آلان ديليترو: المدافع عن قوانين الحرب في عالم لم يعد يؤمن بها
أعمل من جنيف، وأغطي نشاط الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى. أركز على المساعدات الإنسانية وحقوق الإنسان ودبلوماسية السلام. درست التجارة والاقتصاد في جامعة لوزان قبل أن أتدرب كصحفي وأنضم إلى فريق سويس أنفو في عام 2021.
-
مقالات أخرى للكاتب
القسم الفر
-
Deutsch
de
Alain Délétroz – Verteidiger des Kriegsrechts in einer Welt, die nicht mehr daran glaubt
طالع المزيدAlain Délétroz – Verteidiger des Kriegsrechts in einer Welt, die nicht mehr daran g
Français
fr
Alain Délétroz, défenseur des lois de la guerre dans un monde qui n'y croit plus
الأصلي
طالع المزيدAlain Délétroz, défenseur des lois de la guerre dans un monde qui n'y croit
يُعدّ التواصل مع أشدّ الجماعات المسلحة دمويةً في العالم وتوعيتها بقواعد الحرب، مهنةً غريبةً بكل المقاييس. لكن يمتلك آلان ديليترو من الكاريزما والهدوء، ما يؤهّله لها. فخلف نظرته الثاقبة التي تفرض الإصغاء على مخاطِبه، يكمن إنسان رقيق، تكشفه نبرته الهادئة المتزنة قبل أن تكشفه حفاوة الاستقبال. فلم ينس هذا السويسري الذي جاب أصقاع العالم، جذوره؛ استقبلنا بفنجان قهوة، وقطعة شوكولاتة سويسرية بطبيعة الحال.
حين سألناه عمّا دفعه إلى قبول منصب مدير منظمة نداء جنيف (Appel de Genève) عام 2017، أجاب:“منذ صغري، أنجذب إلى ما يجعل الإنسان إنسانًا حتى في أحلك الظروف”. وهذا“الإيمان بالإنسانية” الراسخ، الذي ورثه من طفولته في“عائلة كاثوليكية في آيان (بكانتون فاليه غرب سويسرا)، هو ما قاده إلى العمل الإنساني. مسيرةٌ بدأها عام 1994 مندوبًا للجنة الدولية للصليب الأحمر في موسكو.
يقول ديليترو:“ما لفت انتباهي في مناصبي المختلفة، ولا سيما في سنواتي الأولى مندوبًا شابًا، هو إمكانية إيجاد هذه الشرارة من الإنسانية في قلوب أناس ارتكبوا أبشع الجرائم. هذا بالضبط ما تراهن عليه منظمة نداء جنيف”.
شرارة الإنسانيةتأسّست منظمة نداء جنيف بهدف تعريف الجماعات المسلّحة باتفاقيات جنيف، وسدّ فراغ كان قائمًا في القطاع الإنساني. وبعد ربع قرن، باتت فاعلًا لا يمكن تجاهله في منظومة جنيف الدولية، وإن ظلّت من أكثر الجهات تحفّظًا وبُعدًا عن الأضواء.
واليوم، تتواصل المنظمة مع أكثر من 200 جماعة مسلحة موزّعة حول العالم. ويتطلّب التقرّب منها وكسب ثقتها معرفةً عميقة بالميدان، ما دفعها إلى بناء شبكة مكاتب إقليمية منذ عشر سنوات. ويوضح ديليتروز:“لم يعد موظفو المقر وموظفاته في جنيف هم من ينزلون من الطائرة لبدء الحوار. زملاؤنا وزميلاتنا على أرض الواقع يتولّون هذه المهمة”، مشيرًا إلى تدخّله في مرحلة لاحقة حين تتاح فرصة لقاء قادة رفيعي المستوى.
فكيف يُقنع قادةَ جماعات مسلحة، لا يجمعه بهم شيء ظاهريًا، باحترام قانون دولي إنساني يجهلونه أو يرفضونه؟
يوضح بلا مواربة:“لا تكفي الحجج القانونية المجردة وحدها لتغيير سلوك جماعات ارتكبت عنفًا صارخًا ضد المدنيين والمدنيات لسنوات أحيانًا. لا بدّ من إيجاد شيء آخر”.
هذا“الشيء الآخر” هو تلك“الشرارة من الإنسانية” التي يعود إليها ديليترو مرارًا. يقول:“عليك إيجاد ما يتيح لك بناء جسور في منظومتهم الفكرية أو أيديولوجيتهم”، مؤكدًا:“لا توجد وصفة جاهزة”.
ولا شك أنّ إتقانه لغات عدّة، منها الروسية والكيتشوا التي تعلمها في شبابه بين السكان الأصليين في بيرو، يشكّل ميزة مهمة. كذلك يؤدي إيمانه العميق دورًا محوريًا، وهو إيمان رعاه طوال حياته وصقله خلال دراسة امتدّت عامين في مجمع الآباء الروحانيين (Spiritains) في باريس. إذ يشدّد على احتلال الأبعاد الثقافية والدينية مكانة بالغة لدى هذه الجماعات الساعية دومًا إلى“قضية”.
ويقول معترفًا:“إن شكّكت في قضيتهم، انتهى الحوار. وبطبيعة الحال، حين أصل إلى بعض النزاعات، يصعب عليّ كمواطن، الاقتناع بعدالة قضيتهم”. لكن يتيح له الحياد الإنساني تجاوز الاعتبارات السياسية. ويضيف بجدية:“نحن لا نناقش أسباب القتال، بل طريقته ومسؤولية المقاتلين تجاه المدنيين والمدنيات”.
ومن هذا المنطلق، تنشأ تفاعلات قد تبدو لمراقب خارجي او مراقبة مستغربة أحيانًا. ويحكي ديليترو وتعلو وجهه ابتسامة لا تخلو من حرج:“مؤخرًا، كنت في مكالمة هاتفية مع قائد لا يمكن وصفه بالرقة، نناقش موضوعًا حساسًا. في نهاية الحديث، قال لي: أنت وأنا نتقاسم القيم ذاتها”. لكن الحوار مع الجميع هو بالضبط ما تقتضيه مهنته.
وحين يستحضر رحلاته المتعدّدة إلى مناطق النزاعات، التي أخذته مؤخرًا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية وستأخذه قريبًا إلى أوكرانيا والشرق الأوسط، يتحاشى المدير بعناية الكشف عن هوية محاوريه. لكن لا يمنعه ذلك من صراحة نادرة في عالم جنيف الدولية المعروف بتحفّظه.
تآكل القانون الإنسانيربما لم تكن مهمة نداء جنيف يومًا أصعب مما هي عليه اليوم. فكيف يمكن إقناع الجماعات المسلحة باحترام اتفاقيات جنيف، حين تنتهكها الدول المصادِقة عليها؟
بمرارة، يقول ديليترو:“لا يوجد جيش نظامي واحد منخرط في قتال يتصرف بشكل صحيح. ويأسف لـ”تآكل القانون الدولي الإنساني” على نطاق واسع، من أوكرانيا إلى غزة مرورًا بالسودان.
ويكشف:“منذ القصف الإسرائيلي على غزة، قال لنا عدد من قادة الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط بصراحة تامة: لا تحدّثونا بعد الآن عن اتفاقيات جنيف. إذا كان بالإمكان أن تجري هذه الفظائع أمام أعيننا دون أن يتحرّك أحد، فلماذا ينبغي علينا احترام هذه القواعد؟”.
حينئذٍ، يضطرّ فريقه إلى البحث عن مرتكزات أخرى؛ مدونات سلوك لميليشيات مختلفة، أو نصوص دينية تتضمّن قواعد مماثلة. ويحرص ديليتروز على التأكيد:“خلافًا لما قد يُظن، تريد الغالبية العظمى من الجماعات مواصلة الحوار”. لكنّه يُقرّ بتعذّره مع بعضها، ولا سيما الجهادية منها، التي ترفضه رفضًا قاطعًا.
ومن مكتبه المطل على ساحة الأمم المتحدة، يرصد تحولات المشهد:“أكبر تغيير شهدناه خلال السنوات العشر الماضية، هو اتساع الرقعة الجغرافية المسيطرة عليها الجماعات المسلحة. وقد امتدت هذه الرقعة لتشمل أكثر من 200 مليون شخص، فيما تحوّلت بعض الميليشيات إلى سلطات أمر واقع تدير مناطق بأكملها”.
بدوره، أثّر هذا التحول في عمل المنظمة البالغة ميزانيتها السنوية نحو 20 مليون فرنك سويسري. يقول:“في البداية، كنا نعمل على سلوك المقاتلين أساسًا. أما اليوم، فنقدّم أيضًا تدريبات في إدارة المناطق المدنية وحماية السكان”.
الإبقاء على الأملبعد قرابة عشر سنوات في منصبه، سألنا ديليترو إن كان يراوده شعور بالندم. فتوقّف لحظة قبل الإجابة:“حين رأيت صور السابع من أكتوبر، قلت لنفسي أخطأنا بعدم الحوار مع حماس. لأن لا أحد من الجماعات التي نعمل معها يُجهز على المدنيين والمدنيات بأدوات الحديقة”، يقول بصوت خافت.
لم تكن منظمة نداء جنيف قد اقتربت من الحركة الفلسطينية قط، إذ كان عدد كبير من الفاعلين الإنسانيين حاضرين وحاضرات أصلًا في الشرق الأوسط. فاختارت المنظمة تركيز جهودها على نزاعات أخرى، لا سيما في إفريقيا.
ورغم تآكل القانون الدولي وتدهور الأوضاع الأمنية والأزمة العاصفة بالقطاع الإنساني، يرفض ديليتروز، في الثانية والستين من عمره وأب لولدين وثلاث بنات، الاستسلام للتشاؤم. ويقول:“ما يحفّزني هو رؤية أشخاصٍ كانوا يرتكبون الجرائم يغيّرون سلوكهم، ويضعون قواعد لقواتهم، ويعاقبون على الانتهاكات. هذا ما يمنحنا القوّة على المضي قدمًا”.
هذه الشخصية هي الأولى في سلسلة مخصصة للشخصيات التي تجسد الاتجاهات التي تشكل جنيف الدولية اليوم. ستتناول الحلقة القادمة آلان فيرنر، مدير منظمة سيفيتاس ماكسيما، وهي منظمة غير حكومية تتعقب مجرمي الحرب من جنيف في وقت تتعرض فيه العدالة الدولية لضغوط.
تحرير: سامويل جابيرغ
ترجمة من الفرنسية. راجعه وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment