفاع عن حل عادل للقضية الفلسطينية ليس موقفاً عاطفياً؛ إنه جزء من الدفاع عن الأردن نفسه. ولهذا فإن أي ترتيبات إقليمية تتجاهل الحقوق الفلسطينية أو تحاول فرض حلول أحادية بالقوة ستبقى مصدراً دائماً لعدم الاستقرار.
إن الأمن الوطني لا يبدأ عند الحدود. إنه يبدأ أيضاً عند فاتورة الطاقة، وسعر الغذاء، وفرص العمل، وقدرة الدولة على الاستمرار في وقت الأزمات. فالأردن الذي يعتمد على الآخرين في احتياجاته الاستراتيجية سيكون أكثر عرضة للضغط في الأزمات. ولهذا فإن الأمن الاقتصادي يجب أن يصبح جزءاً من العقيدة الوطنية. فالأردن بحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الأمن الغذائي، وحماية سلاسل التوريد، وبناء احتياطيات استراتيجية، ودعم الصناعة الوطنية، وتطوير الصناعات الدفاعية والتكنولوجية، وتقليل الاعتماد على الخارج في القطاعات الحساسة، وحماية النظام المالي من الصدمات. فالاقتصاد الضعيف ليس مجرد مشكلة معيشية؛ إنه ثغرة في جدار الأمن الوطني. والبطالة ليست مجرد رقم اقتصادي. فإذا تراكمت مع الإحباط وغياب الفرص، فإنها تتحول إلى مشكلة أمنية وسياسية. والدولة القوية لا تنتظر الأزمة كي تسأل كيف تمول نفسها؛ الدولة القوية تبني اقتصاداً يستطيع الصمود قبل أن تصل الأزمة.
إن أخطر جبهة هي الجبهة الداخلية. يمكن اعتراض الصاروخ، ويمكن إغلاق الحدود، ويمكن ملاحقة شبكات التهريب، لكن ماذا عن التهديد الذي يدخل عبر الانقسام؟ ماذا عن خطاب الكراهية؟ ماذا عن التضليل الإعلامي؟ ماذا عن محاولة تحويل الخلاف السياسي إلى صراع اجتماعي؟ ماذا عن اختراق عقول الشباب قبل اختراق الحدود؟ هنا يجب أن ندرك أن وحدة المجتمع الأردني هي أحد أهم عناصر الردع الوطني. إن أي مشروع خارجي يريد إضعاف الأردن سيبحث أولاً عن نقاط الانقسام. ولهذا فإن حماية الوحدة الوطنية يجب أن تكون جزءاً من الأمن القومي. لا طائفية، ولا مناطقية، ولا خطاب كراهية، ولا ولاءات تتقدم على الدولة، ولا تحويل الاختلاف الطبيعي داخل المجتمع إلى أدوات تستخدمها القوى الخارجية. الأردنيون قد يختلفون في السياسة، لكن يجب ألا يختلفوا على الأردن.
هناك حقيقة أخرى لا يجب تجاهلها. الأردن يعيش إلى جانب دولة الكيان الصهيوني، وفي منطقة تشهد تحولات سياسية وأمنية متسارعة، والأمن الوطني لا يُبنى على النوايا، بل على الاحتمالات. إن أي تغيير في الضفة الغربية، وأي انفجار سياسي أو أمني فيها، وأي محاولة لفرض وقائع جديدة تتعلق بالتهجير أو الأرض أو السكان، ستكون له انعكاسات مباشرة على الأردن. وهنا يجب أن يكون الموقف الأردني ثابتاً: لا يمكن أن يُطلب من الأردن أن يدفع ثمن سياسات لم يشارك في صنعها. ولا يمكن أن يكون الاستقرار الأردني تعويضاً عن فشل الآخرين في الوصول إلى حل سياسي عادل. فالأمن الأردني لا ينفصل عن استقرار الضفة الغربية، كما لا ينفصل عن منع التهجير وحماية الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
ربما يكون أكبر خطر سياسي في المرحلة المقبلة هو محاولة دفع الدول إلى الاصطفاف الكامل: إما مع هذا المحور أو ذاك، إما مع هذه الحرب أو تلك، إما مع هذا المشروع الإقليمي أو ضده. لكن الأردن لا يستطيع تحمل سياسة الاصطفاف الأعمى. مصلحته الوطنية تفرض عليه أن يحافظ على تحالفاته، وأن يوسع خياراته، وأن يتحدث مع الجميع عندما يخدم ذلك مصالحه. لكن في الوقت نفسه، يجب أن يعرف الجميع أن هناك خطوطاً لا يمكن تجاوزها: لا استخدام للأردن ساحة لتصفية الحسابات، ولا استخدام لأجوائه أو حدوده بطريقة تضر بمصالحه الوطنية، ولا تهديد لأمنه الداخلي تحت أي ذريعة، ولا مساومة على السيادة. هذه ليست سياسة حياد سلبي؛ إنها سياسة استقلال وطني. والفرق كبير.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الدولة هو أن تنتظر الأزمة كي تبدأ الاستعداد لها. فالوقت ليس في صالح الدول التي تؤجل بناء قوتها. الأسلحة تُشترى قبل الحرب، والاقتصادات تُحصّن قبل العقوبات، والمجتمعات تُوحّد قبل الفتن، والتحالفات تُبنى قبل الأزمات، والاستراتيجيات لا تُكتب بعد سقوط الصاروخ.
الأردن لا يحتاج إلى الخوف، لكنه يحتاج إلى الواقعية. ولا يحتاج إلى التهويل، لكنه يحتاج إلى الاستعداد. ولا يحتاج إلى الدخول في حرب، لكنه يحتاج إلى أن يجعل التفكير في تهديده مكلفاً لأي طرف.
المطلوب ليس تغييراً في هوية الأردن السياسية، ولا التخلي عن دبلوماسيته المتوازنة، ولا الانضمام إلى محاور جديدة. المطلوب هو شيء أكثر أهمية: أن تكون الدبلوماسية الأردنية مسنودة بقوة وطنية تجعل الآخرين يحسبون حساباً لمصالح الأردن قبل اتخاذ قراراتهم.
إن المعادلة التي يجب أن تحكم المرحلة المقبلة واضحة: "لا سيادة بلا قدرة، ولا قدرة بلا اقتصاد قوي، ولا اقتصاد قوي بلا مجتمع متماسك، ولا مجتمع آمن بلا دولة يعرف الجميع أن أمنها الوطني خط أحمر". هذه ليست دعوة إلى الحرب، إنها دعوة إلى أن نكون أقوياء بما يكفي كي لا نُجبر عليها.

MENAFN10092026000151011027ID1111644742

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث