من حرارة الصحراء الى برودة المدن، دبي تبني نموذجاً عالمياً لتبريد المناطق

(MENAFN- MENAFNEditorial) تفرض موجات الحر المتزايدة في مدن العالم ضغوطاً متنامية على أنظمة الطاقة والبنية التحتية، وتدفع المدن إلى إعادة التفكير في كيفية تخطيطها وتلبية احتياجاتها المتنامية من التبريد بكفاءة واستدامة. وتبرز أوروبا بوصفها إحدى المناطق التي تعكس بوضوح تسارع هذه التحولات المناخية؛ ففي صيف 2026، شهدت أجزاء واسعة من غرب وجنوب أوروبا موجات حر شديدة، تجاوزت خلالها درجات الحرارة 40 درجة مئوية في عدد من المناطق. ففي يونيو، بلغت درجات الحرارة 43.8 درجة مئوية في فرنسا و أكثر من 42 درجة مئوية في بعض مناطق إسبانيا، وغيرها من الدول في مؤشر واضح على شدة الظروف الحرارية التي تواجهها المدن الأوروبية.

ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه معدلات انتشار أجهزة تكييف الهواء في أوروبا منخفضة نسبياً، إذ تشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن نحو 20% فقط من الأسر الأوروبية تمتلك أجهزة تكييف. ومع تزايد فترات الحر وارتفاع درجات الحرارة، تبرز الحاجة إلى حلول أكثر كفاءة وقدرة على تلبية الطلب المتنامي على التبريد، من دون زيادة الضغوط على شبكات الكهرباء أو استنزاف الموارد.

وتضع هذه المعادلة المدن أمام تحدٍ يتجاوز كيفية تلبية احتياجاتها من التبريد. فمع ارتفاع درجات الحرارة واتساع الطلب على التبريد، يمكن أن يؤدي الانتشار الواسع لأنظمة التكييف المنفردة إلى زيادة الأحمال، ولا سيما خلال أوقات الذروة، وفرض استثمارات إضافية على شبكات الكهرباء. كما تضاعف استهلاك الأسر في الاتحاد الأوروبي للطاقة المستخدمة في تبريد المساحات بين عامي 2018 و2024، من 40.5 ألف تيراجول (بما يعادل نحو 11.3 تيراوات/ساعة) إلى 80.4 ألف تيراجول (بما يعادل نحو 22.3 تيراوات/ساعة) وفي الوقت الذي تبحث فيه المدن الأكثر اعتدالاً مناخياً عن حلول للتعامل مع تنامي الطلب على التبريد. تمتلك مدن الخليج تجربة مختلفة؛ فقد فرضت درجات الحرارة المرتفعة عليها منذ وقت مبكر تطوير بنية تحتية قادرة على إدارة احتياجات التبريد على نطاق واسع.

من تبريد المبنى إلى تبريد المدينة
يقدم تبريد المناطق نموذجاً يقوم على إنتاج المياه المبردة في محطات مركزية عالية الكفاءة، ونقلها عبر شبكات من الأنابيب المعزولة لتلبية احتياجات مجموعة من المباني والمنشآت. ويتيح تجميع الطلب على التبريد ضمن نظام واحد استخدام معدات أكبر وأكثر كفاءة، وتحسين إدارة الأحمال، وتقليص استهلاك الكهرباء اللازم للتبريد مقارنةً بتشغيل أنظمة مستقلة لكل مبنى.

وتوفر أنظمة تبريد المناطق وفورات في استهلاك الكهرباء تصل إلى 50% مقارنةً بأنظمة التبريد التقليدية، إذ تحتاج إلى نحو 0.9 إلى 1 كيلوواط من الكهرباء لكل طن تبريد، مقابل 1.6 إلى 1.8 كيلوواط للأنظمة التقليدية. ويكتسب هذا الفارق أهمية أكبر عندما تمتد الشبكة لتخدم أحياءً ومناطق حضريةً كاملة.

دبي تبني التبريد بوصفه بنيةً تحتيةً
اختبرت دبي، على مدى أكثر من عقدين، نموذجاً مختلفاً في التعامل مع احتياجات التبريد، انطلاقاً من إدراك مبكر بأن التبريد في مدينة ذات مناخ حار لا يمثل مجرد خدمة مرتبطة بالمباني، بل جزءاً من البنية التحتية التي تواكب النمو العمراني وتدعم كفاءة استخدام الطاقة. ومع التوسع المتسارع في المشاريع السكنية والتجارية والسياحية، تطورت خدمات تبريد المناطق لتصبح جزءاً من منظومة البنية التحتية الحضرية في الإمارة، قادرة على تلبية الطلب المتزايد على التبريد على نطاق واسع.

وفي هذا السياق، برزت "إمباور" كأحد أبرز النماذج التي جسدت هذا التوجه على أرض الواقع. فمنذ بدء عملياتها في عام 2004 بطاقة بلغت 5,400 طن تبريد، واصلت المؤسسة تطوير محطاتها وشبكاتها بالتوازي مع النمو العمراني في دبي، لتتحول تدريجياً إلى أكبر مزود لخدمات تبريد المناطق في العالم.

وقد أسهم هذا النهج في بناء بنية تحتية واسعة لتبريد المناطق في دبي، ضمت بنهاية عام 2025 نحو 90 محطة وشبكة من خطوط أنابيب نقل وتوزيع طاقة تبريد المناطق تجاوز طولها 430 كيلومتراً. وواصلت "إمباور" توسعها خلال النصف الأول من عام 2026، لترتفع قدرتها الموصلة إلى نحو 1.71 مليون طن تبريد، وقدرتها التعاقدية إلى نحو 2.02 مليون طن تبريد، فيما اتسعت شبكة خدماتها لتشمل 1,796 مبنى وأكثر من 161 ألف متعامل من الأفراد والمؤسسات.

وقال سعادة أحمد بن شعفار، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الإمارات لأنظمة التبريد المركزي ش.م.ع "إمباور"، وعضو مجلس إدارة الجمعية الدولية لطاقة المناطق (IDEA) والمستشار الخاص لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، ، ورئيس مجلس إدارة جمعية مشغلي تبريد المناطق في الخليج: "أثبتت التحولات المناخية أن التبريد لم يعد مجرد خدمة للمباني، بل أصبح جزءاً أساسياً من البنية التحتية للمدن. وتجربة دبي على مدى أكثر من عقدين أظهرت أهمية التخطيط المسبق لتطوير محطات وشبكات تبريد المناطق بما يواكب النمو الحضري، ويرفع كفاءة استهلاك الطاقة، ويضمن موثوقية الخدمة. واليوم، تحمل هذه التجربة دروساً يمكن للمدن حول العالم الاستفادة منها في بناء بنية تحتية أكثر كفاءة ومرونة لمواجهة ارتفاع درجات الحرارة وتنامي الطلب على التبريد".

التبريد في قلب تخطيط المدن
تتباين جدوى تبريد المناطق من مدينة إلى أخرى ومن حي إلى آخر، تبعاً للكثافة العمرانية وحجم الطلب وإمكانات تطوير الشبكات والبنية التحتية. وتبرز ملاءمته بصورة خاصة في المناطق عالية الكثافة، والمشاريع العمرانية متعددة الاستخدامات، ومناطق الأعمال، والمطارات، والمستشفيات، والجامعات، حيث يتيح تجميع أحمال التبريد الاستفادة من اختلاف أوقات ذروة الطلب وتقليص القدرة المطلوبة للنظام ككل.

وتظهر تجربة دبي كيف يمكن دمج التبريد في التخطيط طويل الأمد للبنية التحتية، بحيث تتطور الشبكات بالتوازي مع النمو العمراني وتواكب الطلب المتزايد بكفاءة وموثوقية. ومع ارتفاع درجات الحرارة وتنامي احتياجات التبريد حول العالم، تكتسب هذه التجربة أهمية متزايدة، إذ توضح أن التخطيط المسبق للتبريد يمكن أن يساعد المدن على استيعاب النمو، وتحسين كفاءة الطاقة، والحد من الضغوط على شبكات الكهرباء.

ولذلك، لم يعد التحدي يقتصر على كيفية تبريد المباني، بل على كيفية بناء بنية تحتية قادرة على مواكبة نمو المدن في مناخ أكثر حرارة. ومن هنا، تقدم دبي نموذجاً عملياً يؤكد أن التخطيط للتبريد لا يبدأ عندما ترتفع الحرارة، بل يبدأ عند التخطيط للمدينة نفسها.

MENAFN03092026000070015918ID1111616456

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث