كيف تقود القوى الوسطى دفة الاستقرار في عالم تتجاذبه الفوضى؟
أشار معالي كارل بيلت، الرئيس المشارك للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ورئيس وزراء ووزير خارجية السويد الأسبق، إلى أن خطاب رئيس وزراء كندا، مارك كارني، الذي ألقاه في فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة دافوس السويسرية في وقت سابق من العام، مثّل نقطة تحول محورية في لفت الانتباه العام إلى ما أسماه "تداعي النظام القائم على القواعد" وضرورة تكاتف القوى الوسطى للتعامل مع الواقع الجيوسياسي والجيوإقتصادي الجديد.
وردًا على سؤال حول كيفية رؤيته لحدة المنافسة بين القوى الكبرى وما إذا كانت ستعيد صياغة الأهمية الاستراتيجية للقوى الوسطى أو تضغط على الدول لتنحاز إلى طرف دون آخر كما حدث في الحرب الباردة، استهل بيلت حديثه بطرح بعض التحفظات على جانبين رئيسيين من موضوع الجلسة؛ أولاً، يبرز مفهوم "القوة الوسطى" بوصفه المصطلح الأكثر تداولاً والحضوراً في النقاشات العالمية الراهنة، لا سيما في ظل ما شهده العام الحالي من حوارات مكثفة حوله؛ غير أنني أواجه صعوبة بالغة في تحديد تعريف دقيق ومنهجي لمفهوم القوة الوسطى ذاته. فعلى سبيل المثال، يتسامى اللبس وتتعدد التساؤلات حول طبيعة التصنيف: هل تُعد السويد قوة وسطى؟ وهل تعتبر الهند كذلك؟ ويصبح الأمر أكثر تعقيداً عند إسقاطه على دول مثل كازاخستان أو صربيا. ولا يعني هذا استحالة وضع تعريفات متعددة للمصطلح، بقدر ما يعكس تعقيد بنيته وتشعب دلالاته.
مفترق طرقأما الجانب الثاني فيتعلق بمصطلح "تمزق النظام العالمي"، المستمد أساساً من خطاب رئيس الوزراء مارك كارني في دافوس. وهنا، لا أعتقد أننا أمام حالة "تمزق مطلق" أو قطيعة تامة للنظام العالمي؛ بل ما نشهده بوضوح هو عمليات تآكل وتغيير مستمرين، مصحوبة بتنامٍ ملحوظ في مظاهر عدم احترام القواعد الناظمة للنظام العالمي. ومع ذلك، أرى أنه من الأهمية بمكان الإقرار بوجود جوانب أساسية من النظام العالمي لا تزال صامدة وقائمة. وبناءً عليه، أعتقد أن المهمة الأساسية للقوى الوسطى –بغض النظر عن التسميات التي تطلق عليها– تتمثل في الحفاظ على أقصى قدر ممكن من الدعم للشرعية الدولية وقواعد اللعبة المشتركة بشتى السبل والوسائل، وهو أمر ينبغي أن يشكل قاسمًا مشتركاً يوحد صفوفنا.
ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل الجوهري حول موقعنا الراهن في معادلة "القوة"؛ فقد اعتاد المجتمع الدولي طويلاً الحديث عن "القوى العظمى"، وهو تعبير فقد الكثير من حضوره الفعلي بالطريقة السابقة. فعندما نتساءل عن هوية القوى الكبرى، نجد أنها عادةً ما تُرتبط وتُعرّف بامتلاكها ترسانات عسكرية ضخمة وهائلة. غير أن التطورات الأخيرة أثبتت بوضوح حدود هذه القوة العسكرية ذاتها؛ فقد خبر كل من الرئيس بوتين والرئيس ترامب حقيقة أن شن الحرب أمر متاح، لكن الفوز بها عبر تحقيق الأهداف السياسية المنشودة بات أمراً بالغ الصعوبة والتعقيد. ولقد شهدنا بأنفسنا كيف أظهرت أقوى آلتين عسكريتين على مستوى العالم حدود قدراتهما العسكرية في السنوات الأخيرة.
أدوات بديلةوفي المقابل، نشهد صعوداً ونمواً لقوى وأدوات تأثير بديلة، تمثلت في القوى التكنولوجية، والقوى الناعمة، وما بات يُعرف حديثاً بـ "القوى الذكية". وهنا تتجلى بوضوح تجارب دول مثل دولة الإمارات العربية المتحدة وكازاخستان، اللتين توظفان أدوات تتميز بقدر أكبر من الذكاء والنعومة لفرض تأثيرهما النوعي والفاعل على مسرح الأحداث العالمي.
وأزعم أنه عند النظر في الاستراتيجيات التي تتبناها الدول داخل هذا العالم الذي يتسم بقدر هائل من الديناميكية والخطورة، فإننا بحاجة ملحة إلى تطوير نهج شبكي متعدد الأبعاد للتعامل مع مفهوم القوة. فكل دولة تمتلك نفوذاً في قطاعات ومجالات محددة، في حين أن قليلاً جداً من الدول تمتلك نفوذاً شاملًا في جميع المجالات، بينما تكاد لا تخلو أي دولة من امتلاك شكل من أشكال القوة. إن طيف القوى المتاح لدى مختلف الدول يتسم بالتنوع الشديد، مما يفرض على أي دولة ضرورة بناء شبكة من علاقات الثقة المتبادلة في اتجاهات متنوعة وحيال قضايا مختلفة، وذلك بغرض حماية مصالحها وتطوير قدراتها الذاتية.
قوة وسطىوبهذا المعنى العميق، يمكن القول إنه على الرغم من تشككي الأولي في كيفية تأطير وتعريف القوة الوسطى، فإننا من هذا المنظور نجد أن كل دولة في عالم اليوم باتت تُمثّل "قوة وسطى"؛ إذ لم يعد أي طرف يتمتع بمستويات القوة المطلقة التي كان يعتقد امتلاكها سابقاً، بعدما سقطت الأهمية المطلقة وأثبتت القوة العسكرية حدودها. وحتى أصغر الدول حجماً، بل وحتى الكيانات التي قد لا يحظى بعضها باعتراف رسمي واسع مثل تايوان، باتت تمتلك مقومات قوة هائلة؛ فشركتا "TSMC" التايوانية و"ASML" الهولندية تُعدان من أثرى وأقوى الكيانات المؤثرة في الاقتصاد العالمي، على الرغم من انتسابهما إلى دول صغيرة المساحة.
وعليه، فإن كافة هذه الدول تُعتبر بمثابة قوى وسطى، وجميعها تشترك في الاعتماد الحيوي على بناء شبكة من العلاقات القائمة على الثقة للتعامل مع نظام عالمي يواجه تهديدات حقيقية، ويمر بحالة من الاضطراب المستمر، ويتطور باستمرار نحو اتجاهات يصعب التنبؤ بتفاصيلها بدقة متناهية.
آفاق دفاعيةوأكد كارل أن السويد تتمتع منذ فترة طويلة بقاعدة صناعية دفاعية متقدمة وناضجة؛ ونظراً لأن هذه القواعد أصبحت بالغة الحساسية والحاسمة في تشكيل الوكالة والقدرة الاستراتيجية للقوى الوسطى –بغض النظر عن كيفية تعريفاتها– فإن القرارات المتخذة حيالها تشكل مؤشراً واضحاً على الاتجاهات الاستراتيجية طويلة المدى. ففي الأسبوع الماضي وحدها، أبرمت السويد اتفاقية جديدة لتكثيف وتعميق التعاون الدفاعي، فضلاً عن الحصول على فرقاطات بحرية لصالح البحرية الملكية السويدية بقيمة بلغت 4.3 مليار يورو. ومن هنا، يبرز التساؤل عما إذا كان من الممكن قراءة هذا القرار كرغبة حقيقية في تعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي ودعم الإنتاج المحلي؛ وعما إذا كان الإنتاج الدفاعي المشترك قادراً على توفير أساس صلب لتعزيز وتوطيد شراكات القوى الوسطى؛ وأخيراً، مدى إمكانية قيام السويد بتكرار هذا النموذج مع منطقة الخليج.
وأضاف كارل أن التقنيات تشكل بوضوح صلب وعصب التغييرات التي نشهدها في عالم اليوم؛ وعليه، فإن تأسيس وتطوير علاقات تكنولوجية قوية يُعد أمراً في غاية الأهمية بالنسبة لدول مثل دولة الإمارات العربية المتحدة أو السويد. وأوضح أننا نكون أكثر قدرة على تطوير تلك القدرات الخاصة إذا امتلكنا البنيات التحتية التي لا تجعلنا مجرد مستهلكين أو متلقين للتكنولوجيا أينما وجدت، بل تمنحنا القدرة على توفيرها وإنتاجها أيضاً.
ثورة رقميةوفي هذا السياق، تطرق إلى ما ذكره بشأن السويد وفنلندا، لافتاً إلى أنه يمكن القول إن السويد وفنلندا، إلى جانب الصين مصادفةً، هما الدولتان اللتان تمتلكان المعرفة المطلقة والعميقة عندما يتعلق الأمر بتقنيات وشبكات الجيل الخامس (5G). وأعتقد أنه يجب علينا إدراك أن شبكات الاتصالات المتنقلة التي تدمج العالم بأسره، وحقيقة امتلاكنا لتلك القدرة التكنولوجية المتقدمة، تعنيان أننا نشكل شركاء أكثر جاذبية عندما يتعلق الأمر بتطوير علاقات تعاون مع العديد من الدول الأخرى التي ابدت اهتماماً بما يمكننا تقديمه وتوفيره لها، وهو ما يرفع من قيمتنا وجاذبيتنا كشركاء فاعلين.
مع ذلك، ورغم كل النقاشات الدائرة حول ما يُعرف بـ "العولمة المضادة" بوصفها مفهوماً شائعاً ومتداولاً، فإننا مندمجون بعمق، بل ومندمجون بعمق شديد في سلاسل القيمة العالمية. وهنا ضرب مثلاً بإحدى أكثر الشركات إثارة للاهتمام في القارة الأوروبية، وهي شركة "ASML" الهولندية، التي تُعد المُصنّع الوحيد في العالم للآلات الضخمة والعملاقة المسؤولة عن إنتاج الرقائق المتقدمة للغاية، والتي تُشحن آلاتها إلى تايوان وكوريا الجنوبية لتُستخدم في صناعة كافة الرقائق لشركات كبرى مثل "إنتل" أو غيرها. وأوضح أن هذه الشركة، بصفتها منتجاً محتكراً في هولندا، تمتلك سلسلة قيمة تمتد –إذا كنت أتذكر جيداً– لتشمل 40 دولة مختلفة، ولديها نحو 60 منتجاً رئيسياً، حيث يتم تصنيع ما يتراوح بين 80% إلى 90% من المكونات بواسطة شركات أخرى، مع دمج معظم عملياتها في أوروبا الغربية والاتحاد الأوروبي، وبشكل متزايد على النطاق العالمي.
سلاسل إمدادهذا التشابك يعني أن اعتمادنا المتبادل هائل وغير مسبوق. وأعتقد أنها تُعد الشركة الأوروبية الأكثر قيمة وسوقية في الوقت الراهن، وأقول "أعتقد" لأنها عادةً ما تتنافس على هذا اللقب مع شركة "نوفو نورديسك" (Novo Nordisk)، وهي شركة دانماركية رائدة في قطاع الأدوية. وإذا نظرت إلى سلاسل القيمة الخاصة بشركات الأدوية، فسيتضح أن الأمر يزداد تعقيداً بشكل أكبر، نظراً للاعتماد المتبادل على المواد الأولية والسلع الوسيطة التي تأتي من الهند، والصين، وبلجيكا، وغيرها من البلدان. إننا مندمجون بشكل هائل، وهو ما يفرض علينا ضرورة تطوير قواعد محكمة تحمي أمن سلاسل القيمة هذه بالقدر الأقصى الممكن.
ورغم ذلك، لن يكون تأمين هذه السلاسل ممكناً بنسبة 100% أبداً. وعليه، وسواء كنت تمثل دولة صغيرة أو متوسطة الحجم –أو كما أشرت مسبقاً إلى أن الجميع باتوا يعتبرون قوى وسطى– فيجب أن تكون على يقين تام من امتلاكك لدرجة عالية من المرونة داخل سلاسل القيمة؛ لأنه عندما تقع التغييرات، يجب أن تكون قادراً على التكيف السريع. فإذا تم إغلاق مضيق هرمز، يتوجب عليك التكيف؛ وإذا اندلعت حرب في أي مكان بالعالم، فيجب عليك التكيف؛ وإذا قررت أي قوة كبرى شن حرب ضد طرف ما، وجب عليك التكيف أيضاً. وكلما زادت وتوفرت القواعد المتفق عليها دولياً حول كيفية إدارة ذلك التكيف، كلما تحسنت وتعاظمت إمكانياتنا وخياراتنا.
مرونة تامةوختم بيليت تأكيده بالقول إننا نقول هذا لنؤكد أنه في ظل هذا العالم شديد التقلب، والديناميكية، والتسارع في التغير، فإن مرونة صنع السياسات، والقدرة على بناء شبكات من علاقات الثقة المتبادلة –سواء كانت بين الدول أو مع الجهات الفاعلة من القطاع الخاص التي تكتسب أهمية متزايدة يوماً بعد يوم– تظل كلها أموراً حاسمة تحدد إلى حد كبير طبيعة القوة اللازمة لحماية نفسك والقدرة على إسقاط وإبراز نوع التأثير الذي ترغب حقاً في ممارسته على بقية العالم.
- منتدى هيلي الإمارات أبوظبي القوى الوسطى السويد كارل بلدت كارل بيلت دافوس تحديات عالمية صراع القوى
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment