من شارع الوكالات إلى مجمع بنك الإسكان: حين يخفت بريق المكان في عمّان

(MENAFN- Al Wakeel News) الوكيل الإخباري- موسى الزول يكتب:


في المدن الحيّة، لا يموت المكان التجاري فجأة؛ تخفّ خطاه أولاً، ثم تقلّ وجوهه، وتغلق بعض أبوابه، حتى يصبح ما كان يوماً قلباً نابضاً مجرد ذاكرة.


والزمن لا يهدم الأمكنة وحده؛ إنما يبدّل علاقتها بالناس.


فالمكان الذي كان بالأمس وجهةً للمدينة، قد يصبح اليوم محطةً عابرة، وقد يحمل في بنيته ما يؤهله لأن يكون غداً شيئاً آخر.
ومن هنا يمكن أن نتأمل حكاية شارع الوكالات في الصويفية؛ المكان الذي تسيد زمناً مشهد التسوق والتنزه، ثم بدأ بريقه يخفت؛ وقبله عرفت أسواق جبل الحسين تحولات مشابهة، واليوم تطرح بعض المجمعات التجارية أسئلة عن قدرتها على الاحتفاظ بمكانتها في سوق تتغير فيه خيارات الناس بسرعة.
وليس ضعف القدرة الشرائية وحده سبباً في ذلك. فارتفاع الإيجارات، حين يتجاوز قدرة النشاط التجاري على تحمّلها، يضغط على التاجر وينعكس على السعر، فيما أصبح المستهلك أكثر انتقائية؛ فهو لا يبحث عن محل فقط، بل عن مكان مريح، سهل الوصول، متنوع، ومعتدل الكلفة.
وهنا لا تختفي الحركة التجارية؛
إنها تهاجر...
قد تنتقل من شارع إلى مول،
ومن مجمع إلى منطقة جديدة،
ولذلك لا ينبغي أن تُدرس المشاريع التجارية الجديدة من زاوية جدواها منفردة، بل من زاوية أثرها في "خريطة الحركة من حولها"...
ومشاريع مثل التي تُنشَأ على شارع "كريدور عبدون" قد تعيد توزيع الحركة، فتزدهر أماكن وتتراجع أخرى.
والعين الهندسية لا تقرأ هذا المشهد باعتباره حركة عقارات فقط؛ بل ترى دورة حياة للمكان:
وظيفة وُلدت،
وحركة نمت،
وازدهار ترسخ،
ثم تغيرت الظروف، فبدأ المكان يفقد بعض أسبابه الأولى للحياة.
لكن التحذير الأهم: لا ينبغي أن يكون علاج المكان المريض بإطفائه.
فشارع الوكالات ليس مجرد شارع خفتت حركته؛ إنه أحد الأماكن التي صنعت مرحلة من الحركة التجارية والترفيهية في عمّان.
ومجمع بنك الإسكان ليس مجرد عقار خفت بريقه؛ إنه معلم عمراني واقتصادي ذو موقع متميز، احتضن فندقاً وقصر مؤتمرات، وما زالت بنيته القائمة تحمل إمكانات حقيقية لإعادة التوظيف والاستثمار.
وهنا تتدخل حكمة الزمن: ليس كل قديم عتيقاً، وليس كل جديد متقدماً.
فبعض المباني يسبق عصره في الفكرة،
ثم يتأخر عنه في الاستخدام؛
وبعض الشوارع لا تفقد قيمتها،
وإنما تفقد الوظيفة التي كانت تمنحها الحياة.
لذلك لا ينبغي أن نبحث عن بديل لهذين المكانين، بل عن نافذة تعيد إليهما الحياة.
والإحياء لا يكون بطلاء الواجهات وإعادة تأجير المحال فقط؛ بل بتأهيل عمراني يحترم هوية المكان، وتنشيط تجاري واقعي، وفعاليات اجتماعية وثقافية وترفيهية، وحضور مؤسسات وخدمات عامة حين يكون ذلك جزءاً من الحل، وإعادة تشكيل الساحات والممرات وأماكن الجلوس والتنزه، بما يجعل المكان جذاباً ومتاحاً بتكلفة معتدلة.
فالمكان لا تحييه الواجهات وحدها؛ تحييه الحياة من حوله.
ولا ندعو هنا إلى حماية القديم من الجديد، ولا نتبنى دعوة إلى وقف الاستثمار، بل إلى أن يكون النمو التجاري أكثر وعياً؛ فلا يكون ازدهار مكان حكماً بإطفاء آخر، ولا ننتظر حتى تتراكم لافتات ((للإيجار)) لنسأل عن السبب.
فالمهندس حين ينظر إلى مبنى قديم لا يسأل فقط: كم بقي من عمره؟
بل يسأل: كم بقي فيه من قدرة على الحياة؟
وهكذا ينبغي أن ننظر إلى أماكننا.
شارع الوكالات ومجمع بنك الإسكان لا يحتاجان إلى من يرثيهما،
بل إلى من يقرأ ما بقي فيهما من نبض.
فقد تكون الروح التي غادرت المكان لم تصعد بعد إلى السماء؛
ربما ما زالت تنتظر نافذة العودة إلى الحياة...

MENAFN04092026000208011052ID1111623198

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

آخر الأخبار

البحث