"العشرين" تبحث مستقبل الاقتصاد وسط أزمات الحرب والطاقة والتجارة
تحولت ولاية نورث كارولاينا الأمريكية، أمس، إلى بؤرة مؤقتة لصراع المصالح الاقتصادية والسياسية بين أكبر اقتصادات العالم، مع انعقاد اجتماعات مجموعة العشرين في أشفيل وتشابل هيل، وسط أزمات متزامنة تضغط على الاقتصاد العالمي من اتجاهات عدة: حرب إيران، والحرب الروسية الأوكرانية، واضطرابات أسواق الطاقة، وارتفاع مستويات الدين، والتوترات التجارية، وضعف بعض العملات، إضافة إلى سباق عالمي محتدم على الذكاء الاصطناعي.
وفي أشفيل، اختتم وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية اجتماعاتهم التي بدأت مساء الاثنين، بعد اجتماعات نواب الوزراء والمحافظين يومي 29 و30 أغسطس.
أما في تشابل هيل، فتنطلق اجتماعات وزارية تركز على الابتكار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتستمر يومين.
لكن الحدث الأبرز سياسياً في أشفيل كان عودة وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف، إلى اجتماعات المسار المالي لمجموعة العشرين، في خطوة أمريكية أثارت غضباً وتحفظات أوروبية، بينما حاول وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، التأكيد على أن فتح باب الحوار مع موسكو لا يعني تخفيف العقوبات أو تقديم تنازلات اقتصادية.
في المقابل، وضعت واشنطن الحرب مع إيران في صدارة تحركها الدبلوماسي الاقتصادي، مطالبة حلفاءها وشركاءها بتشديد الضغط المالي على طهران، في وقت تهدد فيه الحرب بإبقاء أسعار الطاقة والتضخم العالمي تحت الضغط.
وبينما تتصاعد هذه الخلافات، تحاول الإدارة الأمريكية فرض أجندة مختلفة على مجموعة العشرين، عنوانها الأساسي النمو الاقتصادي، وتخفيف القيود التنظيمية، وزيادة إنتاج الطاقة، وتحفيز الاستثمار الخاص.
بيسنت يفتتح الاجتماعات: ((النمو أولاً))ودخل وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت اجتماعات أشفيل برسالة واضحة: تريد واشنطن أن يكون النمو الاقتصادي في صدارة أجندة مجموعة العشرين.
وقال إن الولايات المتحدة تتبنى في رئاستها للمجموعة مقاربة تركز على إزالة العوائق أمام النمو، بما في ذلك القيود التنظيمية، وزيادة إنتاج الطاقة، وتشجيع الابتكار والاستثمار الخاص.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد حددت مسبقاً مجموعة من الملفات التي تريد دفعها خلال رئاسة واشنطن، تشمل النمو العالمي، والاختلالات التجارية، وإعادة هيكلة الديون السيادية، والتنظيم المالي، والطاقة، والمدفوعات العابرة للحدود.
وكانت مشاركة وزير المالية الروسي، أنطون سيلوانوف، التطور الأكثر إثارة للجدل.
فالولايات المتحدة أعادت موسكو إلى طاولة اجتماعات وزراء مالية مجموعة العشرين، في خطوة تمثل تحولاً عن الموقف الغربي الذي ساد منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022.
وأثار القرار اعتراضات أوروبية، خصوصاً في ألمانيا وبولندا، وسط مخاوف من أن تؤدي عودة المسؤولين الروس إلى إضعاف الجبهة الغربية في مواجهة موسكو. ولم يكن الخلاف بروتوكولياً فقط. فعودة روسيا تعكس اختلافاً في الرؤية بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية بشأن كيفية التعامل مع موسكو، خصوصاً في ظل استمرار الحرب.
ومع ذلك، حرص بيسنت على رسم خط فاصل بين الحوار وتخفيف الضغط الاقتصادي. فخلال لقاء مع سيلوانوف، أبلغ الوزير الأمريكي نظيره الروسي بأن الولايات المتحدة لا تعتزم تقديم اتفاقات مالية أو تخفيف اقتصادي لروسيا قبل انتهاء الحرب في أوكرانيا.
وتحاول واشنطن بذلك تقديم عودة روسيا إلى الاجتماعات باعتبارها وسيلة للحوار وليس إعلاناً عن تطبيع العلاقات الاقتصادية. لكن بالنسبة إلى الأوروبيين، فإن مجرد وجود المسؤول الروسي داخل الاجتماع يحمل رسالة سياسية بحد ذاته.
((لا تخفيف اقتصادياً قبل انتهاء الحرب))كانت هذه العبارة من أبرز الرسائل التي خرجت من لقاء بيسنت وسيلوانوف؛ ففي الوقت الذي فتحت فيه الولايات المتحدة باب المشاركة الروسية، أكدت في الوقت ذاته استمرار الضغط الاقتصادي.
ويعني ذلك أن واشنطن تريد استخدام مجموعة العشرين كمنصة للحوار حتى مع الدول التي تختلف معها بشدة، لكنها لا تريد أن يفهم هذا الحوار على أنه تنازل عن العقوبات.
هذه المعادلة قد تكون مؤشراً على النهج الأمريكي الجديد تجاه المجموعة: إبقاء جميع القوى الكبرى حول الطاولة، حتى في ظل استمرار الصراعات. لكنها في الوقت ذاته تزيد التوتر مع الأوروبيين الذين يربطون أي انفتاح على روسيا بالتقدم في إنهاء الحرب.
إيران.. الملف الأكثر سخونةوإذا كانت عودة روسيا هي أكثر الملفات السياسية إثارة للجدل، فإن إيران كانت القضية الاقتصادية الأكثر إلحاحاً.
فقد دخل بيسنت الاجتماعات وهو يحمل خطة لزيادة الضغط المالي على طهران، في محاولة لحشد مجموعة العشرين وراء العقوبات الأمريكية.
وقال بيسنت إن الاقتصاد الإيراني قد يواجه ضغوطاً شديدة خلال أسابيع أو أشهر، لكنه أشار إلى أن الهدف الأمريكي ليس بالضرورة انهيار الاقتصاد الإيراني، بل دفع القيادة الإيرانية إلى تغيير سلوكها.
وقال في تصريح لافت: ((قد يحدث ذلك خلال أسابيع أو أشهر)). وكان يشير إلى مدى سرعة تعرض الاقتصاد الإيراني لضغوط إضافية نتيجة العقوبات والإجراءات المالية.
وأضاف أن الاقتصاد الإيراني ((لا يحتاج إلى الانهيار))، وإنما المطلوب أن ((يصل النظام إلى رشده))، في إشارة إلى هدف واشنطن السياسي من العقوبات.
وفي تطور مهم بالنسبة لواشنطن، قالت الإدارة الأمريكية إن الاتحاد الأوروبي أبدى دعماً واسعاً لجهود الضغط الاقتصادي على إيران.
وكان الاتحاد الأوروبي قد أعلن أنه مستعد للعمل مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين لزيادة الضغط الاقتصادي على طهران. هذا الدعم يمثل نقطة تقاطع نادرة بين واشنطن وبعض حلفائها الأوروبيين، في وقت تشهد فيه العلاقات بينهم خلافات كبيرة حول روسيا والتجارة والرسوم الجمركية.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في الطاقة، فأي تصعيد اقتصادي ضد إيران يمكن أن ينعكس على أسواق النفط والغاز، خصوصاً في ظل التوترات العسكرية في المنطقة.
وبالتالي، تواجه دول مجموعة العشرين معادلة صعبة وهي: كيف يمكن تشديد العقوبات على إيران من دون زيادة الضغوط التضخمية التي تعاني منها اقتصاداتها؟.
وفي تطور آخر، أعلن بيسنت أن الولايات المتحدة تخطط لفرض عقوبات على بنك آخر في إطار حملة الضغط على إيران، من دون الكشف عن اسم البنك.
وقال إن واشنطن تسعى إلى تضييق الخناق على المعاملات المرتبطة بإيران، في وقت تواجه فيه الإدارة الأمريكية ضغوطاً لرفع تكلفة التعامل مع طهران على المؤسسات المالية العالمية.
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة لأن نجاح العقوبات الأمريكية يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة واشنطن على استخدام النظام المالي العالمي، بما في ذلك الوصول إلى الدولار والمؤسسات المالية الدولية، لكن استخدام هذه الأدوات قد يخلق خلافات مع دول وشركات لديها مصالح اقتصادية أو تجارية مع إيران.
الاختلالات التجاريةكذلك تريد واشنطن من مجموعة العشرين مناقشة ما تسميه الاختلالات التجارية العالمية، وتضغط بصورة خاصة باتجاه زيادة الاستهلاك المحلي في الصين وتقليل الاعتماد على الصادرات.
وترى الإدارة الأمريكية أن استمرار الفوائض التجارية الكبيرة لبعض الدول يؤدي إلى اختلالات في الاقتصاد العالمي ويضر بالمنتجين الأمريكيين، لكن الصين لا تنظر إلى المسألة بالطريقة نفسها.
فقدرة القطاع الصناعي الصيني على الإنتاج والتصدير أصبحت جزءاً أساسياً من نموذجها الاقتصادي، فيما ترى بكين أن الرسوم الجمركية والقيود التجارية الأميركية تمثل في حد ذاتها مصدراً للاختلال.
وهكذا، فإن النقاش في أشفيل لا يدور فقط حول التجارة، إنه نقاش حول النموذج الاقتصادي الذي سيقود الاقتصاد العالمي.
- نورث كارولاينا العشرين أسواق الطاقة
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment